الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بكسر الهاء: هو ابن عروة (قال: حدثني) بالإفراد (أبي) هو عروة بن الزُّبير بن العوام (عن) خالته (عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهما، زوج النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، (قالت: كان النَّبي) الأعظم صلى الله عليه وسلم هذا التركيب وأمثاله يفيد الدوام والاستمرار؛ لوجود لفظة (كان) فإنَّها لإفادة ذلك؛ فافهم، (يصلِّي)؛ أي: صلاته من الليل، وقوله:(وأنا راقدة)؛ أي: نائمة، جملة حالية، وقوله:(معترضة) : صفة لـ (راقدة)، أو خبر بعد خبر، وقوله:(على فراشه) : متعلق بـ (راقدة) أو بـ (معترضة) والأظهر: الأول، وهل اعتراضها كان بين النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وبين القبلة، أو كانت منحرفة عنه؟ والظَّاهر: الأول؛ لما سبق من حديثها: أنها كانت تعترض بينه وبين القبلة، ولأن البيوت كانت وقتئذ ضيقة لا تسع غير الفراش أو الفراشين؛ فتأمل، (فإذا أراد أن يوتر)؛ أي: فإذا فرغ من صلاته النافلة وأراد النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يصلِّي الوتر الواجب في آخر الليل؛ (أيقظني) من الإيقاظ؛ أي: نبهني من النَّوم؛ لأجل أن أصلي معه (فأوترتُ معه)؛ بتاء المتكلمة لا الغائبة؛ أي: صلَّيت معه الوتر، ففيه: استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن يثق بالانتباه، وفيه: أن صلاة الوتر إمامًا في غير رمضان إذا كانت على سبيل التداعي؛ غير مكروهة، وهذا مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، لا يقال: إن التَّرجمة خلف النائم، والحديث خلف
(1)
النائمة؛ لأنَّا نقول: حكم الرجال والنساء واحد في الأحكام الشرعية إلا ما خصَّه الدليل، على أنَّه إذا جاز خلف النائمة؛ فخلف النائم بالطريق الأولى، وأراد بـ (النائم) : الشخص النائم ذكرًا كان أو أنثى، ففي الحديث: دليل على أنَّ الصلاة خلف النائمين جائزة بلا كراهة عندنا.
وقال ابن بطال: الصلاة خلف النائم جائزة إلا أن طائفة كرهتها؛ خوف ما يحدث من النائم فيشتغل المصلي به أو يضحكه؛ فتفسد صلاته، وقال مالك: لا يصلِّي إلى نائم إلا أن يكون دونه سترة، وهو قول طاووس، وقال مجاهد: أصلي وراء قاعد أحب إلي من أن أصلي وراء نائم، انتهى.
قلت: وما قالت به الطَّائفة من الكراهة وتعليلهم بالخوف؛ أمر موهوم غير محقق، والأحكام لا تبنى على الوهم، وما قاله مالك؛ فيه نظر؛ لأنَّه ليس للسترة فائدة، فإن مشروعية السترة درء المارين، ولا نعهد نائمًا يمشي، فإن كان مراده بنفي الصلاة إلى النائم: الكراهة وبوجود السترة تنتفي الكراهة؛ فلا وجه له؛ لأنَّ علة الكراهة: ظهور شيء يشغل المصلي أو يضحكه، وإن كان مراده أنه لا بدَّ من السترة؛ فهي لا تفيد شيئًا، وليست مشروعة، كما لا يخفى.
وروى أبو داود عن ابن عبَّاس: أن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم قال: «لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث» ، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وروى البزار عن ابن عبَّاس أن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم قال:«نهيت أن أصلي إلى النيام والمتحدثين» ، وروى ابن عدي عن ابن عمر نحوه، وروى الطَّبراني عن أبي هريرة نحوه.
وأجاب الإمام البخاري وأشار بهذه التَّرجمة إلى ضعف هذه الأحاديث، ولهذا قال أبو داود: طرق حديث ابن عبَّاس كلها واهية، كما في «عمدة القاري» .
وقال الخطابي: حديث ابن عبَّاس لا يصحُّ؛ لضعف سنده، قال إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» : وفي سند أبي داود رجل مجهول، وفيه عبد الله بن يعقوب لم يسمِّ مَنْ حدَّثه، وفي سند ابن ماجه أبو المقدام هشام بن زياد البصري لا يحتج بحديثه، وحديث أبي هريرة وابن عمر واهيان أيضًا، وروى البزار عن محمَّد ابن الحنفية عن أبيه علي رضي الله عنه:(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلِّي إلى رجل، فأمره أن يعيد الصلاة، قال: يا رسول الله؛ إني صليت وأنت تنظر إلي)، قال: هذا حديث لا نحفظه إلا بهذا الإسناد، وكأنَّ هذا المصلي كان مستقبل الرجل بوجهه؛ فلم يتنح عن حياله.
