الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمين}، قال: العَمى: العامِي عن الحق
(1)
[2556]. (ز)
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ
(65)}
قصة هود عليه السلام مع عاد
28051 -
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل عن الضحاك، ومن طريق ابن إسحاق عن رجال سمّاهم، ومن طريق الكلبي- قالوا جميعًا: إنّ عادًا كانوا أصحاب أوثانٍ يعبُدُونها، اتخذوا أصنامًا على مثال وُدٍّ، وسُواعٍ، ويَغُوثَ، ونَسْرٍ، فاتَّخذوا صَنَمًا يُقال له: صَمُودُ، وصَنمًا يقال له: الهتالُ، فبعث الله إليهم هودًا، وكان هودٌ مِن قبيلة يُقال لها: الخلودُ، وكان مِن أوسطِهم نَسَبًا، وأفضلِهم موضعًا، وأشرفِهم نفسًا، وأصبَحِهم وجهًا، وكان في مثل أجسادهم، أبيضَ، جَعْدًا، باديَ العَنفَقَةِ
(2)
، طويلَ اللحية، فدعاهم إلى الله، وأمرهم أن يُوَحِّدوه، وأن يَكُفُّوا عن ظلم الناس، ولم يأمرْهم بغير ذلك، ولم يَدْعُهم إلى شريعة ولا إلى صلاةٍ، فأبَوْا ذلك، وكذَّبوه، وقالوا:{من أشدُّ منا قوةً} [فصلت: 15]. فذلك قولُه تعالى: {وإلى عادٍ أخاهُم هودًا} كان من قومهم، ولم يكنْ أخاهم في الدينِ، {قال يا قومِ اعبُدُوا الله} يعني: وحِّدُوا اللهَ، ولا تُشرِكوا به شيئًا، {مّا لكم} يقول: ليس لكم مِن إله غيرُه، {أفلا تتقُون} يعني: فكيف لا تتَّقون؟ {واذكرُوا إذ جعلكُم خلفآء} يعني: سُكّانًا في الأرض {من بعد قومِ نوحٍ} فكيف لا تعتبِروا فتؤمِنوا، وقد علِمتُم ما نَزَل بقوم نوح مِن النِّقمة حين عصَوه؟! {فاذكروا آلاء اللهِ لعلكم} يعني: هذه النعم، {لعلكُم تُفلحونَ} أي: كي تُفلِحوا. وكانت منازلهُم بالأحقافِ، والأحقافُ: الرَّمْلُ فيما بين عُمان إلى حضرموتَ باليمن، وكانوا مع ذلك قد أفسَدوا في الأرض كلِّها، وقهَروا أهلَها بفضل قوَّتِهم التي آتاهم اللهُ
(3)
. (6/ 446)
28052 -
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم
[2556] لم يذكر ابنُ جرير (10/ 264) غير هذا القول، وقول مجاهد بن جبر قبله.
_________
(1)
أخرجه ابن جرير 10/ 264.
(2)
العَنْفَقَة: الشعر الذي في الشَّفَة السُّفلى. النهاية (عنفق).
(3)
عزاه السيوطي إلى إسحاق بن بشر، وابن عساكر.
اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}، إنّ عادًا أتاهم هود، فوَعَظَهم، وذكَّرهم بما قصَّ اللهُ في القرآن، فكذَّبوه، وكفروا، وسألوه أن يأتيهم العذاب، فقال لهم:{إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به} . وإنّ عادا أصابهم حين كفروا قحوط المطر، حتى جهدوا لذلك جهدًا شديدًا، وذلك أنّ هودًا دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريح العقيم، وهي الريح التي لا تلقح الشجر، فلما نظروا إليها قالوا:{هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24]، فلمّا دَنَتْ منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلمّا رأوها تَنادَوا: البيوتَ. فلمّا دخلوا البيوتَ دَخَلَتْ عليهم، فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم {في يوم نحس} والنحس: هو الشؤم، و {مستمر} [القمر: 19]، استَمَرَّ عليهم العذاب {سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: 7] حَسَمَتْ كُلَّ شيءٍ مَرَّت به. فلما أخرجتهم من البيوت قال الله: {تنزع الناس} من البيوت، {كأنهم أعجاز نخل منقعر} [القمر: 20] انقَعَر من أصوله، {خاوية} [الحاقة: 7]: خَوَتْ، فسَقَطَتْ. فلمّا أهلكهم الله أرسل إليهم طيرًا سُودًا، فنقلتهم إلى البحر، فألقتهم فيه، فذلك قوله:{فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} [الأحقاف: 25]، ولم تخرج ريحٌ قطُّ إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنّها عَتَت على الخَزَنَة، فغَلَبَتْهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها، وذلك قوله:{فأهلكوا بريح صرصر عاتية} [الحاقة: 6]، والصرصر: ذات الصوت الشديد
(1)
. (ز)
28053 -
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: كانت منازلُ عاد وجماعتِهم حين بعث الله فيهم هودًا الأحقافَ. قال: والأحقاف: الرَّمْلُ فيما بين عمان إلى حضرموت فاليمن كله. وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض كلها، وقهروا أهلَها بفضل قوتهم التي آتاهم الله، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله؛ صنم يُقال له: صداءُ، وصنم يقال له: صَمُودُ، وصنم يقال له: الهَباءُ، فبعث الله إليهم هودًا، وهو من أوسطهم نسبًا، وأفضلهم موضعًا، فأمرهم أن يُوَحِّدوا الله، ولا يجعلوا معه إلهًا غيره، وأن يَكُفُّوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم -فيما يُذْكَر، والله أعلم- بغير ذلك، فأَبَوْا عليه، وكذَّبوه، وقالوا:{من أشد منا قوة} [فصلت: 15]. واتبعه منهم ناس، وهم يسير، مُكْتَتِمون إيمانهم، وكان مِمَّن آمن به وصدَّقه رجل من عاد، يُقال له: مرثد بن سعد بن عفير، وكان يكتم إيمانه، فلمّا عَتَوا على الله، وكَذَّبوا نبيهم، وأكثروا في الأرض الفساد، وتجَبَّروا، وبَنَوْا بكلِّ رِيعٍ آيةً عبثًا بغير
(1)
أخرجه ابن جرير 10/ 278.
نفع؛ كلمهم هود، فقال:{أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 129]. قالوا: {يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 53]. أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا جنونٌ أصابَك به بعضُ آلهتنا هذه التي تعيب. قال: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} إلى قوله: {صراط مستقيم} [هود: 53 - 56]. فلمّا فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطرَ من السماء ثلاث سنين -فيما يزعمون- حتى جهدهم ذلك، وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد، فطلبوا إلى الله الفرج منه؛ كانت طلبتهم إلى الله عند بيته الحرام بمكة، مسلمهم ومشركهم، فيجتمع بمكة ناسٌ كثيرٌ شَتّى مختلفة أديانهم، وكلهم مُعَظِّم لمكة، يعرف حرمتها ومكانها من الله
(1)
. (ز)
28054 -
قال ابن إسحاق: فلمّا أبَوْا إلا الكفرَ به أمْسَكَ اللهُ عنهم القَطْرَ ثلاث سنين -فيما يزعمون- حتى جهدهم ذلك. قال: وكان الناس إذا جهدهم أمرٌ في ذلك الزمان، فطلبوا من الله الفرج فيه؛ إنّما يطلبونه بحُرْمَة ومكان بيته، وكان معروفًا عند المِلَل، وبه العماليق مقيمون، وهم مِن سلالة عِمْلِيقُ بن لاوَذَ بن سام بن نوح، وكان سيِّدُهم إذ ذاك رجلًا يُقال له: معاوية بن بكر، وكانت له أُمٌّ من قوم عاد، واسمها: كَلْهدةَ ابنةَ الخَيْبَرِيِّ، قال: فبَعَثَتْ عادٌ وفدًا قريبًا من سبعين رجلًا إلى الحرم؛ لِيَسْتَسْقوا لهم عند الحرم، فمَرُّوا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة، فنزلوا عليه، فأقاموا عنده شهرًا، يشربون الخمر، وتُغَنِّيهم الجرادتان؛ قَيْنَتانِ
(2)
لمعاوية بن بكر، وكانوا قد وصلوا إليه في شهر، فلمّا طال مقامهم عنده، وأخذته شفقة على قومه، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف، عَمِل شعرًا يُعَرِّض لهم بالانصراف، وأمر القَيْنَتَيْنِ أن تغنياهم به، فقال:
ألا يا قَيْلُ ويحك قم فَهَيْنِمْ
…
لعل الله يصبحنا غَماما
فيسقي أرض عاد إنّ عادًا
…
قد أمسوا لا يُبِينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو
…
به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كانت نساؤهمُ بخير
…
فقد أمست نساؤهمُ عَرامى
(1)
أخرجه ابن جرير 10/ 269، وابن أبي حاتم 5/ 1508 - 1509، 1511 مختصرًا.
