الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(كتاب الوُضوء)؛ بضم الواو من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة اسم للفعل، وبفتح الواو: اسم للماء الذي يُتوضَّأ به، وهو المشهور، وحكي: فتح الواو فيهما، وحكي أيضًا: ضم الواو فيهما، وشرعًا: غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، والصحيح: أنه ليس من خصائص هذه الأمة، وإنما الذي اختصت به: هو الغرة والتحجيل، ذكره العلامة نوح أفندي.
وفي رواية عقب البسملة: (كتاب الطَّهَارة
باب ما جاء في الوضوء)
، وهذا أنسب؛ لأنَّ الطهارة أعمُّ من الوضوء، والكتاب الذي يذكر فيه نوع من الأنواع ينبغي أن يترجم بلفظ عام حتى يشمل جميع أقسام ذلك الكتاب، وهي بفتح الطاء مصدر: طهر؛ بفتح الهاء أفصح من ضمها، وبكسرها: الآلة كالماء والتراب، وبضمها: اسم لما فضُل بعد التطهير، وحكي: الضم فيهما، وحكي أيضًا: الفتح فيهما، وهي النظافة.
وشرعًا: زوال حدث أو خبث، وهو تعريف صحيح؛ لصدقه بالوضوء وغيره كالغسل من الجنابة، أو الحيض، أو النفاس؛ بل وبالتيمم أيضًا.
والحدث: مانعية شرعية قائمة بالأعضاء إلى غاية استعمال المزيل، والخبث: عين مستقذرة شرعًا.
وأمَّا سبب وجوبها؛ فقيل: الحدث والخبث، قيل: وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي، وقيل: سببها: إقامة الصلاة، وصححه في «الخلاصة» ، لكن نسبه في «العناية» إلى أهل الظاهر، وصرَّح في «غاية البيان» بفساده؛ لصحة الاكتفاء بوضوء واحد لصلوات مادام متطهِّرًا.
وقيل: سببها: إرادة الصلاة، وصححه في «الكشف» ، واعترضه في «الفتح والتبيين» ، وقيل: سببها: وجوب الصلاة لا وجودها؛ لأنَّ وجودها مشروط بها فكان متأخرًا عنها، والمتأخر لا يكون سببًا للمتقدم، كما في «العناية» ، والذي اختاره الأكثر من أهل المذهب أن سببها: إرادة ما لا يحل إلَّا بها من صلاة ومسِّ مصحف كما في «البحر الرائق» .
وهل الحدث حلَّ في جميع البدن كالجنابة حتى يمنع من مسِّ المصحف بظهره وبطنه أو مختص بأعضاء الوضوء؟ اختلف فيه، والأصحُّ: المنع كما في «الدر المختار» ، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب» .
(1)[باب ما جاء في الوضوء]
هذا (باب ما جاء) من اختلاف العلماء (في) معنى (قول الله تعالى:)، وفي رواية:(بابٌ)؛ بالتنوين، (في الوضوء وقول الله عز وجل، وفي أخرى: (باب ما جاء في الوضوء وقول الله عز وجل ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا})؛ فـ (يا) حرف نداء للبعيد حقيقة أو حكمًا، وقول الداعي: يا الله استقصار منه لنفسه واستبعاد عن مظانِّ القبول لعمله، و (أي) موصولة عند الأخفش حذف صدر صلتها، والمعنى: يا من هم الذين، أو نكرة مقصودة مبنية على الضم فهي وصلة لما فيه أل نحو يا أيها الرجل، ومنه الآية، و (الهاء) تكون للتنبيه فهي نعت؛ أي: في النداء، و (الذين) : اسم موصول موضوع للجمع وليس هو جمع الذي؛ لأنَّه عام لذي العلم وغيره، والذي يختصُّ بذوي العلم ولا يكون الجمع أخصُّ من مفرده، وهو إما أن يكون صفة لـ (أي) أو يكون موصوفها محذوفًا تقديره: يا أيها الناس الذين آمنوا، فالمجموع كله: هو صفة؛ أي: لا المقدر وحده ولا الموصول وحده، فسقط اعتراض اللاقاني على حافظ الدين النسفي.
و (آمنوا) : فعل ماض للجمع المذكر الغائبين من: (آمن يؤمن إيمانًا)، وإنَّما قال:(آمنوا) ولم يقل: آمنتم؛ ليدخل كل من آمن إلى يوم القيامة، ولو قال: آمنتم؛ لاختص بمن كان في عصره عليه السلام.
وافتتح المؤلف بهذه الآية؛ للتبرك ولأنها أصل في استنباط المسائل، وإن كان حق الدليل أن يؤخر عن المدلول؛ لأنَّ الأصل في الدعوى: تقديم المدعى.
({إِذَا}) ظرفية تتضمن معنى الشرط فلذا دخلت الفاء في جوابها، ({قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ})؛ أي: أردتم القيام إليها وأنتم محدثون، يدل لذلك ما في «مسلم» عن بريد:(أنه عليه السلام صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه فقال: «عمدًا صنعته»)، ورواه الحافظ أبو جعفر الطحاوي والترمذي فثبت أن في الآية مقدَّرًا، وروى الحافظ الطحاوي والرازي والطبراني عن عبد الله بن علقمة عن أبيه قال: كان عليه السلام إذا أجنب أو أهراق الماء إنَّما نكلِّمه؛ فلا يكلِّمنا ونسلِّم عليه؛ فلا يسلِّم علينا حتى نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
…
}؛ الآية، فدلَّ على أن الآية نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة، وأن التقدير: إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، وبهذا يظهر فساد قول أهل الظاهر: أن الوضوء واجب في حق المحدث، سنة في حق الطاهر، فكل من قام إليها؛ فعليه أن يتوضأ.
واستدلُّوا بحديث ابن حنظلة: (أنه عليه السلام أمره بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلمَّا شقَّ عليه؛ وضع عنه الوضوء إلا من حدث)، وهو ضعيف لا يصح الاحتجاج به، ويردُّه قوله عليه السلام:«المائدة من آخر القرآن نزولًا فأحلُّوا حلالها وحرِّموا حرامها» على أن الجمهور على أن المطلق محمول على المقيد؛ فافهم؛ وتمامه في «عمدة القاري» .
واعلم أن إمامنا الشيخ بدر الدين العيني قد تكلم على هذه الآية في «شرحه» كعادته في الآحاديث كلامًا تحقيقيًّا لم يسبق إليه أصلًا لما هو في غاية التحقيق والتدقيق، وترتيب المعاني، والاستنباط، والاختلاف الواقع بين العلماء، فرحم الله هذا المؤلف ما أغزر علمه وأوفر فهمه قدَّس سره العزيز.
وإنَّما أضمر الحدث في الآية؛ كراهة أن يفتتح آية الطهارة بذكر الحدث، كما في قوله تعالى:{هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]؛ حيث لم يقل هدى للضالين الصائرين إلى التقوى بعد الضلال؛ كراهة أن يفتتح بذكر الضلالة، فالحدث شرط بدلالة النصِّ وصيغته أمَّا الأول: فقوله {إِذَا قُمْتُمْ} ؛ أي: من مضاجعكم، وهو كناية عن النوم وهو حَّدث، وأما الثاني: فلأنه ذكر في (التيمم) الذي هو بدل عنه، والبدل إنَّما وجب بما وجب به الأصل، فكأن ذكر الحدث في الحديث ذكر في المبدل.
وقوله: (إلى الصلاة) : يتناول سائر الصلوات المفروضات، والسنن المؤكدات، والنوافل؛ لأنَّ الصلاة اسم للجنس؛ فاقتضى أن يكون من شرط الصلاة الطهارة أيُّ صلاة كانت.
