الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تفسير سورة فاطر
الخلق دليل القدرة الإلهية
تكثر ادعاءات المغرورين والمتكبرين المشركين ومزاعمهم بأنهم يملكون قدرة معينة: إما فكرية وإما جسدية وإما إبداعية، وتتبدد كل تلك المزاعم أمام الواقع الأعظم: وهو إيجاد أشياء مادية وروحية حركية معا، تعمل بفكر منظم ومنطق رتيب. لذا لم نجد حاجة في القرآن الكريم لإثبات وجود الله غير دليل الإيجاد أو الخلق أو الإبداع الإلهي للأشياء بدون سابقة، وهذا وحده كاف لتتداعى أمامه كل ألوان الغرور والتكبر والشرك، واستحق هذا أن يحمد الخالق عليه بكل مشتملات الحمد، ويستغرق هذا جميع الأفعال الشريفة، فيثبت الكمال لله وحده، وهذا ما عبّرت عنه الآيات الآتية في مطلع سورة فاطر:
[سورة فاطر (35) : الآيات 1 الى 4]
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4)
«1» «2» [فاطر: 35/ 1- 4] .
(1) أي خالقهما ومبدعهما ابتداء لا على مثال سبق، من الفطر: وهو الشق، أي شق الشيء بإخراج السماء والأرض منه.
(2)
أي كيف تصرفون عن الإيمان إلى الكفر؟ [.....]
لله تعالى جميع أنواع المحامد والشكر الخالص على نعمه، فكلمة الْحَمْدُ الألف واللام لاستغراق الجنس على أتم عموم، والشكر بعض أنواع الحمد، فيشمله، وحمده تعالى لأنه سبحانه مبتدئ خلق السماوات والأرض، مما يدل على وجوده، وتمام قدرته، واتصافه بالكمال وحده، فهو إذن قادر على إعادة الخلق أحياء مرة أخرى.
والله تعالى جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه لتبليغ رسالاته وغير ذلك، فقد جعلهم رسلا بالوحي ونحوه من الأوامر، ومنهم جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، ومنهم الملائكة المتعاقبون المتناوبون لتنفيذ أوامر الله، ومنهم المسدّدون لحكام العدل وغيرهم، وقد خلقهم الله ذوي أجنحة متعددة، بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، وبعضهم له أكثر من ذلك وهم شذوذ، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء. فقوله تعالى:
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ألفاظ معدولة من اثنين وثلاثة وأربعة، فهي ممنوعة من الصرف للعدل والتعريف.
وليس هذا بمستغرب أو ببدع في قدرة الله تعالى، فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، من أجنحة وغيرها، كملاحة العين، وجمال الأنف، وحلاوة الفم، وحسن الصوت، إن الله تام القدرة في خلق الزيادة المادية الحسية والمعنوية، فلا يعجز عن شيء.
وبالإضافة إلى تمام القدرة الإلهية، فإنه سبحانه نافذ الإرادة والمشيئة والأمر، فما يعطي الله تعالى من خير أو نعمة حسية كرزق، ومطر، وصحة، أو معنوية، كأمن وعلم، ونبوة وحكمة، فلا مانع له، وما يمنع من ذلك، فلا يقدر أحد أن يرسله من بعد إمساكه من الله، بيده الخير كله، والله هو القوي الغالب القاهر، الحكيم في قوله وفعله وتدبيره، يضع كل شيء في موضعه المناسب له. فقوله: مِنْ رَحْمَةٍ عام