وروى أبو بكر ابن أبي شيبة عن مجاهد: (أن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلَّى خلف النُّوام والمتحدثين)، وفي سنده عبد الكريم بن أمية؛ وهو متروك الحديث، انتهى.
والحاصل: أن هذه الأحاديث ضعيفة لا يحتج بها، لا يقال: إنها تتقوى بتعدد طرقها واختلاف أسانيدها؛ لأنَّا نقول: إن تقوت؛ فهي محمولة على ما إذا كان للمتحدثين أصوات يخاف منها التغليط أو الشغل للمصلي، وعلى ما إذا
(2)
كان للنائمين شيء يظهر فيضحك المصلي فيفسد صلاته، وفي الحديث: استحباب إيقاظ النائم للطاعة، وفيه: أن الوتر يكون بعد النَّوم، والله تعالى أعلم.
(104)
[باب التطوع خلف المرأة]
هذا (باب) حكم صلاة (التطوع)؛ أي: النافلة، ومثلها الفريضة والواجبة (خلف المرأة) ومثله خلف الرجل بالأولى، هل هو جائز مع الكراهة أو بدونها؟ ويجوز التنوين في لفظة:(باب) فـ (التطوع) : مبتدأ، والظرف خبره متعلق بخاص؛ نحو: جائز؛ للقرينة على ذلك، وما قدرناه هو ما ارتضاه إمامنا الشَّارح في «عمدة القاري» ، وتبعه القسطلاني، وهو أولى مما زعمه العجلوني؛ لأنَّه قاصر، وفيه ركاكة مع خفاء المعنى المراد منه؛ فافهم.
[حديث: قالت كنت أنام بين يدي رسول الله ورجلاي في قبلته]
513 -
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي المنزل
(3)
الدمشقي المولد (قال: أخبرنا مالك) هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن أبي النَّضْر)؛ بفتح النُّون وسكون المعجمة: هو سالم المدني (مولى عمر بن عبيد الله)؛ بالتصغير: هو التيمي المدني، (عن أبي سَلَمَة)؛ بفتحات: هو عبد الله (بن عبد الرحمن) هو ابن عوف رضي الله عنه، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر (زوجِ النَّبي) الأعظم صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهما، وهو بالجر صفة لـ (عائشة) (أنها قالت: كنت أنام) أي: في حجرتي (بين يدي) بالتثنية (رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حجرتها يصلي التهجد ليلًا (ورجلاي) بصيغة التثنية (في قبلته) جملة اسمية وقعت حالًا؛ أي: في مكان سجوده، (فإذا سجد)؛ أي: فإذا أراد عليه السلام السُّجود؛ (غمزني) : من الغمز باليد أو ضربني بيده من غير حائل، كما هو الأصل، وفي «الصِّحاح» : غمزت الشيء باليد وغمزته بعيني، قال تعالى:{وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ} [المطففين: 30]، وفي «القاموس» : غمزه بيده: شِبْهُ لهزه، شِبْهُ نخسه، وبالعين والجفن والحاجب: أشار، انتهى، فالمراد ههنا: الغمز باليد، قال الكرماني: فالغمز قبل السُّجود لا فيه؛ لأنَّ (إذا) للاستقبال، انتهى.
وروى أبو داود من حديث أبي سلمة عن عائشة أنها قالت: (كنت أكون نائمة ورجلاي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد؛ ضرب رجلي، فقبضتها، فسجد)، كذا في «عمدة القاري» .
قلت: وهذه الرواية أصرح في المقصود؛ لأنَّها بيَّنت أن المراد بالغمز: الضرب باليد، وهو الموافق لما في كتب اللُّغة؛ فليحفظ.
وزعم القسطلاني عند قوله: (غمزني بيده)؛ أي: مع حائل، انتهى.
قلت: وهذا تفسير من عنده، ذكره ترويجًا لما ذهب إليه الشَّافعي: من أن المسَّ باليد مبطل للوضوء، والحق الصَّواب: أن هذا فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قولها: (غمزني)؛ أي: بيده بدون حائل فإنَّه الأصل، ولو كان ثمة حائل؛ لصرَّحت به، على أنَّه -الرِّجْل واليد عند أهل التحقيق- كانتا بغير حائل، بل كان ذلك بالمسِّ؛ البشرة على البشرة، ويدل لذلك رواية أبي داود فإنَّها مصرحة
(1)
في الأصل: (خالف)، ولعله تحريف.
(2)
في الأصل: (ذا)، ولعل المثبت هو الصواب.
(3)
في الأصل: (الأصل)، وليس بصحيح.
