الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ففي الحديث: دليل على جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد، وقد سبق، وفيه: دليل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، ألا ترى إلى قولها:(وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله)، فإنه دليل على ذلك؛ لأنَّ الاعتكاف وإن كان الوضوء ليس من شرطه إلا أن عادة النبيِّ عليه السلام خصوصًا حال الاعتكاف الدوام على الوضوء لا سيما والمسجد محل الصَّلاة، وفيه: دليل على جواز استخدام الزوجات، وفيه: طهارة عرق الحائض، وفيه: أن إخراج الرأس في المسجد لا يبطل الاعتكاف، وفيه: دليل على جواز مباشرة الحائض: وهي الملامسة من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد ترد المباشرة بمعنى: الجماع، والمراد بها هنا: المعنى الأول بالإجماع.
واعلم أن مباشرة الحائض على أقسام:
أحدها: حرام بالإجماع ولو اعتقد حله؛ يكفر، وهو أن يباشرها في الفرج عامدًا، فإن فعله غير مستحل؛ يستغفر الله ولا يعود إليه، وهل تجب عليه الكفارة أو لا فيه خلاف؛ فذهب جماعة إلى وجوب الكفارة؛ منهم: قتادة، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم، وقال أكثر العلماء: لا شيء عليه سوى الاستغفار، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، وبه قال مالك، وربيعة، وداود، ويحيى بن سَعِيْد، والشافعي في الجديد، فلو فعله غير معتقد حله بأن كان ناسيًا، أو جاهلًا بوجود الحيض، أو جاهلًا بتحريمه، أو مكرهًا؛ فلا إثم عليه ولا كفارة، وعليه التوبة والاستغفار، وإن كان عالمًا بالحرمة، وبالحيض عامدًا مختارًا؛ فقد ارتكب المعصية؛ لأنَّها كبيرة، فيجب عليه التوبة والاستغفار، ويعزر بما يليق به، ولا كفارة عليه عند الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، واختلف الشافعي في وجوبها، والأصح: عدمها، وقيل: إنها عتق رقبة، وقيل: دينار ونصف دينار، وقيل: دينار أول الدم، ونصفه آخره، وقيل: دينار زمن الدم، ونصفه بعد انقطاعه.
قلت: واختار هذا التفصيل المتأخرون من الأئمَّة الحنفية على وجه الاستحباب لا الوجوب، وقدمناه مفصلًا.
فإن قلت: روى أبو داود عن ابن عباس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال:«يتصدق بدينار، أو بنصف دينار» ، ورواه بقية الأربعة.
قلت: رواه البيهقي وأعله بأشياء؛ منها: أن جماعة روَوه عن شعبة موقوفًا على ابن عباس، وأن شعبة رجع عن رفعه، ومنها: أنه روي مرسلًا، ومنها: أنه روي معضلًا، وهو رواية الأوزاعي عن يزيد بن أبي مالك، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:«أمرت أن يتصدق بخُمسي دينار» ، والمعضل نوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلًا، وقوم يسمونه: مرسلًا، ومنها: أن في متنه اضطرابًا؛ لأنَّه روي: (بدينار أو نصف دينار) على الشك، وروي:(يتصدق بدينار، فإن لم يجد؛ فبنصف دينار)، وروي:(يتصدق بنصف دينار)، وروي:(إن كان دمًا أحمر؛ فدينار، وإن كان أصفر؛ فنصف دينار)، وروي:(إن كان الدم عبيطًا؛ فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة؛ فنصف دينار)، قال صاحب «عمدة القاري» : هذا الحديث صححه الحاكم، وابن القطان، وذكر الخلَّال عن أبي داود: أن أحمد قال: ما أحسنَ حديث عبد الحميد! وهو أحد رواة هذا الحديث، وهو من رجال «الصحيح» ، وهو عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي الهاشمي العدوي، عامل محمَّد بن عبد العزيز على الكوفة، رأى عبد الله بن عباس وسأله، وروى عن حفصة زوج النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم إن شعبة إن كان رجع عن رفعه؛ فإن غيره رواه مرفوعًا، وهو عمرو بن قَيْس الملائي، وهو ثقة ومن طريقه أخرجه النسائي، وكذا رواه قتادة مرفوعًا، فأسقطا في روايتهما عبد الحميد، ومقتضى القواعد: أن رواية الرفع أشبه بالصواب؛ لأنَّه زيادة ثقة، أما ما روي فيه من (خمسي دينار)، أو (عتق نسمة)، وغير ذلك؛ فما منها شيء يعول عليه، والذين ذهبوا إلى عدم وجوب الصدقة أجابوا: أن قوله عليه السلام: «يتصدق» محمولًا على الاستحباب، إن شاء يتصدق، وإلا؛ فلا، وعن الحسن أنه قال: عليه ما على من واقع أهله في رمضان.