واستدل طائفة بظاهر الآية: أن الوضوء والتيمم لا يجزئ إلا بعد دخول الوقت، وهو فاسد؛ لأنَّه لم يوقِّت في النص دخول الوقت، ويؤيِّده حديث النسائي عن أبي هريرة أن النبي الأعظم عليه السلام قال:«من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وراح؛ فكأنَّما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية؛ فكأنَّما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة؛ فكأنمَّا قرب كبشًا، ومن راح في الساعة الرابعة؛ فكأنَّما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة؛ فكأنَّما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام؛ حضرت الملائكة يستمعون الذكر» .
فهذا نصٌّ على جواز الوضوء والتيمم بالقياس عليه للصلاة قبل دخول وقتها؛ لأنَّ خروج الإمام قبل الوقت ضرورة، وإنما صرَّح بذكر الحدث في (الغسل) و (التيمم) دون (الوضوء)؛ ليعلم أن الوضوء يكون سنة ويكون فرضًا، والحدث شرط في الفرض دون السنة؛ فيكون الغسل على الغسل والتيمم على التيمم عبثًا لا فائدة فيه، وأن الوضوء على الوضوء نور على نور.
({فَاغْسِلُوا}) : أمر للجمع المذكر الحاضرين، من:(غسل يغسل غَسلًا وغُسلًا)؛ بالفتح والضم كلاهما مصدران، وقيل: بالفتح مصدر، وبالضم اسم للاغتسال وللماء الذي يغسل به، وبالكسر ما يغسل به من صابون ونحوه.
وفي الشرع: الغسل: إمرار الماء على الموضع وسيلانه مع التقاطر ولو قطرة حتى لو لم يسل الماء بأن استعمله استعمال الدهن؛ لم يجز في «ظاهر الرواية» عن الإمام الأعظم، وكذا لو توضَّأ بالثلج ولم يقطر منه شيء؛ لم يجز، وقال الإمام أبو يوسف: يجوز ذلك؛ لأنَّ الغسل عنده مجرَّد بلِّ المحلِّ بالماء سال أو لم يسل، يقال له: غسل فينبغي للمتوضئ بالشِّتاء أن يبلَّ أعضاءه بالماء شبه الدهن ثم يسيل الماء عليها، وعلى القولين ليس الدَّلك من مفهومه، وإنما هو مندوب، وفي «الخلاصة» : أنَّه سنة.
وقال مالك بفرضيته، فقد زاد على النصِّ وهو غير جائز، والأمر يقتضي جواز الصلاة بوجود الغسل سواء قارنته النية أو لم تقارنه؛ لأنَّ الغسل اسم شرعي مفهوم المعنى في اللغة، وهو إمرار الماء على الموضع وليس هو عبارة عن النية، فمن شرط النية فيه؛ فقد زاد على النصِّ، والزيادة غير مقبولة شرعًا، فما قيل: إن فيه وجوب النية ممنوع باطل.
({وُجُوهَكُمْ})؛ بالنصب مفعول {فَاغْسِلُوا} الذي هو جواب الشرط، جمع وجه أو أوجه، لغة: مأخوذ من المواجهة وهي المقابلة، وحدُّه طولًا: من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن سواء كان عليه شعر أم لا، والجبهة: اسم لما يصيب الأرض حالة السجود، والمراد بأسفل الذقن: مجتمع اللحيين، وهما عظما الحنك، ويسميان: الفكين وعليهما منابت الأسنان السفلى، وهذا الحدُّ أولى من قول بعض الشرَّاح والمتون: من قصاص شعره إلى أسفل الذقن؛ لأنَّه يعمُّ الأغمَّ، وهو ما نزل شعره حتى ضيق الجبهة؛ فلا يكفيه الغسل من القصاص.
والأصلع: هو ما انحسر مقدَّم شعر رأسه، فلو مسح على صلعته؛ جاز على الأصح، كما في «الخلاصة» .
والأنزع: هو ما انحسر شعره من جانبي جبهته؛ فلا يجب غسلهما كما في «الدرر» و «النهر» .
والأقرع: هو ما ذهب شعر رأسه، وهو ظاهر؛ فليحفظ.
وحدُّه عرضًا: ما بين شحمتي الأذنين؛ أي: ما لان منهما، والأُذُن؛ بالضمِّ ولك إسكانها تخفيفًا، والشحمة: معلق القُرط؛ بضم القاف: السوار الصغير المسمى: بالحَلَق؛ بفتحتين، والحدُّ
(1)
يشير إلى أن الغاية غير داخلة في المغيا لا طولًا ولا عرضًا، وهو كذلك فيفترض غسل ما بين العذار والأذن من البياض؛ لدخوله في الحدِّ، وهو قول الإمام الأعظم ومحمد وبه يفتى، كما في «الدر» .
وقال الإمام أبو يوسف: لا يفترض غسله والخلاف في الملتحي، أمَّا الأمرد، والمرأة، والكوسج؛ فيفترض عليه الغسل اتفاقًا، كما في شروح «ملتقى الأبحر» ، والعِذار؛ بكسر العين: الشعر النابت على الخد ويخرج الأذنان؛ لعدم دخولهما في الحدِّ اتفاقًا، وشمل الحد غسل المياقي جمع: موق وهو مؤخر العين، والماق مقدمها؛ لأنَّه يجتمع فيهما غالبًا الرمص، وهو ما جمد من الوسخ ولونه أصفر يخرج من العين حين رطوبتها، فيجب إزالته وإيصال الماء تحته إن كان يبقى حال تغميض العين، فلو في داخل العين بحيث لو غمَّض عينيه يبقى داخلًا؛ فلا يجب للحرج، كذا في «البحر» .
وشمل الحدُّ ما يظهر من الشفتين عند الانضمام؛ لأنَّه تبع للوجه، فيفترض غسلهما على المعتمد، وقيل: لا؛ لأنَّهما تبع للفم، والمراد بالانضمام: هو الطبيعي المعتاد لا بشدَّة وتكلُّف، وكذا لو غمَّض عينيه شديدًا؛ لا يجوز، لكن ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم الجواز، كما في شرح «نظم الكنز» ؛ للحرج والضَّرر؛ لأنَّ العين شحم لا يقبل الماء ومن تكلَّف من الصحابة فيه كُفَّ بصره في آخر عمره كابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما، كما في «المبسوط» ، حتَّى لو اكتحل بكحلٍ نجسٍ؛ لا يجب غسله، كما صرح به في «حواشي المراقي» .
ولا يجب غسل ما تحت ونيم ذباب، وبرغوث، وحنَّاء، ودرن، ودهن، وتراب، وطين؛ لأنَّ الماء يخرقه وللحرج، ولا أصول اللحية والشارب إذا كانا كثيفين أما إذا بدت البشرة فيهما؛ فيجب غسلها، فالمسترسل من الشعر عن دائرة الوجه لا يجب غسله ولا مسحه اتفاقًا عندنا، كما في «النهر الفائق» ، نعم يسنُّ مسحه كما في «المنية» ؛ بل يسن غسله كما في «الحلية» .
ويجب غسل جلد السمك، والخبز الممضوغ الجاف، والدرن اليابس في الأنف، بخلاف الرطب، كما في «القهستاني» ، وكذا يجب غسل الشمع والشحم، كما في «الإمداد» ، وما ذكرناه من الحد يدل على أن المضمضة والاستنشاق غير واجبين بالآية؛ لأنَّهما لا يواجه بهما، فمن قال: بوجوبهما في الوضوء؛ فقد زاد على النصِّ، وهو غير جائز، نعم يسن غسلهما ويفترض في الغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس؛ لأنَّهما من تمام البدن، كما في المتون والشروح.