بذلك؛ حيث قالت: (ضرب رجلي)، ومن المعلوم أن الضرب لا يكون بحائل، بل بدونه، كما لا يخفى، فبهذا ظهر أن الصَّواب: ما عليه الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور: أن مس المرأة غير ناقض للوضوء؛ فليحفظ.
(فقبضت رجلَيَّ)؛ بفتح اللَّام، وتشديد التحتية، بصيغة التثنية؛ أي: ضممتهما عن مكان سجوده عليه السلام، يعني: أخَّرتهما عنه؛ ليسجد مكانهما، (فإذا قام) عليه السلام؛ أي: من السُّجود؛ (بسطهما)؛ بضمير التثنية؛ أي: رددتهما إلى مكانهما، (والبيوت) : مبتدأ، جمع بيت؛ وهو اسم للمكان الذي يبات فيه ليلًا (يومئذ) معناه: وقتئذ؛ أي: وقت إذ كان النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم حيًّا.
وقوله: (ليس فيها) أي: البيوت (مصابيح) : خبر المبتدأ، والجملة حالية أو مستأنفة، والمصابيح: جمع مصباح، قال إمام الشَّارحين: وإنما فسرنا قوله: (يومئذ) هكذا؛ لأنَّ المصابيح من وظائف الليل؛ فلا يمكن إجراء اليوم على حقيقة
(1)
معناه، وقد يذكر اليوم ويراد به الوقت، كما في قوله تعالى:{وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16]، وهذا اعتذار من عائشة عن نومها على هذه الهيئة، والمعنى: لو كانت المصابيح موجودة؛ لقبضت رجلي عند إرادته السُّجود، ولما احتجت إلى غمزي بيده، انتهى.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّه قد علم من عادة النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم أن صلاته للفرائض والواجبات كانت في المسجد بالجماعة، فتكون صلاته في بيته ليلًا نافلة تطوعًا.
وفي الحديث: دليل على أنَّ الصلاة خلف النائم ذكرًا كان أو أنثى جائزة من غير كراهة، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور.
وزعم ابن حجر: وفيه: إشارة إلى عدم الاشتغال بها فمَنْ أَمِنَ ذلك؛ لم يكن في حقه، انتهى.
قلت: وفيه بعدٌ؛ فإن المؤلف ليس مراده الاشتغال وعدمه بترجمته، وإنما مراده حكم صلاة التطوع خلف المرأة، وقد بين في الباب قبله حكم الصلاة خلف النائم، على أنَّه ليس في ذلك اشتغال أصلًا؛ لأنَّ البيوت لم يكن فيها مصابيح، وإن كان -كما في زماننا-؛ فإن المصلي يحبس نظره وخاطره في موضع سجوده، ولهذا لم تضر صلاته عليه السلام؛ فليحفظ.
وقال الكرماني: فإن قلت: لفظ التَّرجمة يقتضي أن يكون ظهر المرأة إلى المصلي؛ فما وجه دلالة الحديث عليه؟! قلت: لا نسلِّم ذلك الاقتضاء، ولئن سلَّمنا؛ فالسنة للنائم التوجه إلى القبلة، والغالب من حال عائشة أنها لا تتركها، انتهى.
واعترضه ابن حجر فقال: ولا يخفى تكلُّفه، وسنة ذلك للنائم في ابتداء النَّوم لا في دوامه؛ لأنَّه قد ينقلب وهو لا يشعر، انتهى.
قلت: واعتراضه مردود عليه وليس فيه تكلف؛ لأنَّ غمزه عليه السلام لعائشة إنَّما كان في ابتداء نومها، وهي لا تترك النَّوم على القِبْلة، ويدلُّ عليه أنها كانت راقدة لمَّا غمزها؛ قَبضَت رجليها، فلو كانت مستغرقة في النَّوم؛ لم تشعر بذلك؛ لأنَّ النائم لا يدرك شيئًا سواء كان في البيت مصابيح أو لم يكن؛ فافهم.
ثم زعم ابن حجر: والذي يظهر أن معنى: (خلف المرأة) : وراءها، فتكون هي نفسها أمام المصلي لا خصوص ظهرها، ولو أراده؛ لقال: خلف ظهر المرأة، والأصلعدم التقدير، انتهى.
قلت: واعترضه العجلوني فقال: الذي استظهره أشار إليه الكرماني أولًا، ولا يخفى ما في قوله: ولا يخفى تكلفه
…
إلخ؛ فتدبر، انتهى.