والنوع الثاني: من المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر، وبالقبلة، وبالمعانقة، أو اللمس، أو غير ذلك؛ فهذا حلال بالإجماع، إلا ما حكي عن عبيدة السَّلماني وغيره: من أنه لا يباشر شيئًا منها، وهو شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة المذكورة في «الصحيحين» وغيرهما من مباشرة النبيِّ عليه السلام فوق الإزار.
والنوع الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فعند الإمام الأعظم: حرام، وهو رواية عن إمام أبي يوسف، وهو قول مالك، وابن المسيب، وشريح، وطاووس، وعطاء، وابن يسار، وقتادة، وهو القول الأصح للشافعي، وعند الإمام محمَّد بن الحسن: يجتنب شعار الدم، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وهو قول علي، وابن عباس، وأبي طلحة، والأوزاعي، وأبي ثور، والثوري، والشعبي، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المُنْذِر، وداود، وأصبغ؛ لحديث أنس رضي الله عنه عند مسلم:«اصنعوا كل شيء إلا النكاح» ، واقتصار النبيِّ عليه السلام في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على الاستحباب، وذكر القرطبي عن مُجَاهِد: كانوا في الجاهلية يتجنبون النساء في الحيض، ويأتون النساء في أدبارهن في حدثه، والنصارى كانوا يجامعوهن
(1)
في فروجهن، والمجوس يبالغون في هجرانهن وبتنجيسهن، ويعتزلوهن بعد انقطاع الدم وارتفاعه سبعة أيام، ويزعمون أن ذلك في كتابهم، انتهى.
قلت: فأبطل الله تعالى كل ذلك بآية: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ
…
}؛ الآية كما قدمناها؛ فافهم.
[حديث عائشة: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا فأراد
رسول الله أن]
302 -
وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا) ولأبي ذر: (أخبرنا)(إسماعيل بن خليل)؛ بدون الألف واللام في رواية أبي ذر وكريمة، وفي رواية الأصيلي، وابن عساكر:(الخليل)؛ بالألف واللام.
فإن قلت: هو علم، فلا يدخله أدوات التعريف؟
قلت: إذا قصد به لمح الصفة؛ يجوز كما في العباس، والحارث، ونحوها.
وهو أبو عبد الله الكوفي الخزاز -بالخاء المعجمة، والزايين المعجمتين؛ أولاهما مشددة- قال البخاري:(جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين ومئتين)(قال: أخبرنا علي بن مُسْهِر)؛ بضمِّ الميم، وسكون السين المهملة، وكسر الهاء، وبالراء؛ هو أبو الحسن القرشي الكوفي، المتوفى سنة تسع وثمانين ومئة (قال: أخبرنا أبو إسحاق) : هو سليمان بن فيروز التابعي، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئة (هو الشيباني) : أشار المؤلف إلى أنه تعريفًا له من تلقاء نفسه،
(1)
في الأصل: (يجامعهن)، ولعل المثبت هو الصواب.