({وَأَيْدِيَكُمْ})؛ بالنصب على العطف على (وجوهكم)؛ أي: اغسلوا أيديكم، جمع: يد، وأصلها: يدي على وزن: (فعْل)؛ بسكون العين، وجمع الأيدي: أيادي
(2)
، مثل (أكرع وأكارع) وهي من أطراف الأصابع إلى المنكب، وفي هذا وغيره مقابلة الجمع بالجمع وهي تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد كقولهم: ركب القوم دوابهم، فمعناه: وجوب غسل يد واحدة من كل مكلف.
وأجيب: بأن غسل يد واحدة ثابت في النص، واليد الأخرى ثابتة إمَّا بدلالة النص، أو بفعل الرسول عليه السلام المتواتر.
({إِلَى المَرَافِقِ})، جمع: مِرْفَق؛ بكسر الميم وفتح الفاء وعلى العكس: مجتمع طرف الساعد والعضد، والأول اسم الآلة والثاني اسم المكان، ويجوز فتح الميم والفاء على أن يكون مصدرًا أو اسم مكان على الأصل.
واختلف هل الغاية داخلة في المغيَّا أم خارجة عنها؟ فقال الإمام الأعظم، وأبو يوسف، ومحمد، والحسن، والشافعي، وأحمد، ومالك في رواية: أن الغاية داخلة؛ فيفترض غسل المرفقين والكعبين، وقال الإمام زفر، وداود، ومالك في رواية أشهب: أن الغاية غير داخلة؛ فلا يفترض غسلهما، كقوله تعالى:{ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]، فالليل غير داخل في الصوم بالإجماع، فكذا هذا.
قلنا: إن الغاية إذا كانت لإسقاط ما وراءها تدخل، ومتى كانت لمد الحكم إليها؛ لا تدخل، وهذه الغاية لإسقاط ما وراءها؛ لأنَّه لو اقتصر على وأيديكم وأرجلكم؛ لتناول إلى الإبط وإلى الفخذ؛ لأنَّ اليد اسم لهذه الجملة من رؤوس الأصابع إلى الإبط، فلمَّا قال:{إِلَى المَرَافِقِ} ؛ خرج عن أن يكون المرفق والكعبان داخلين تحت السقوط؛ لأنَّ الحد لا يدخل في المحدود فبقيت الغاية داخلة بمطلق الاسم، فبقي الغسل ثابتًا في اليد مع المرفق والرجل مع الكعب، والغاية في الصوم؛ لمدِّ الحكم، فيتناول إمساك ساعة، فإن من حلف لا يصوم؛ يحنث بصوم ساعة، فلم تدخل.
قال في «البحر» : وهذا الفرق غير مطَّرد لانتقاضه بالغاية في اليمين، فإنَّ ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم عدم الدخول؛ كما لو حلف لا يكلمه إلى عشرة أيام؛ لا يدخل العاشر مع تناول العدد، كما في «جامع الفصولين» ، وكذلك رأس السمكة في قوله: لا آكل السمكة إلى رأسها؛ فإنَّها لا تدخل مع التناول المذكور، انتهى.
وأجاب في «فتح القدير» : بأن الكلام هنا على مقتضى اللغة والأيمان مبنية على العرف عندنا، وجاز أن يخالف العرف اللغة، اهـ؛ فتأمل.
وقيل: إن (إلى) بمعنى: مع؛ أي: مع المرافق، ورُدَّ بأنهم قالوا: اليد من رؤوس الأصابع إلى المنكب، فإذا كانت (إلى) بمعنى: مع؛ وجب غسل اليد إلى المنكب؛ لأنَّه كأغسل القميص وكمَّه، وغايته أنَّه كإفراد فرد من العام، إذ هو تنصيص على بعض متعلِّق الحكم بتعلُّق عين ذلك الحكم، وذلك لا يخرج غيره، ولو أخرج؛ كان بمفهوم اللقب، وهو ليس بحجة.
وقال العلَّامة جار الله الزمخشري والعلَّامة التفتازاني: إنَّ (إلى) تفيد الغاية مطلقًا، فأمَّا دخولها في الحكم وخروجها عنه؛ فأمر يدور مع الدليل، فما فيه دليل الخروج قوله تعالى:{فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280]، وما فيه دليل الدخول آية «الإسراء» للعلم بأنه لا يسرى به إلى المسجد الأقصى من غير أن يدخله، وما نحن فيه لا دليل على أحد الأمرين، فقالوا: بدخولهما احتياطًا؛ لأنَّهم لم يروا عنه عليه السلام قطُّ عدم غسلهما، فلا يفيد الافتراض؛ لأنَّ الفعل لا يفيده.
قال في «البحر» : والحقُّ أنَّ شيئًا مما ذكروه لا يدلُّ على الافتراض، فالأولى الاستدلال بالإجماع على فرضيَّتهما، قال الشافعي في «الأم» : لا نعلم مخالفًا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، قال ابن حجر في «الفتح» : فعلى هذا فأهل الظاهر، ومالك، والإمام زفر محجوجون بالإجماع، انتهى.
وردَّه في «النهر الفائق» : بأن قوله: (لا أعلم مخالفًا) ليس حكاية منه؛ للإجماع الذي يكون غيره محجوجًا به، فقد قال الإمام اللامشي في «أصوله» : لا خلاف في أن جميع المجتهدين لو اجتمعوا على حكم واحد ووجد الرضا من الكل نصًا؛ كان ذلك إجماعًا، أمَّا إذا نصَّ البعض وسكت الباقون -لا عن خوف بعد اشتهار القول- فعامة أهل السنة على أن ذلك يكون إجماعًا، وقال الشافعي: لا أقول إنه إجماع، ولكن أقول لا أعلم فيه خلافًا، وقال أبو هاشم من المعتزلة: لا يكون إجماعًا ويكون حجَّة، وقيل: لا يكون حجَّة أيضًا، انتهى، ولهذا لم يحتج في «عمدة القاري» بالإجماع.
وقال في «شرح المنية» : إنَّ غسل المرفقين والكعبين ليس بفرض قطعي، بل هو فرض عملي لا يكفَّر جاحده، فقال في «النهر» أيضًا: ولهذا لا يحتاج إلى دعوى الإجماع؛ لأنَّ الفروض العملية لا يحتاج في إثباتها إلى القاطع، فيحتاج إلى الإجماع، اهـ.
وقال في «عمدة القاري» : والدليل على دخولهما في الغسل ما في «مسلم» من
(1)
في الأصل: (الجد).
(2)
في الأصل (أياد).
حديث أبي هريرة: (أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في الساقين ثم قال: هكذا رأيت رسول الله عليه السلام يتوضأ)، ولم ينقل تركها، فكان فعله بيانًا أنه مما يدخل، وقوله:(حتى أشرع)؛ أي: أدخل وروي: (حتى أسبغ)، وقدَّمنا أن هذا لا يفيد الافتراض؛ لأنَّ الفعل لا يفيده.
وروي: (أن عمَّارًا تيمم إلى المنكب وقال: تيممنا إلى المناكب مع رسول الله عليه السلام، وكان ذلك بعموم الآية، ولم ينكر عليه من جهة اللغة؛ لأنَّه من أهل اللغة، فكان عنده أن الاسم للعضو إلى المنكب، فثبت بذلك أن الاسم يتناول إلى المنكب، وذكر التحديد بعده يقتضي ذلك إسقاط ما وراءها، وتمامه في «عمدة القاري» .