قلت: لقد أنصف العجلوني هنا، والعجب من الشَّارح المحقق حيث لم يتعرَّض إليه ولا عجب، فإن ما زعمه ابن حجر لا يقوله من شمَّ أدنى رائحة في العلم من تناقضه وركاكته، فلذا لم يعرِّج عليه، وعلى كل حال فما زعمه هذا القائل هو قد أخذه من كلام الكرماني، بل هو عينه، لكن قد غير عبارته بعبارة ركيكة، فلا حاجة إلى شغل الفكر لبيان ردها، كما لا يخفى؛ فافهم.
وزعم ابن حجر أن هذه الحالة غير الحالة التي تقدمت في صلاته عليه السلام إلى السرير التي كانت عليه؛ لأنَّه في تلك الحالة غير محتاج لأن يسجد مكان رجليها، وهو أولى من حمله على حالة واحدة، كما جنح إليه الإسماعيلي فيما سبق بأن يقال: كانت صلاته فوق السرير لا أسفل منه، انتهى.
قلت: وهذا بعيد جدًّا، فإن هذه الحالة هي عين الحالة التي تقدمت في صلاته إلى السرير؛ لأنَّ قولها هناك: فيجيء النَّبي صلى الله عليه وسلم فيتوسط السرير؛ معناه: يجعل نفسه في وسط السرير، كما يدل عليه اللَّفظ، وفي هذه الحالة يحتمل أنها كانت تقبض رجليها حتى يسجد مكانهما، ويحتمل أن السرير واسع لا يحتاج فيه إلى ذلك، والحمل على الحالة الواحدة هو الصَّواب لما ذكرناه، وما زعمه من الأولوية مردود؛ لعدم ما يدل عليها من شيء، والإسماعيلي أدرى بالمراد من الحديث، فجعله صلاته فوق السرير لا أسفل منه هو الصَّواب، كما لا يخفى؛ فافهم.
وفي الحديث: جواز صلاة الرجل إلى المرأة، وأنها لا تقطع صلاته، وفيه: أن العمل في الصلاة غير قادح إذا كان يسيرًا، وهو مفوَّض إلى رأي المصلي، أو ما يعده الناظر يسيرًا، أو ما كان دون ثلاث حركات، وفيه: جواز الصلاة إلى النائم، وفيه أن لمس المرأة غير ناقض للوضوء، وهذا الحديث مع بقية مباحثه قد تقدم في باب (الصلاة على الفراش)، والله تعالى أعلم.
(105)
[باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء]
هذا (باب) بيان قول: (من قال لا يقطع) أي: لا يفسد (الصلاة شيء)؛ أي: من غير فعل المصلي أو من مرور الكلب، والمرأة، والحمار، وغيرها، وأشار المؤلف بهذه التَّرجمة إلى الردِّ على من يقول: يقطع الصلاة مرور هذه الثلاثة، وإنما لم يخصها بالترجمة، بل عمَّم؛ ليشملها وغيرها، والمراد بالقطع: الفساد والبطلان، وهذه التَّرجمة لفظ حديث أخرجه الدارقطني عن سالم مرفوعًا، ورواه أبو داود عن أبي سعيد مرفوعًا، ورواه الدارقطني عن أنس وأبي أمامة، ورواه الطَّبراني عن جابر مرفوعًا، ورواه سعيد بن منصور عن علي وعثمان موقوفًا.
فإن قلت: إذا كانت التَّرجمة لفظ حديث مرفوع؛ كان عليه أن يترجم بغيره ويذكر الحديث على عادته.
قلت: الحديث المذكور ليس على شرطه، على أنَّه قد نصَّ الحُفَّاظ على ضعف أسانيده، لكن ما رواه سعيد بن منصور إسناده صحيح، لكنه موقوف، فإذا كان الأمر كما ذكرنا؛ اختار الإمام البخاري أن يجعل الحديث ترجمة لِبابٍ مستقل؛ فافهم.
[حديث: شبهتمونا بالحمر والكلاب والله لقد رأيت النبي]
514 -
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عُمر بن حفص)؛ بِضَمِّ العين، زاد أبو ذر:(ابن غياث)(قال: حدثنا أبي) هو حفص بن غياث، (قال: حدثنا الأعمش) هو سليمان بن مهران الكوفي، (قال: حدثنا إبراهيم)، ولابن عساكر:(عن إبراهيم) هو النخعي، (عن الأسود) هوابن يزيد النخعي، وهو خال إبراهيم، (عن عائشة) : هي الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهما.
(وقال الأعمش)؛ بالواو العاطفة على الإسناد السَّابق، فهو موصول مقول حفص، وتردَّد الكرماني فقال: هذا إما تعليق وإما داخل تحت الإسناد الأول سواء كان بكلمة (ح) مهملة كما في بعض النُّسخ أو لم يكن، انتهى، لكن جزم الشراح بأنه موصول داخل تحت الإسناد الأول، وظاهر اللَّفظ يدل عليه، فلا وجه لتردُّده؛ فافهم، (حدثني)؛ بالإفراد، وهذا تحويل من سند إلى سند آخر سواء كان بكلمة (ح) مهملة كما في بعض النُّسخ أو لم يكن، (مسلم) هو أبو الضُّحى ابن صبيح، (عن مسروق) هو ابن الأجدع، (عن عائشة) : هي الصديقة بنت الصديق
(1)
في الأصل: (حقيقته)، ولعله تحريف.