وليس من كلام شيخه، كذا في «عمدة القاري» ، (عن عبد الرحمن بن الأسود) : هو ابن يزيد النخعي، من كبار التابعين، المتوفى سنة تسع وتسعين، (عن أبيه) : هو الأسود بن يزيد المذكور، (عن عائشة) : الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما (قالت: كانت إحدانا)؛ أي: إحدى زوجات النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وفي رواية:(كان إحدانا)؛ بدون التاء، وحكى سيبويه في «كتابه» : (أن بعض العرب تقول: قال
(1)
امرأة) انتهى، (إذا كانت حائضًا)؛ أي: متلبسة بالحيض (فأراد رسول الله) : وللأصيلي: (النبي) الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يباشرها) : من المباشرة التي هي أن يمس الجلد الجلد، وليس المراد به الجماع، بالإجماع كما قدمناه، فإذا أراد مباشرتها؛ (أمرها أن تتَّزر)؛ بتشديد الفوقية، وللكشميهني:(أن تأْتزر)؛ بهمزة ساكنة بدون إدغام، وهي اللغة الفصحى كما قدمناه، وفي «المصابيح» :(أنه القياس)(في فَوْرِ)؛ بفتح الفاء، وسكون الواو، آخره راء (حَيضتها)؛ بفتح الحاء المهملة لا غير، وأرادت به معظم حيضها، ووقت كثرتها، وقال الجوهري:(فورة الحر؛ شدته، وفار القدر فورًا؛ إذا جاشت)، كذا في «عمدة القاري» ، ووقع في رواية أبي داود:(فوح)؛ بالحاء المهملة، (ثم يباشرها)؛ أي: بملامسة بشرته لبشرتها، (قالت) أي: عائشة: (وأيكم يملك إِرْبه؟)؛ بكسر الهمزة، وسكون الراء، بعدها موحدة، قيل: هو عضوه التي يستمتع به، وقيل: حاجته، وفي كتاب «المنتهى» :(فيه لغات: إرب، وإربة، وأرب، ومأرَبة، ومأرُبة)، وعن ابن سَلَمَة:(ولكنه أملككم لإربه)، قال الأصمعي:(هي الحاجة؛ أي: أضبطكم لشهوته)، وقال ابن الأعرابي: أي: لحزمه، وضبط نفسه، وقد أرب يأرب أربًا؛ إذا احتاج، يقال: إن فلانًا لأرب بفلانة؛ إذا كان همَّ بها، ويشهد لقول ابن الأعرابي ما جاء في بعض الروايات:(أملككم لنفسه)، وفي «المحكم» و «الجامع» :(والمأرب وهي الآراب والإرَب)، وقال الخطابي:(وأكثر الرواة يقولون: لإربه، والإرب: العضو، وإنما هو الأرَب -مفتوحة الراء-؛ وهي الوطء وحاجة النفس، وقد تكون الإرب الحاجة أيضًا، والأول أبين)، وكذا حكى صاحب «الواعي» ، وأما ابن سيده، وابن عديس في «الكتاب الباهر»؛ فقالا:(الإِرَب؛ بكسر الهمزة: جمع إربة؛ وهي الحاجة)، وقال أبو جعفر النحاس:(أخطأ من رواه بكسر الهمزة)، قال:(وإنما هي بفتحها)، وفي «مجمع الغرائب» لعبد الغافر:(هو في الكلام معروف الإرب والإربة بمعنى: الحاجة، فإن كان الأول محفوظًا -يعني: في حديث عائشة-؛ ففيه ثلاث لغات: الإرب، والأرب، والإربه، والأرب، ويكون بمعنى العضو، فيحتمل أنها أرادت: كان أملككم لعضوه؛ لأنَّها ذكرت التقبيل في الصوم)، وفي «المغيث» لأبي موسى:(أرب في الشيء؛ رغب فيه)، كذا في «عمدة القاري» .
(كما كان النبي) الأعظم صلى الله عليه وسلم يملك إربه) : فهو عليه السلام أملك الناس لإربه، فلا يُخْشَى عليه ما يُخْشَى على غيره ممن يحوم حول الحمى، وكان يباشر فوق الإزار تشريعًا لغيره ممن ليس بمعصوم، وبحديث الباب استدل إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم، وسَعِيد بن المسيب، وشريح، وطاووس، وسليمان بن يسار، وقتادة، والشافعي في الأصح: على تحريم الاستمتاع بما بين سرتها وركبتها في غير القبل والدبر بوطء أو غيره، ولحديث الترمذي محسنًا أنَّه عليه السلام سئل عما يحل من الحائض؟ فقال:«ما وراء الإزار» ، وهو قول مالك، وعطاء، ورواية عن الإمام أبي يوسف، وذهب الإمام محمَّد بن الحسن إلى أن الممنوع هو الوطء دون غيره، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف أيضًا، وهو قول الأوزاعي، والثوري، والنخعي، والشعبي، ومُجَاهِد، وأحمد، وأصبغ، وأبو ثور، وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعي، واختاره النووي، ورجحه الحافظ الطحاوي؛ لحديث مسلم عن أنس: أنه عليه السلام قال: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» ، فجعلوه مخصصًا لحديث الترمذي السابق، وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعًا بين الأدلة.