والغايات أربعة: غاية مكان، وغاية زمان، وغاية عدد، وغاية فعل، فغاية المكان من هذا الحائط إلى هذا الحائط، وغاية الزمان قوله تعالى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وكلاهما لا يدخلان في المغيا، وغاية العدد عليه من درهم إلى عشرة، فهي لا تدخل عند الإمام الأعظم والإمام زفر، وعند الإمام أبي يوسف والإمام محمد تدخل، وغاية الفعل: نحو أكلت السمكة حتى رأسها، فإن نصبت السين؛ دخلت وتكون (حتى)؛ بمعنى: الواو عاطفة، وإن خفضتها؛ لم تدخل وتكون (حتى)؛ بمعنى: إلى، كذا قاله الحدادي في «الجوهرة» ، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب» «شرح مختصر الإمام القدوري» ، وظاهر ما قدمناه: يفيد الوجوب لا الافتراض؛ فتأمل، والله أعلم.
وفي «الظهيرية» : من قطعت يداه ورجلاه وبوجهه جراحة يصلي بلا وضوء ولا تيمم ولا يعيد في الأصح، اهـ.
ومثله: في أكثر الكتب، وأمَّا فاقد الطهورين؛ ففي «الدر» عن «الفيض» وغيره: أنه يتشبه بالمصلين وجوبًا، فيركع ويسجد إن وجد مكانًا يابسًا، وإلا؛ يومئ قائمًا ولا يقرأ ثم يعيد وهو قول الصاحبين، اهـ.
وبه ظهر أن تعمد الصلاة بلا طهر غير مكفِّر كصلاته لغير القبلة أو مع ثوب نجس، وهو ظاهر المذهب كما في «الخانية» وغيرها، وقال بعضهم: المختار أنه يكفر بالصلاة بغير طهارة لا بالصلاة بالثوب النجس وإلى غير القبلة؛ لجواز الأخيرتين حال العذر بخلاف الأولى فإنه لا يؤتى بها بحال؛ فيكفَّر، اهـ، كما في حواشي شيخ شيخنا، ويجب غسل كل ما كان مركبًا على أعضاء الوضوء كالأصابع الزائدة والكف الزائد، فإن كان خلق على العضو؛ غَسَلَ ما يحازي محلَّ الفرض ولا يلزمه غسل ما فوقه، كذا في «الينابيع» .
وقشرة القرحة إذا ارتفعت ولم يصل الماء إلى ما تحتها؛ لا بأس به في الوضوء والغسل؛ لأنَّها متصلة بالجلد اتصال الخلقة، كذا في «الجوهرة» وفي «المجتبى» ، ولا يجب نزع الخاتم وتحريكه في الوضوء إن كان واسعًا، وفي الضيِّق اختلاف المشايخ؛ فروى الحسن عن الإمام الأعظم: عدم اشتراط النزع والتحريك، ومثله في «الخانية» ، لكن المختار من الرواية: أنه يجب تحريك الخاتم الضيق؛ لأنَّ النبي الأعظم عليه السلام كان يحرِّك خاتمه إذا توضأ، ولو انضمَّت الأصابع أو طال الظفر فغطَّى الأنملة؛ وجب غسل ما تحته، ولا يمنع درن تحت الأظفار سواء كان قرويًا أو مدنيًا في الأصح، وعليه الفتوى، وقيل: درن المدني يمنع؛ لأنَّه من الودك بخلاف القروي؛ لأنَّه من التراب، وتمامه في «شرحنا» ، والله تعالى أعلم.
({وَامْسَحُوا}) : أمر من: (مسح يمسح مسحًا)؛ أي: (فعَل يفعَل)؛ بالفتح فيهما، يقال: مسح الأرض مساحة؛ زَرَعها، ومسح المرأة؛ جامعها، وفي الشرع: المسح: الإصابة باليد المبتلَّة، ويجيء بمعنى: الغسل، كما يأتي.
({بِرُؤُوسِكُمْ}) : الجار والمجرور محله النصب على المفعولية، وهو يدل على فرضية المسح على الرأس، واختلف في المفروض منه، فقال الإمام أبو الحسن القدوري: والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وهي ما بين النزعتين من الشعر، كما في «شرح الإرشاد» ، وقيل: مقدَّم الرأس، كما في «ضياء الحلوم» ، وهي -أي: الناصية-: ربع الرأس، وهو ما اختاره في «الهداية» ، و «التبيين» ، و «شرح الوقاية» .
وقال في «البحر» : الناصية: ليست قدر ربع الرأس بدليل أن صاحب «البدائع» وغيره نقلوا عن الإمام الأعظم روايتين؛ في رواية: المفروض مقدار الناصية، وفي رواية: الربع، ولا تغاير بين الروايتين؛ لأنَّ الإمام الإسبيجابي روى: أن المفروض مقدار الناصية ثم قال: هذا إذا كانت الناصية تبلغ ربع الرأس، وإن لم تبلغ؛ لا يجوز، وروى الإمام الحسن عن الإمام الأعظم: أنه الربع، وروى الكرخي والحافظ الطحاوي: أنه مقدار الناصية، فعلى هذا من روى: الربع؛ روى: الناصية.
وروى هشام عن الإمام: أن المفروض مقدار ثلاثة أصابع، وهي ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم وعليها جرى في «النهاية» ، لكن المعتمد رواية: الربع، وعليها مشى المتأخرون كابن الهمام، وابن أمير حاج، والمقدسي، وصاحب «البحر» و «النهر» ، والتمرتاشي، والشرنبلالي، وعليه الفتوى؛ لأنَّ الباء في {برؤوسكم} للإلصاق عند المحققين وأنه المجمع عليه، بخلاف غيره، والفعل الذي هو المسح قد تعدَّى إلى الآلة وهي اليد؛ لأنَّ الباء إذا دخلت على الآلة تعدى الفعل إلى كل ممسوح؛ كمسحت رأس اليتيم بيدي، أو على المحلِّ تعدَّى الفعل إلى الآلة، والتقدير: وامسحوا أيديكم برؤوسكم، فيقتضي استيعاب اليد دون الرأس، واستيعابها ملصقة بالرأس لا تستغرق غالبًا سوى ربعه؛ فتعين الربع مرادًا في الآية وهو المطلوب.
وقال مشايخنا: الآية مجملة محتاجة للبيان وقد بيَّنتها السنة، ففي «صحيح مسلم» من حديث المغيرة بن شعبة:(أن النبي الأعظم عليه السلام توضَّأ ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين)، وعند ابن ماجه عن المغيرة:(أنه عليه السلام أتى سباطة قوم، فبال، وتوضأ ومسح على ناصيته وخفَّيه)، ورواه النسائي، وروى أبو داود عن أنسٍ قال:(رأيت رسول الله عليه السلام يتوضَّأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه)، وسكت أبو داود، وما سكت عليه؛ فهو حسن عنده، وروى البيهقي عن عطاء:(أنه عليه السلام توضأ فحسر العمامة ومسح مقدَّم رأسه، -أو قال-: ناصيته)، وهو حجَّة أيضًا وإن كان مرسلًا سيما وقد اعتضد بالمتصل، وتمام مسح المقدم: هو الربع المفسر للناصية.
فإن قلت: الحديث يقتضي بيان عين الناصية، والمدعى ربع غير معين وهو الناصية فلا يوافق الدليل؟!
أجيب: بأن الحديث يحتمل معنيين بيان المجمل وبيان المقدر، وخبر الواحد يصلح بيانًا للمجمل في الكتاب، والإجمال في المقدار دون المحل؛ لأنَّه الرأس وهو معلوم، فلو كان المراد منه مطلق البعض؛ لا يحتاج إلى البيان، فإن المسح على أدنى ما ينطلق عليه الاسم غير ممكن إلا بزيادة غير معلومة، وإن الله أفرد المسح بالذكر، ولو كان المراد بالمسح مطلق البعض؛ لم يكن للإفراد بالذكر فائدة.