الأكبر رضي الله عنهما، (قال)؛ أي: إن مسروقًا قال: (ذُكِر)؛ بِضَمِّ الذَّال مبني للمفعول (عندها) أي: بحضرة عائشة (ما يقطع) أي: يبطل (الصلاة)، وكلمة (ما) موصولة، ويجوز فيها وجهان؛ أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبره قوله: (الكلب) والجملة محلها النصب مفعول ما لم يسم فاعله؛ وهو (ذُكِر) على صيغة المجهول، وثانيهما: أن يكون (ما) مفعول ما لم يسم فاعله، ويكون قوله:(الكلب) بدلًا منه، أفاده الشَّارح، (الكلبُ)؛ بالرفع، كما ذكرنا، ويجوز أن يكون (الكلب) فاعلًا لفعل محذوف، يدل عليه رواية علي بن مسهر:(ذكر عندها ما يقطع الصلاة فقالوا: يقطعها الكلب)(والحمار والمرأة)؛ بالرفع فيهما، وزعم العجلوني أنه يجوز نصب (الكلب) وما بعده مفعول لمحذوف نحو: فذكروا الكلب، وقد صرح بهذا الفعل في بعض الأصول الصَّحيحة، انتهى.
قلت: الروايات الصَّحيحة كما ذكرنا، وما زعمه إن ساعدته الرواية؛ فله وجه، وكون الفعل مصرَّحًا به؛ الله أعلم به؛ لأنا لم نر أحدًا من الشراح قد ذكر هذا؛ فتدبر، والذاكرون عندها هم ابن أختها عروة، وأبو هريرة، وأبو ذر، وابن عبَّاس رضي الله عنهم؛ لما في «مسلم» من طريق عروة: (قالت عائشة: ما يقطع الصلاة؟ قال: قلت: المرأة والحمار
…
)؛ الحديث، وفي «ابن عبد البر» من رواية القاسم قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن المرأة تقطع الصلاة، وحديث أبي ذر عند مسلم، وحديث ابن عبَّاس عند ابن ماجه؛ فليحفظ.
(قالت) أي: عائشة رضي الله عنها: (شبهتمونا بالحمير والكلاب؟!)؛ بالجمع فيهما، ورواه مسلم عنها بلفظ:(قالت: عدلتمونا بالكلاب والحمير؟!)، وهما بمعنًى، وتقدم من طريق علي بن مسهر بلفظ:(جعلتمونا كلابًا؟!) وهو تشبيه بليغ، وخطابها إنَّما كان لابن أختها عروة، ولأبي هريرة، ولأبي ذر، وابن عبَّاسرضي الله عنه، كما دلت عليه الروايات السَّابقة.
قال ابن مالك: في هذا دليل على جواز تعدي المشبه به بالباء، والمشهور تعدية مشبه إلى مشبه ومشبه به بدون باء، كقول امرئ القيس:
فشبهتهم في الآل لما تكمشوا
…
حدائق دوم أو سفينًا مُقيرًا
وقد كان بعض المعجبين يخطِّئ سيبويه وغيره في قولهم: شبه كذا بكذا، وليس زعمه صحيحًا، بل سقوط الباء وثبوتها جائزان، وسقوطها أشهر في كلام القدماء، وثبوتها لازم في عرف العلماء المتأخرين، انتهى.
وأخرج الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي هذا الحديث من سبع طرق صحاح، وروى مسلم، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي؛ فإنَّه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل؛ فإنَّه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود» قلت: يا أبا ذر؛ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر ومن الكلب الأصفر؟ قال: يا بن أخي؛ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: «الكلب الأسود شيطان» ، وأخرجه الأربعة أيضًا مختصرًا ومطولًا، وقيَّد الكلب في روايته بالأسود.
وروى ابن ماجه من حديث ابن عبَّاس عن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم قال: «يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض» ، وقيَّد المرأة بالحائض في روايته، فهذا يدل على أنَّ الكلب الأسود والمرأة الحائض والحمار يقطع الصلاة، وهو مروي عن أنس، ومكحول، وأبي الأحوص، والحسن، وعكرمة، وعن عكرمة:(يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والخنزير، والمرأة، واليهودي، والنصراني، والمجوسي)، وعن عطاء:(لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود والمرأة الحائض)، وقال أحمد ابن حنبل:(يقطع الصلاة الكلب الأسود والبهيم)، وعنه:(يقطعها أيضًا الحمار والمرأة)، وقال الظَّاهرية: يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة؛ للحديث المذكور.
