الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أو المقارنة بين الفريقين، لعلو درجة المؤمنين، ودنوّ رتبة الكافرين الذين زيّن لهم سوء عملهم، وهذا ما أخبر عنه القرآن الكريم في الآيات الآتية:
[سورة فاطر (35) : الآيات 5 الى 8]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8)
«1» [فاطر: 35/ 5- 8] .
أبانت آيات سورة فاطر في مطلعها ثلاثة أصول إيمانية: الأول- التوحيد الإلهي، والثاني- الرسالة النبوية، وهذا مما سبق بيانهما، والثالث- الحشر والبعث، وهذا موضوع الآيات المذكورة هنا.
يعظ الله تعالى جميع العالم، ويحذرهم غرور الدنيا بنعيمها وزخرفها، وينبّههم إلى عالم المعاد، فإن وعد الله بالبعث والجزاء حق ثابت لا شك فيه، والمعاد كائن لا محالة، بما فيه من خير ونعيم، أو عذاب مقيم، فلا تلتهوا بمغريات الدنيا ولذائذها عن العمل للآخرة، ولا يغرنكم الشيطان بالله، فيجعلكم في أوهام وآمال خيالية، ولا تلهينكم الحياة الدنيوية.
إن عداوة الشيطان لكم أيها البشر عداوة قديمة ظاهرة، فعادوه أنتم عداوة شديدة، وخالفوه بطاعة الله، واجتنبوا إغراءه بمعاصي الله ونواهيه، فعداوته:
بالمباينة والمقاطعة، والمخالفة له: باتباع الشرع.
إنما يريد الشيطان إضلالكم حتى يوصلكم معه إلى عذاب النار الشديد. ويدعو
(1) هو الشيطان.
حزبه، أي حاشيته الصاغية له وجماعته الملتفين حوله، ليصيروا من أهل النار، فتكون اللام في لِيَكُونُوا لام الصيرورة، لأنه لم يدعهم صراحة إلى السعير، وإنما ترتب على الاستجابة لوساوسه صيرورة أمرهم منه إلى ذلك. والسعير: طبقة من طبقات جهنم، وهي سبع طبقات.
وجزاء فريقي الآخرة معروف، فالذين كفروا بالله ورسوله، وأنكروا الآخرة، واتبعوا وساوس الشيطان، لهم عذاب شديد في نار جهنم، لأنهم أطاعوا الشيطان، وعصوا الرحمن.
والذين صدقوا بالله ورسوله وباليوم الاخر، وعملوا صالح الأعمال من اتباع الأوامر، واجتناب النواهي، لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير، وهو الجنة، بسبب الإيمان والعمل الصالح.
وفرق كبير بين الفريقين، فكيف يتساوى المحسن والمسيء وكيف يتماثل الذين حسّن لهم الشيطان أعمالهم، ظانين أنهم محسنون صنعا، وأولئك المهتدون على طريق الحق والخير؟ والمراد بمن زيّن له سوء عمله: كفار قريش وأمثالهم. وقوله تعالى:
أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ جوابه محذوف، تقديره: كمن اهتدى. ثم واسى الله تعالى نبيه عن كفر قومه، ببيان أن من شاء الله إضلاله أضلّه، ومن شاء هدايته هداه، بسبب ما يعلم الله من استعداد كل واحد لتقبل الخير، أو حبّ الشر، ويجب التسليم لله تعالى في إضلال من شاء، وهداية من شاء.
وأمر الله نبيه بالإعراض عن أمر قومه، وألا يهلك نفسه أو يوقعها في الغم والحزن، بسبب عدم إيمان قومه، وإصرارهم على الكفر، وبقائهم في الضلال، فالله عليم بأحوالهم واستعداداتهم، وعالم بما يفعلون من المنكرات والقبائح، فيجازيهم بما يستحقون. وهذا وعيد للكفار، وتهديد، وزجر بليغ، والمراد بقوله: فَلا تَذْهَبْ