فإن قلت: لا نسلِّم أن الكتاب مجمل؛ لأنَّ المجمل ما لم يمكن العمل به إلا ببيان، والعمل بالنصِّ ممكن؛ لحمله على الأقل.
قلت: لا نسلِّم أن العمل به ممكن قبل البيان، والأقل لا يكون أقل من شعرة، والمسح عليها لا يكون إلَّا بزيادة عليها، وما لا يمكن إلَّا به فهو فرض، والزيادة غير معلومة فتحقَّق الإجمال في المقدار.
فإن قلت: سلَّمنا أنه مجمل والخبر بيان له، ولكن الدليل أخصُّ من المدلول؛ لأنَّ المدلول مقدار الناصية، وهي الربع والدليل يدلُّ على تعيين الناصية.
قلنا: البيان فيه؛ لما فيه الإجمال، فكأن الناصية بيان للمقدار لا للمحل المسمى: ناصية؛ إذ لا إجمال في المحل، فكان من باب ذكر الخاص وإرادة العام، وهو مجاز شائع، فكانا متساويين في العموم.
فإن قلت: لا نسلِّم أن مقدار الناصية فرض؛ لأنَّ الفرض ما ثبت بدليل قطعي، وخبر الواحد لا يفيد القطع ولئن سلَّمناه، ولكنَّ لازمه -وهو تكفير الجاحد- منتف فينتفي الملزوم.
قلت: الأصل في هذا أن الخبر الواحد إذا لحق بيانًا للمجمل؛ كان الحكم بعده مضافًا إلى المجمل دون البيان، والمجمل من الكتاب دليل قطعي، ولا نسلِّم انتفاء اللازم؛ لأنَّ الجاحد من لا يكون مؤولًا، وموجب القول أو الجميع مؤول يعتمد شبهة
قوية، وقوة الشبهة تمنع التكفير من الجانبين، ألا ترى أنَّ أهل البدع لا يُكَفَّرون بما منعوا مما دلَّ عليه الدليل القطعي في نظر أهل السنة؛ لتأويلهم، وتمامه في «عمدة القاري» و «منهل الطلاب» .
وقال مالك: المفروض في مسح الرأس ثلثيه، وفي رواية: الثلث، وفي أخرى: مسح كله فرض، وهو المعتمد عنده؛ لأنَّ الباء: زائدة، والمعنى: امسحوا رؤوسكم، فتعيَّن مسح الجميع، وبه قال أحمد بن حنبل، ويدل لذلك ما رواه مالك من حديث عبد الله بن يزيد بن عاصم:(أنَّه سئل عن وضوئه عليه السلام، فأكفأ على يديه)، وفي آخره:(ثم أدخل يده في التَّور، فمسح رأسه، فأقبل بها وأدبر مرة واحدة، ثمَّ غسل رجليه)، واعترض بأنَّ الباء معناها: الإلصاق عند المحققين، والقول بزيادتها ضعيف، ويصان كلام الباري عن الزيادة التي لا فائدة فيها، فإنَّه مهما أمكن حمل كلامه تعالى على المعنى؛ يصار إليه ولا يعدل عنه، وإنَّ الحديث الذي رواه ليس بقوي؛ لأنَّ فيه راوٍ ساقط مجهول، وحديث المغيرة وأنس أقوى؛ لأنَّه مروي في الكتب الستة من طرق متعددة، حتَّى قيل: إنَّه بلغ مبلغ المتواتر.
وقال الشافعي: المفروض في مسح الرأس: مسح بعض شعرة أو ثلاث شعرات؛ لأنَّ الباء عنده معناها: التبعيض، وبشعرة أو ثلاث يطلق عليه البعض، واعترض بأنَّ الباء معناها: الإلصاق عند المحققين كما مرَّ، والتبعيض ليس معنًى أصليًّا؛ بل يحصل في ضمن الإلصاق.
وقال ابن جني وابن برهان: من زعم أن الباء للتبعيض؛ فقد جاء أهلَ اللغة بما لا يعرفونه، وأثبت ابن مالك والفارسي التبعيض، وهو ضعيف، كما نصَّ عليه المحققون، وأنَّه لم يرو في الأحاديث الصحاح ولا الضعاف: أنَّه عليه السلام مسح شعرة أو ثلاث شعرات، ولا أحد من الصحابة والتابعين، فالقول: بالتبعيض ضعيف واهٍ لا يعتمد عليه، كما نصَّ عليه المحققون، والله تعالى أعلم.
({وَأَرْجُلَكُمْ}) : يجوز فيه ثلاثة أوجه: الرفع؛ وهي قراءة نافع والأعمش، والنصب قراءة علي، وابن مسعود، وابن عباس، والضحاك، وابن عامر، والكسائي وغيرهم، والجر قراءة أنس، وعلقمة، وأبو جعفر، والمشهور قراءة النصب والجر، فالرفع على معنى: وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة، والنصب عطفًا على المغسول، والجر عطفًا على الممسوح.
ففيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل السنة والجماعة: أنَّ وظيفة الرجلين الغسل لا غير.
الثاني: مذهب الإمامية من الشيعة وغيرهم: أنَّ الفرض المسح لا غير.
الثالث: مذهب الحسن البصري، ومحمد بن جرير الطبري، والشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، والمتصوفة: أنَّه مخير بين الغسل والمسح.
والقراءتان متعارضتان فهو في حكم المجمل المفتقر إلى البيان.
وقد ورد البيان عن النبي الأعظم عليه السلام قولًا وفعلًا، أما الأول: فالأحاديث الصحيحة المستفيضة في الكتب المروية عن جابر، وأبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وابن الحارث، وابن الوليد، وابن سفيان، وأبي أمامة، والصديق الأكبر، وأنس بن مالك وغيرهم:(أنه رأى قومًا يتوضؤون، فبقي على أقدامهم قدر الدرهم لم يصبه الماء، فقال عليه السلام: «ويل للأعقاب من النار»، فكان أحدهم ينظر، فإن رأى موضعًا لم يصبه الماء؛ أعاد الوضوء)، أخرجها الحافظ الطحاوي، والمؤلف، ومسلم، والدارمي، والنسائي، وابن ماجه، وأبو نعيم، والطبراني، والحاكم، وأبو عوانة، وأبو داود وغيرهم، كما بسطها الشيخ الإمام بدر الدين العيني في «عمدة القاري» .
وأما الثاني: فالأحاديث الصحيحة أيضًا المستفيضة بالنقل المتواتر عن عثمان بن عفان، وعلي الصديق الأصغر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن زيد، والربيع، وعمرو بن عنبسة
(1)
وغيرهم: (أنَّه عليه السلام غسل رجليه في الوضوء)، كما بسطها في «عمدة القاري» ، ولم يثبت في الأحاديث الصحاح أنَّه عليه السلام مسح رجليه بغير خف في حضر ولا سفر، وما روى ابن خزيمة:(أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح بالماء على رجليه)؛ فمنكر لا تقوم به حجَّة، وروي مثله في مسح الرجلين، وكلها ضعيفة؛ بعضها فيه مجهول، وبعضها منسوخ، وبعضها فيه ابن لهيعة، وبالجملة؛ فهي لا يحتج بها، كما بسطها في «عمدة القاري» ، والوعيد الذي في الأحاديث الصحاح لا يجوز أن يستحق إلا بترك المفروض، فهذا يوجب استيعاب الرجل بالغسل.