وقال الأئمة الحنفية وتبعهم المالكية والشَّافعية: إنَّه لا يقطع الصلاة الكلب الأسود، ولا الحمار، ولا المرأة ولو حائضًا؛ لما رواه البخاري عن ابن عباس قال:(أقبلتُ راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الحُلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس يمضي إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف؛ فلم ينكر ذلك عليَّ أحد)، وأخرج أيضًا عن عون بن أبي جحيفة قال:(سمعت أبي يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم بالبطحاء -وبين يديه عنزة- الظُّهر ركعتين والعصر ركعتين يمر بين يديه المرأة والحمار)، وكذلك حديثي الباب، وأخرج أبو داود عن الفضل بن عبَّاس قال:(أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية ومعه ابن عبَّاس فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه فما بال ذلك؟)، وأخرجه النسائي أيضًا، وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان» ، وروى الدارقطني عن ابن عمر مثله، وأبي أمامة وأنس نحوه، وروى الطَّبراني في «الأوسط» عن جابر نحوه.
فإن قلت: حديث أبي سعيد، وابن عمر، وأبي أمامة، وأنس رضي الله عنهم زعم ابن الجوزي أنَّه لا يصح منها شيء، وزعم ابن حبان أنه لا يحل الاحتجاج بها.
قلت: نصَّ الحفاظ وغيرهم أنَّه لا عبرة بوضع ابن الجوزي فإنَّه متعصِّب، ومثلهابن حبان، على أنَّه قد رويت بطرق مختلفة عن عدة صحابة وبه تتقوى وترتقي، وليس يتعين علينا الاستدلال بها، بل يكفينا ما روى البخاري.
وقال النَّووي: (وتأوَّل الجمهور القطع المذكور على قطع الخشوع جمعًا بين الأحاديث) انتهى.
قلت: وفيه نظر لأنَّ الخشوع ليس بشرط في الصلاة، ولا يلزم الجمع؛ لأنا نقول: أحاديث الجمهور أقوى وأصح من أحاديث من خالفهم، والأخذ بالأقوى أولى؛ فافهم، فإن حديث ابن عبَّاس صريح في الاستدلال؛ لأنَّ حماره قد مرَّ بين يدي النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، كما رواه البزار، ودل حديث عائشة المذكور على أنَّ المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، وكذلك دل حديث أم سلمة وميمونة بنت الحارث،؛ فأخرج الإمام الطَّحاوي حديث أم سلمة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت:(كان يُفرَش لي حِيَال مُصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وإني حياله)، وأخرجه أحمد في «مسنده» ، وأخرج الطَّحاوي حديث ميمونة عن عبد الله بن شداد قال: حدثتني خالتي ميمونة بنت الحارث قالت: (كان فراشي حِيَال مُصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فربما وقع ثوبه عليَّ وهو يصلي)، وأخرجه أبو داود ولفظه:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا حذاءه وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا سجد، وكان يصلي على الخُمرة)، والمصلَّى؛ بفتح اللَّام؛ وهو الموضع الذي كان يصلي فيه النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في بيته، وهو مسجده الذي عينته للصلاة فيه، والخُمرة؛ بِضَمِّ الخاء المعجمة: حصير صغير يُعمَل من سعف النخل وينسج بالسيور والخيوط، وهي على قدر ما يوضع عليه الوجه والأنف.
فإن قلت: ما استدل به الجمهور مطلق، وحديث القطع مقيدن وهو يقضي على المطلق.
قلت: أجاب الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي فقال: قد تواترت الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنَّ بني آدم لا يقطعون الصلاة، وقد جعل كل مار بين يدي المصلي شيطانًا في حديثي ابن عمر وأبي سعيد، وأخبر أبو ذر: أن الكلب الأسود إنَّما يقطع الصلاة؛ لأنَّه شيطان، فكانت العلة التي لها جعلت لقطع الصلاة قد جعلت من بني آدم أيضًا، وقد ثبت عن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: أنهم لا يقطعون الصلاة، فدل على أنَّ كل مار بين يدي المصلي سوى بني آدم كذلك أيضًا لا يقطع الصلاة، والدليل على صحة ما ذكرنا: أن ابن عمر مع روايته ما ذكرنا عنه عليه السلام قد روي عنه من بعده: حدثنا يونس: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم قال: قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة يقول: (يقطع الصلاة الكلب والحمار)، فقال ابن عمر: (لا يقطع
صلاة المسلم شيء)، فقد دل هذا على ثبوت نسخ ما كان سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار ما قال به أولى عنده من ذلك، انتهى.