وعند أبي داود: (أنه عليه السلام كان إذا أراد من الحائض؛ ألقى على فرجها ثوبًا)، وإسناده قوي، وهذه المباشرة إنَّما تجوز له إذا كان يضبط نفسه، ويمنعها من الوقوع في الجماع، وإن كان لا يملك ذلك؛ فلا يجوز له ذلك؛ لأنَّ من رعى حول الحمى؛ يوشك أن يقع فيه، فلا بدَّ للحائض من الاتِّزار في أيام حيضها؛ لأنَّ النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذ والركبتين تحتجز به؛ أي: تمتنع المرأة به؛ أي: بالإزار عن الجماع، وفي رواية:(محتجزة به)؛ أي: حال كون المرأة ممتنعة به عن الجماع، وأصله من حجزه يحجزه حجزًا؛ أي: منعه، من باب (نصر ينصر)، ومنه الحاجز بين الشيئين؛ وهو الحائل بينهما.
والتقييد بقولها: (في فور حيضته) يدل على الفرق بين ابتداء الحيض وما بعده، ويشهد لذلك ما رواه ابن ماجه في «سننه» بإسناد حسن عن أم سَلَمَة: (أنه عليه السلام كان يتقي سورة
(2)
الدم ثلاثًا، ثم يباشرها بعد ذلك، ولا منافاة بينه وبين الأحاديث الدَّالة على المباشرة مطلقًا؛ لأنَّها تجمع على اختلاف الحالين)، كذا في «عمدة القاري» ؛ فافهم.
(تابعه)؛ أي: تابع عليَّ بن مسهر في روايته لهذا الحديث (خالدُ) : هو ابن عبد الله الواسطي، وقد وصلها أبو القاسم التنوخي من طريق وهب بن منبه عنه، (و) تابعه (جرير)؛ بالجيم، هو ابن عبد الحميد في رواية هذا الحديث؛ كلاهما (عن الشيباني) : هو أبو إسحاق السابق، وقد وصل هذه المتابعة أبو داود قال: حدثنا عثمان ابن أبي شيبة قال: حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا في فوح حيضتنا
…
)؛ الحديث، ورواه أيضًا الإسماعيلي، والحاكم في «مستدركه» ، وقولها:(فوح)؛ بالفاء والحاء المهملة: معظمه وأوله، ومثله: فوعة الدم، يقال: فاع وفاح بمعنى واحد، وفوعة الطيب: أول ما يفوح منه، ويروى: بالغين المعجمة، وهو لغة فيه، كذا في «عمدة القاري» .
[حديث ميمونة: كان رسول الله إذا أراد أن يباشر امرأةً من نسائه]
303 -
وبه قال: (حدثنا أبو النعمان) : هو محمَّد بن الفضل السدوسي -بمهملات-، المعروف بعارم (قال: حدثنا عبد الواحد) : هو ابن زياد البصري (قال: حدثنا الشيباني) : هو أبو إسحاق السابق (قال: حدثنا عبد الله بن شداد)؛ بالشين المعجمة، وبالدالين المهملتين، أولاهما مشددة، هو ابن أسامة بن الهادي الليثي (قال: سمعت مَيْمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وسكون التحتية، وضم الميم الثانية، هي بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها (قالت: كان النبي) الأعظم، وفي رواية:(تقول: كان رسول الله) صلى الله عليه وسلم : فالرواية الأولى رواية أبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر، والثانية رواية غيرهم، والجملة محلها نصب على الحال (إذا أراد أن يباشر
(1)
في الأصل: (قالت)، ولعل المثبت هو الصواب.
(2)
في الأصل: (سودة)، ولعل المثبت هو الصواب.