وأمَّا قراءة الجر؛ فأجيب عنها بأجوبة:
منها: أنَّها جرت على مجاورة (رؤوسكم)، وإن كانت منصوبة كقوله تعالى:{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26] على جوار {يوم} وإن كان صفة لـ {عذاب} ، وقولهم: هذا جحر ضبٍ خربٍ؛ بجر (خرب) وإن كان مرفوعًا صفة لـ (جحر)، وللنحاة باب مستقل في ذلك.
ومنها: أنَّها عطفت على الرؤوس؛ لأنَّها تغسل بصب الماء عليها، فكأنَّ مظنة الإسراف المنهي عنه لا لتمسح، ولكنَّه؛ لينبِّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، فجيء بالغاية؛ ليعلم أنَّ حكمها مخالف لحكم المعطوف عليه؛ لأنَّه لا غاية في الممسوح، قاله في «الكشاف» .
ومنها: أنَّه محمول على حالة اللبس للخف، والنصب على الغسل عند عدمه.
ومنها: أنَّ المسح يستعمل بمعنى الغسل الخفيف، يقال: مسح على أطرافه؛ إذا توضأ، قاله أبو زيد وأبو علي الفارسي.
والتوفيق بين القراءتين يمكن أن يحمل قراءة النصب على ما إذا كانت الرجلان باديتان، وقراءة الجر على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين؛ توفيقًا بين القراءتين، وعملًا بهما بالقدر الممكن.
وقد يقال: إن قراءة الجر معارضة لقراءة النصب، فلا حجة فيهما إذن؛ لوجود المعارضة، وتمامه في «عمدة القاري» ؛ فليحفظ.
({إِلَى الكَعْبَيْنِ}) : قال جمهور أهل اللغة: الكعبان: العظمان الناتئان في آخر الساق مع القدم، وكلُّ مفصل للعظام؛ فهو كعب إلا أنَّ هذين الكعبين ظاهران عن يمنة القدم ويسرته؛ فلذلك لم يحتج أن يقال: الكعبان اللذان من صفتهما كذا وكذا.
وقالت الإمامية من الشيعة وكل من يرى المسح: إنَّ الكعب: عظم مستدير مثل كعب الغنم والبقر موضوع تحت عظم الساق؛ حيث يكون مفصل الساق والقدم عند معقد الشراك، وهو مردود؛ لأنَّه لو كان كما قالوه؛ لكان في كلِّ رجل كعب واحد، فكان ينبغي أن يقول: إلى الكعاب؛ لأنَّ الأصل: أنَّ ما يوجد من خلق الإنسان مفردًا، فتثنيته بلفظ الجمع؛ كقوله تعالى:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]، ومتى كان مثنًّى؛ فتثنيته بلفظ التثنية، فلمَّا لم يقل: إلى الكعاب؛ عُلِم أن المراد ما ذكره جمهور أهل اللغة، كما علمت.
ويدلُّلما قلناه حديث عثمان بن عفان: (أنَّه عليه السلام غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، ثمَّ اليسرى كذلك)، أخرجه مسلم، فدلَّ على أنَّ في كلِّ رجل كعبين، وحديث النعمان بن بشير في تسوية الصفوف:(فقد رأيت الرجل يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه)، رواه أبو داود والمؤلف، وحديث طارق قال:(رأيت رسول الله عليه السلام في سوق ذي المجاز وعليه جبَّة حمراء وهو يقول: «يا أيها الناس؛ قولوا؛ لا إله إلا الله؛ تفلحوا» ورجل يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمي عرقوبيه وكعبيه، وهو يقول: يا أيها الناس؛ لا تطيعوه؛ فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن عبد المطلب، قلت: فمن هذا الذي يتبعه ويرميه بالحجارة، قالوا: هذا عبد العزى أبو لهب)، وهذا يدل: على أنَّ الكعب: هو العظم الناتئ في جانب القدم؛ لأنَّ الرمية إذا كانت من وراء الماشي؛ لا تصيب ظهر القدم.
فإن قلت: روى هشام بن عبد الله الرازي عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني أنَّه قال: إن الكعب في ظهر القدم عند معقد الشراك.
قلت: اتفق جميع الشرَّاح وأصحاب المناسك على أنَّ ذلك سهو من هشام في نقله عن الإمام محمد؛ لأنَّه قال ذلك في مسألة المحرم إذا لم يجد النعلين
(1)
في الأصل: (عبسة)، ولعل المثبت هو الصواب.
حيث يقطع خفيه أسفل الكعبين، وأشار الإمام محمد بيده إلى موضع القطع، فنقله هشام إلى الطهارة؛ فليحفظ.
وقال ابن بطال في «شرحه» : إنَّه مذهب الإمام الأعظم.
وأجيب: بأن هذا جهل من ابن بطال بمذهب الإمام الأعظم؛ لأنَّه لم يقل به أحد من أصحابه، فهذه جرأة وسوء أدب وافتراء؛ فليحفظ.
واعلم: أن الترتيب بين أفعال الوضوء اختلف فيه؛ فقال إمامنا الإمام الأعظم: إنَّه سنَّة، واختار القدوري أنَّه مستحب، واختار غيره أنَّه واجب، والمعتمد الأول؛ لمواظبة النبي الأعظم عليه السلام على ذلك مع الترك أحيانًا، والمواظبة مع الترك تفيد السُّنِّيَّة.
وروى المؤلِّف وأبو داود: أنَّه عليه السلام تيمَّم فبدأ بذراعيه قبل وجهه، فلما ثبت عدم الترتيب في التيمم ثبت في الوضوء؛ لأنَّ الخلاف فيهما واحد، ولأنَّ الواو في الآية لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبًا ولا معية؛ بإجماع أهل اللغة كما نصَّ عليه رئيس الصنعة سيبويه، وروي في «السنن» : أنَّه عليه السلام نسي مسح رأسه ثمَّ تذكر فمسحها ولم يُعِد غسل رجليه، وهو مرسل يصح الاحتجاج به عندنا.
وقال الشافعي: إنَّ الترتيب فرض للآية؛ حيث عقَّب القيام بغسل الوجه بالفاء؛ وهي للترتيب، ومتى وجب تقديم الوجه؛ تعيَّن الترتيب وهو منقوض؛ لأنَّ الفاء وإن اقتضت التشريك، لكن المعطوف على ما دخلت عليه الفاء بالواو مع ما دخلت كالشيء الواحد؛ فأفادت ترتيب غسل هذه الأعضاء على القيام إلى الصلاة، لا ترتيب بعضها على بعض، وهذا مما يُعلم بالبديهة، قال الله تعالى:{وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] فللقاتل أن يبدأ بأيِّهما شاء بالإجماع، وكذا لو قال لغلامه: إذا دخلت السوق؛ فاشتر لحمًا، وخبزًا، وموزًا؛ لا يلزمه شراء اللحم أولًا، واستُدلَّ للشافعي بحديث: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع طهوره مواضعه، فيغسل يديه ثم يغسل به وجهه ثم ذراعيه
…
» الحديث، وكلمة:(ثمَّ)؛ للترتيب وهو منقوض؛ لأنَّ النووي قال: (إنَّه حديث ضعيف لا يُحتجُّ به)، على أن كلمة:«ثمَّ» ؛ للتراخي ولم يقل به أحد وصار بمعنى الواو كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الأعراف: 11]؛ أي: وصورناكم.
واستُدلَّ للشافعي أيضًا بأن الله تعالى ذكر ممسوحًا بين مغسولات، والأصل: جمع المتجانس على نسق واحد، ثم عطف غيرهما، لا يُخرَج عن ذلك إلا لفائدة، وهي هنا وجوب الترتيب، وهو منقوض؛ لما نص عليه المفسرون من أن الفائدة هنا التنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء على الأرجل؛ لما أنَّها مظنة الإسراف، والحاصل: أن الدليل قائم على عدم الافتراض؛ لأنَّه الأصل ومدعيه مطالب بالدليل؛ فليحفظ.