وزعم ابن حجر: وتعقب بأنَّ النَّسخ لا يصار إليه إلا إذا علم التاريخ وتقدر الجمع، والتاريخ هنا لم يتحقق والجمع لم يتعذر، انتهى.
وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: لا نسلم ذلك؛ لأنَّ مثل ابن عمر رضي الله عنهما بعدما روي عنه: أن المرور يقطع قال: لا يقطع صلاة المسلم شيء، فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك؛ لم يقل بما قال: من عدم القطع، ومن الدليل على ذلك: أن ابن عبَّاس الذي هو أحد رواة القطع روي عنه: أنَّه حمله على الكراهة؛ قال البيهقي: روى سماك عن عكرمة: قيل لابن عبَّاس: أتقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار؟ فقال: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفع، فما يقطع هذا، ولكن يكره، انتهى.
وقال الإمام الحافظ الطَّحاوي: وقد روي عن نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن مرور بني آدم وغيرهم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، ثم أخرج عن سعيد بن المسيب بإسناد صحيح: أن عليًا وعثمان رضي الله عنهماقالا: لا يقطع صلاة المسلم شيء وادرؤوا ما استطعتم، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، وأخرج الطَّبراني من حديث عَلِيٍّ مرفوعًا:«لا يقطع الصلاة شيء إلا لحدث» انتهى.
وقال الشَّافعي: تأول القطع بنقص الخشوع، قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الخشوع في الصلاة غير شرط اتفاقًا.
وقال بعضهم: حديث أبي ذر مقدَّم؛ لأنَّ حديث عائشة على أصل الإباحة، قلت: وهذا مبني على أنَّ حديث عائشة ناسخ لحديث أبي ذر؛ لأنَّه متأخر عنه، كما حققه الحافظ الطَّحاوي.
وزعم العجلوني أن قول بعضهم مبني على أنَّهما متعارضان ولا تعارض؛ لإمكان الجمع بنقص الخشوع.
قلت: ما زعمه فاسد الاعتبار فإن ظاهر اللفظ يدل على أنَّ هذا مبني على النَّسخ لا على التعارض؛ لأنَّ قوله: (حديث أبي ذر مقدَّم) يعلم منه حقيقة أن حديث عائشة هو المتأخر، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم، وما زعمه من عدم التعارض لإمكان الجمع؛ فاسد أيضًا؛ لأنَّ الجمع بنقص الخشوع باطل؛ لأنَّه غير شرط، كما ذكرنا، فالحق والصَّواب ماقلناه؛ فليحفظ.
فإن قلت: إنكار عائشة على من ذكر المرأة مع الحمار والكلب فيما يقطع الصلاة مع أنها روت الحديث عن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ كما رواه أحمد ابن حنبل، ولفظه:«لا يقطع صلاة المسلم شيء إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة» ، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ لقد قُرِنَّا بذوات سوء.
قلت: إن عائشة لم تنكر الحديث ولم تُكذِّب أبا هريرة، وإنما أنكرت بقاء الحكم وعدم المصير إلى النَّسخ؛ لأنَّها كانت ترى نسخ الحكم، ولهذا قالت:(والله لقد رأيت) أي: بصرت (النَّبي) الأعظم، وللأصيلي:(رسول الله) صلى الله عليه وسلم وجملة (يصلي) : محلها نصب مفعول ثان؛ أي: النافلة ليلًا، ومع هذا كانت عائشة تكره أن يذكر المرأة مع الحمار والكلب؛ لشرفها وخستهما، ولهذا قالت: يا رسول الله؛ لقد قُرنَّا بذوات سوء؛ فافهم، وفي هذا دليل على جواز الحلف بدون استحلاف، وفيه: استحباب قيام الليل بالصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن، ولو بحضرة أهله وهم نيام؛ لما في ذلك من الثواب الجزيل، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، (وإنِّي)؛ بكسر الهمزة وتشديد النُّون، بعدها ياء المتكلم، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي:(وأنا)(على السرير)، وفي رواية:(إلى السرير)؛ أي: عليه، فكلمة (إلى) بمعنى: على، وحروف الجر يستعار بعضها مكان بعض، كما لا يخفى على أولي الألباب، والجملة اسمية محلها نصب على الحال من عائشة، وكذلك قولها:(بينه وبين القبلة)؛ أي: أمامه بالقرب من موضع سجوده؛ جملة حالية، وقوله:(مضطجعةٌ)؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: وأنا مضطجعة، وعلى هذا تكون الجملة أيضًا حالًا، ويجوز أن يكون (مضطجعةٌ)؛ بالرفعخبرًا لقوله:(وأنا) أو (إني)؛ أي: والحال أني مضطجعة على السرير، فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير مبتدأ، وأما وجه النصب في (مضطجعة)؛ فعلى أنَّه حال من عائشة أيضًا، ثم يجوز أن يكون هذان حالان مترادفين، ويجوز أن يكونا متداخلين، كذا حققه إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» .