(2)
القَيْنَة: الأمَة، وكثيرًا ما تُطْلق على المغنية من الإماء. النهاية (قين).
وإن الوحش تأتيهم جهارًا
…
ولا تخشى لعادِيٍّ سهاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم
…
نهاركم وليلكم التماما
فقُبِّح وفدُكم من وفد قوم
…
ولا لقوا التحية والسلاما
قال: فعند ذلك تَنَبَّه القومُ لِما جاءوا له، فنهضوا إلى الحرم، ودَعَوْا لقومهم، فدعا داعيهم، وهو: قَيْلُ بن عَنزٍ، فأنشأ الله سحابات ثلاثًا: بيضاء، وسوداء، وحمراء، ثم ناداه منادٍ من السماء: اختر لنفسك -أو: لقومك- من هذا السحاب. فقال: اخترت هذه السحابة السوداء؛ فإنّها أكثر السحاب ماءً. فناداه منادٍ: اخترتَ رمادًا رِمْدِدًا، لا تبقي مِن عاد أحدا، لا والدًا تترك ولا ولدا، إلا جعلته همدا، إلا بني اللُّوذِيَّةِ المُهَدّى، قال: وبنو اللوذية: بطنٌ من عادٍ، مقيمون بمكة، فلم يصبهم ما أصاب قومهم. قال: وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الآخرة. قال: وساق الله السحابة السوداء -فيما يذكرون- التي اختارها قَيْلُ بن عَنزٍ بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرج عليهم من وادٍ يُقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا:{هذا عارض ممطرنا} . يقول: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 24 - 25] أي: تُهْلِك كلَّ شيء مَرَّت به، فكان أول مَن أبصر ما فيها وعرف أنها ريح -فيما يذكرون- امرأة من عاد يُقال لها: مَهْدُ، فلمّا تبينت ما فيها صاحت، ثم صعقت، فلمّا أفاقت قالوا: ما رأيتِ، يا مَهْدُ؟ قالتْ: ريحًا فيها شُهُب النار، أمامها رجال يقودونها. فسخَّرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، كما قال الله. والحسوم: الدائمة. فلم تدع من عاد أحدًا إلا هلك، واعتزل هود عليه السلام -فيما ذُكِر لي- ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومَن معه إلا ما تلين عليه الجلود، وتَلْتَذُّ الأنفس، وإنّها لَتَمُرُّ على عاد بالطعن ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة
(1)
[2557]. (ز)
[2557] علَّق ابنُ كثير (6/ 334) على أثر محمد بن إسحاق قائلًا: «وهذا سياق غريب، فيه فوائد كثيرة» .
_________
(1)
أخرجه محمد بن إسحاق -كما في تفسير ابن كثير 3/ 436 - 437 - ، وابن جرير 10/ 269 - 274، وابن أبي حاتم 9/ 2798 مختصرًا. وفي تفسير الثعلبي 4/ 246 - 249 بنحوه عن ابن إسحاق والسدي وغيرهما من الرواة المفسرين مع زيادة في آخره.