فائدة: استُدِل بهذه الآية على أن الوضوء أول ما فرض بالمدينة، وأمَّا قبل ذلك؛ فنقل ابن عبد البر اتفاق أهل السِّيَر على أن غسل الجنابة فرض على النبي الأعظم عليه السلام بمكة؛ كما افترضت الصلاة، وأنَّه لم يصل قط إلا بوضوء، وروى الحاكم في «المستدرك» من حديث ابن عباس: دخلت فاطمة على النبي عليه السلام وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال:«ائتوني بوضوء؛ فتوضأ» ، فهو دليل على وجود الوضوء قبل الهجرة، وأنه فرض.
وزعم ابن الجهم بأنَّه كان قبل الهجرة مندوبًا، وزعم ابن حزم بأنَّه لم يشرع إلا بالمدينة.
ورد عليهما بما أخرجه ابن لهيعة في «المغازي» التي يرويها عن أبي الأسود يتيم عروة عنه: أن جبريل علَّم النبي عليه السلام الوضوء عند نزوله عليه بالوحي، وهو مرسل، ووصله أحمد وابن ماجه من رواية راشد بن سعيد، وأخرجه الطبراني من طريق الليث بن عقيل موصولًا، والله أعلم.
(قال أبو عبد الله) يعني: المؤلف: (وبيَّن)؛ بتشديد التحتية، وللأصيلي:(قال: وبين)(النبي) الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ أي: في حديث ابن عباس الآتي موصولًا في باب (أن النبي الأعظم عليه السلام توضأ مرة مرة)(أن فرض الوضوء)؛ المجمل في الآية المذكورة (مرة) للوجه ومرة لليدين و (مرة) للرأس ومرة للرجلين، وروي فيهما الرفع والنصب، أما الرفع؛ فعلى الخبرية لـ (أن) وهو أقوى الأوجه، وأمَّا النصب؛ فعلى أوجه:
أحدها: أنَّه مفعول مطلق؛ أي: فرض الوضوء غسل الأعضاء غسلة واحدة.
والثاني: أنَّه ظرف؛ أي: فرض الوضوء ثابت في الزمان المسمَّى بالمرة، ذكر هذا الوجه الكرماني، قال في «عمدة القاري» : وفيه بعد، وأقرَّه البرماوي.
الثالث: أنَّه حال سدت مسد الخبر كقراءة بعضهم {ونحن عصبة} ؛ بالنصب.
الرابع: أنه نصب على لغة من ينصب الجزأين لـ (أن) كقوله: إنَّ حُرَّاسنَا أسدًا، كذا قرره في «عمدة القاري» ، قال: (وفائدة التكرار: إما التأكيد أو إرادة التفصيل؛ أي: فرض الوضوء غسل مرة للوجه
…
إلى آخره، فالتفصيل بالنظر إلى أجزاء الوضوء، أو المعنى: فرض الوضوء في كل وضوء مرة في هذا الوضوء فالتفصيل بالنظر إلى جزئياته) انتهى.
(وتوضأ) عليه السلام (أيضًا)؛ بفتح الهمزة مصدر (أضَّ) إذا رجع، كما في الحديث؛ أتى بيانه موصولًا في باب على حدة، (مرتين مرتين)؛ بالتكرار، وفي رواية بدونه، ووجه انتصابهما مثل انتصاب (مرة) كما سبق قريبًا.
(وتوضأ) عليه السلام أيضًا (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرات، وفي رواية:(وثلاثًا ثلاثًا)، وفي رواية:(وثلاثة) بالهاء، فأشار المؤلف بهذين التعليقين إلى أن الأمر من حيث هو لإيجاد حقيقة الشيء المأمور به لا يقتضي المرة ولا التكرار، بل هو محتمل لهما فبيَّن النبي الأعظم عليه السلام أن المراد منه: المرة؛ حيث غسل مرة واحدة واكتفى بها، لأنَّه لو لم يكن الفرض إلا مرة واحدة؛ لم يجز الاجتزاء بها، وأشار بقوله:(مرتين) و (ثلاثًا) إلى أن الزيادة عليها مندوب إليها؛ لأنَّ فعل الرسول عليه السلام يدل على الندب غالبًا إذا لم يكن دليل على الوجوب بكونه بيانًا للواجب.
قال في «عمدة القاري» : وبيان النبي الأعظم عليه السلام أن فرض الوضوء مرة مرة؛ وقع في حديث ابن عباس: أنه عليه السلام توضأ مرة مرة، وهو بيان بالفعل لما أجمل في الآية، وحديث أبي بن كعب: أنه عليه السلام دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» ، ففيه بيان بالقول والفعل، وهذا أخرجه ابن ماجه، ولكنه ضعيف، وله طرق أخرى كلها ضعيفة، وتمامه فيه، قلت: يحتمل أنه صار حسنًا لغيره لتعدد طرقه وعدم اشتداد ضعفها؛ فليحفظ.
(ولم يزد)؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام (على ثلاث) بدون التاء، وهي الرواية الصحيحة، كما في «عمدة القاري» ، وهو القياس؛ لأنَّ المعدود مؤنث، وفي رواية بالتاء، فإما أوله بـ (أشياء) وإما لأنَّه محذوف، كذا قيل.
قال في «عمدة القاري» : المعنى أنه لم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوء النبي الأعظم عليه السلام أنه زاد على ثلاث؛ بل ورد عنه عليه السلام ذم من زاد عليها، وهو ما رواه أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب: أن النبي عليه السلام توضأ ثلاثًا ثلاثًا ثم قال: «من زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم» ، وإسناده جيد، وكيف يكون ظالمًا بالنقصان وقد ورد في الأحاديث الوضوء مرة مرة ومرتين كما سبق؟
وأجيب عنه بأجوبة:
الأول: أن فيه حذفًا؛ تقديره: أو نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه أبو نعيم بن حماد مرفوعًا:«الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث؛ فقد أخطأ» ، وهو مرسل، ورجاله ثقات.
الثاني: أن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم اقتصروا على قوله:«فمن زاد» فقط، كذا رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي عليه السلامن فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال:«هذا الوضوء فمن زاد على هذا؛ فقد أساء، وتعدى، وظلم» ، ورواه ابن ماجه في «سننه» وأحمد في «مسنده» والنسائي في «سننه» بلفظ:«فقد أساء وتعدى وظلم» .
الثالث: أنَّه يكون ظالمًا لنفسه في تركه الفضيلة والكمال، وإن كان مرة مرة أو مرتين مرتين.
الرابع: أنَّه يكون ظالمًا إذا اعتقد خلاف السنية في الثلاث، ويقال: الإساءة ترجع إلى الزيادة، والظلم إلى النقصان؛ لأنَّ الظلم: وضع الشيء في غير محله، قلت: وكذا الزيادة على الثلاث أيضًا وضع الشيء في غير محله، وأيضًا هذا إنَّما يتمشى على رواية تقديم الإساءة على النقصان؛ فافهم.
قال في «منهل الطلاب» : (واختلف في تأويله؛ فقيل: من زاد على أعضاء الوضوء بأن مسح الحلقوم أو نقص عنها، أو زاد على الحد المحدود أو نقص عنه، أو زاد على الثلاث معتقدًا أنَّ إكمال السنة لا يحصل بالثلاث).