قلت: وكون (مضطجعةً) بالنصب رواية أبي ذر، والوجهان في «اليونينية» .
والحاصل: أنه يجوز فيها وجهان: الرفع والنصب؛ فالرفع له وجهان، والنصب له وجه واحد؛ فافهم.
(فتبدوا)؛ أي: تظهر (لي الحاجة)، وفي «مسند السراج» :(فيكون لي حاجة)؛ أي: حاجة الإنسان ويحتمل الأعم منها، (فأكره)؛ بفتح الهمزة؛ أي: لا أحب (أن أجلس)؛ أي: مستقبل النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وذكر في باب (الصلاة على السرير) :(فأكره أن أسنحه)، وفي باب (استقبال الرجل) :(فأكره أن استقبله)، والمقصود من ذلك كله واحد، لكن باختلاف
(1)
المقامات اختلفت العبارات، قاله الشَّارح، (فأؤذي)؛ بلفظ المتكلم من المضارع، وفاعله: الضمير فيه، وهو معطوف على (أجلس)، وقوله:(النَّبيَّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ بالنصب مفعول (أؤذي)، وعند النسائي من طريق شعبة، عن منصور، عن الأسود، عن عائشة في هذا الحديث:(فأكره أن أقوم فأمر بين يديه)، قلت: وعلى هذا فالمراد بالإيذاء في حديث الباب: هو المرور بين يديه، وذلك لأنَّه عليه السلام في مقام المناجاة لربه تعالى، فربما بمرورها يحصل له قطع ذلك، وسيأتي بقية الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
(فأنسلُّ)؛ بالرفع عطفًا على (فأكره) لا على (أجلس) ولا (فأؤذي)؛ لفساد المعنى؛ فتأمل، قاله العجلوني.
قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه يجوز عطفه على (فأؤذي) وعليه فالمعنى به صحيح؛ لأنَّ وجه انسلالها عدم إيذائه عليه السلام، وكذا يجوز عطفه على (أجلس) والمعنى به صحيح؛ لأنَّ علة انسلالها هو عدم جلوسها؛ لعدم إيذائها النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، لكن فيه تكلف، وإلى هذا أشار العجلوني بالتأمل.
فالحاصل: أن (فأنسل) يجوز فيه الرفع والنصب؛ ومعناه: أي: أمضي بتأنٍّ وتدريج وخفية ورفق، وفي رواية الطَّحاوي وكذا المؤلف:(فأنسل انسلالًا)(من عند رجليه)؛ بالتثنية؛ أي: من جهتهما، فإذا كانت المرأة لا تقطع الصلاة مع أن النفوس تشتغل بها أكثر، فغيرها من الكلب والحمار بالطريق الأولى، وروى الشيخان عن عروة عن عائشة قالت:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة)، وفي رواية:(وأنا حذءاه)، وفي أخرى:(وأنا حائض)، ولا يخفى أن اعتراض المرأة خصوصًا الحائض بين المصلي وبين القبلة لا يقطع الصلاة؛ فغيرها من الحمار والكلب بالأولى.
وزعم ابن حجر أن التشويش بالمرأة وهي قاعدة يحصل منه ما لا يحصل بها وهي راقدة من جهة الحركة والسكون، انتهى.
قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ المرأة سواء كانت قاعدة أو راقدة لا تشوش على المصلي، وليس بين القاعدة والراقدة فرق أصلًا، فإنَّه كما تتحرك القاعدة كذلك تتحرك الراقدة، فإن النائم لا ينام على جنب واحد طول نومه، بل ينقلب يمينًا وشمالًا، ويدل على [ما] قلناه أن عائشة قالت:(فأكره أن أجلس فأؤذي)، إنَّما كَرِهَت الجلوس؛ لأنَّه بجلوسها تستقبل وجهه عليه السلام، كما دلت عليه رواية باب (استقبال الرجل)، فإنَّها صرحت هناك بقولها:(فأكره أن أستقبله)، ومعلوم أن الاستقبال منهي عنه في حديث ما؛ فافهم.
ثم زعم ابن حجر أن الظَّاهر: أن عائشة إنَّما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة في جميع الحالات لا المرور بخصوصه، انتهى.
قلت: الظَّاهر من حال عائشة: أنها أنكرت مساواة المرأة للحمار والكلب، وأنكرت حكم قطع
(1)
في الأصل: (اختلاف)، ولعل المثبت هو الصواب.