قال في «الحلية» : (والظاهر: أنَّه لو نقص غسلهما عن الثلاث كان آتيًا بالسنة تاركًا لكمالها)، ووافقه في «النهر» وهو جارٍ على القول بأن الأولى فرض، والثانية سنة، والثالثة إكمال، كما في «الكشف» ، والصحيح: أنَّه محمول على الاعتقاد دون نفس العمل حتى لو زاد أو نقص واعتقد أن الثلاثة سنة؛ لا يلحقه الوعيد، كذا في «البدائع» ، واقتصر عليه في «الهداية» ، ومشى عليه في «الدر المختار» ، وفي «البحر» : السنة تكرار الغسلات المستوعبات لا الغرفات، والمرة الأولى فرض، والثنتان بعدها سنتان مؤكدتان على الصحيح، كما في «السراج» ، واختاره في «المبسوط» ، وأيَّده في «النهر» .
ولو اقتصر على مرة واحدة؛ ففي إثمه قولان: قيل: يأثم؛ لترك السنة، وقيل: لا يأثم؛ لأنَّه قد أتى بما أُمِر به، كذا في «السراج» ، واختار في «الخلاصة» أنه إن اعتاده؛ أثم، وإلا؛ فلا، ومشى عليه في «الدر» ، وهو محمل القولين، كما في «الفتح» و «النهر» ، أمَّا إذا لم يجعله عادة له بأن اقتصر على واحدة أحيانًا، أو فعله؛ لعزة الماء، أو لعذر البرد، أو لحاجة؛ فلا يكره، كما في «الخلاصة» .
وأمَّا إن زاد على الثلاث لطمأنينة القلب؛ فمندوب؛ لأنَّه أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وهذا في غير الموسوس، أمَّا هو؛ فيلزمه قطع مادة الوسواس عنه، وعدم الالتفات إلى التشكيك؛ لأنَّه فعل الشيطان، وقد أمرنا بمخالفته، ويؤيده ما ذكره في «التاترخانية» :(أنَّه لو شك في بعض وضوئه؛ أعاده إلا إذا كان بعد الفراغ منه، أو كان الشك عادة له، فإنه لا يعيده ولو قبل الفراغ؛ قطعًا للوسوسة عنه) انتهى.
وأمَّا إذا زاد بنية وضوء آخر بعد الفراغ من الأول؛ فلا بأس به؛ لأنَّه نور على نور، وكذا إن نقص؛ لحاجة لا بأس به، كما في «المبسوط» ، وفي «التاترخانية» :(لو زاد على الثلاث؛ فهو بدعة، وهذا إذا لم يفرغ من الوضوء، أمَّا لو فرغ ثم استأنف الوضوء؛ فلا يكره بالاتفاق) انتهى، ومثله في «الخلاصة» ، وعارض دعوى الاتفاق في «البحر» بما في «السراج» من أنَّه مكروه في مجلس واحد قبل أن يؤدي بالأول عبادة، ووفَّق في «النهر» بأن ما مرَّ فيما إذا أعاده مرة واحدة وما في «السراج» فيما إذا كرره مرارًا، انتهى، قيل: وهو بعيد، وتمامه في «شرحنا» ، والله تعالى أعلم.
(وكرِه)؛ بكسر الرَّاء مخففة وبفتحها مشددة، والمكروه: ضد المحبوب، يقال: كَرِه الشيء يكرهه -من باب (سَمِع) - كَرهًا ويضم، وكراهية؛ بالتخفيف والتشديد؛ إذا لم يحبه، كما في «القاموس» .
والمكروه نوعان: مكروه تحريمًا؛ وهو المحمل عند إطلاقهم الكراهة، وهو ما تَرْكُه واجب ويثبت بما يثبت به الواجب، كما في «فتح القدير» ، ومكروه تنزيهًا؛ وهو ما تركه أولى من فعله، وكثيرًا ما يطلقونه، فلا بد من النظر في الدليل، فإن كان نهيًا ظنيًّا؛ يحكم بكراهة التحريم ما لم يوجد صارف عنه إلى التنزيه، وإن لم يكن الدليل نهيًا، بل كان مفيدًا للترك الغير الجازم؛ فهي تنزيهية، قاله صاحب «البحر» .
ثم المكروه تنزيهًا إلى الحلِّ أقرب اتفاقًا كما في «البرهان» ، وأمَّا المكروه تحريمًا؛ فالمشهور عن الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف: أنه إلى الحرام أقرب؛ بمعنى: أنه ليس فيه عقوبة بالنار، بل بغيرها كحرمان الشفاعة، وعند الإمام محمد: هو حرام، ولم يطلقه عليه؛ لعدم النص الصريح فيه، كذا في شروح «الملتقى» .
(أهل العلم) أي: المجتهدون منهم (الإسراف)؛ وهو صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، بخلاف التبذير؛ فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي (فيه)؛ أي: في الوضوء، أشار بذلك إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة عن هلال بن يسار أحد التابعين قال:(كان يقال: في الوضوء إسراف، ولو كنت على شاطئ نهر)، وأخرج ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله عليه السلام مرَّ بسعد وهو يتوضأ فقال:«ما هذا السرف؟» ، قال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم؛ ولو كنت على نهر جارٍ» .
(وأن يجاوزوا) أي: أهل العلم (فعل النبي) الأعظم صلى الله عليه وسلم، بالعطف على قوله:(الإسراف فيه)، وهو عطف تفسير للإسراف؛ إذ ليس المراد بالإسراف إلا المجاوزة عن فعله عليه السلام؛ أي: الثلاث، وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال:(ليس بعد الثلاث شيء).
واختلف في الكراهة؛ فقال شمس الأئمة الحلواني: إنها تحريمية، وعليه مشى الإمام الجليل قاضيخان، واستوجهه في «الحلية» ، و «البحر» ، و «النهر» ، ومشى عليه في «الدر»؛ حيث قال:(والإسراف؛ ومنه: الزيادة على الثلاث في الماء مكروه تحريمًا، ولو بماء النهر والمملوك له) انتهى.
أقول: وذكر المحقق في «فتح القدير» أن ترك التقتير والإسراف من المندوبات، ومثله في «البدائع» وغيرهما؛ فأفاد أن الكراهة تنزيهية، وتقدم أن حديث:«من زاد على هذا أو نقص؛ فقد تعدى وظلم» محمول على الاعتقاد عندنا، كما صرح به في «الهداية» وغيرها، وقال في «البدائع» :(إنه الصحيح، حتى لو زاد أو نقص واعتقد أن الثلاث سنة لا يلحقه الوعيد) انتهى، وهو صريح في عدم كراهة التحريم؛ فلا ينافي كراهة التنزيه، ويؤيد هذا ما في «الدر» معزوًّا
(1)
للقهستاني عن «الجواهر» : من أن الإسراف في الماء الجاري جائز؛ لأنَّه غير مضيع، انتهى والجائز: قد يطلق على ما لا يمتنع شرعًا، فيشمل المكروه تنزيهًا، وتقدم ما يفيد أن الكراهة تنزيهية لا تحريمية، وأوضحناه في شرحنا؛ فتأمل.
وأما الماء الموقوف على من يتطهر به، ومنه ماء المدارس؛ فالإسراف فيه حرام، كما في «الدر» ؛ لأنَّ الزيادة غير مأذون بها؛ لأنَّه إنَّما يوقف ويساق لمن يتوضأ الوضوء الشرعي، ولم يقصد إباحتها لغير ذلك كما في «الحلية» ، قال العلامة الرحمتي:(وينبغي تقييده بما ليس بجارٍ؛ كالذي في صهريج، أو حوض، أو نحو إبريق، أما الجاري؛ كماء مدارس دمشق وجوامعها؛ فهو من المباح كماء النهر) انتهى، وأقرَّه شيخ شيخنا السيد محمد محشي «الدر» وارتضاه.
(1)
في الأصل: (معزيًّا)، ولعل المثبت هو الصواب.