الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من صلاته، ثم بان له أنَّه صلى إلى الغرب؛ استأنف الصلاة، وإن لم يبن له ذلك إلا باجتهاده؛ فلا إعادة عليه).
قلت: والأحاديث المذكورة حجة عليهم.
وزعم الواحدي (أنَّ ابن عمر ذهب إلى أنَّ الآية نازلة في التطوع بالنافلة).
قلت: وصريح الحديث السابق يرده، وقال ابن عباس: لما توفي النجاشي؛ جاء جبريل إلى النبيِّ الأعظم عليهما السلام، فقال: إنَّ النجاشي توفي؛ فصلِّ عليه، فقال الصحابة في أنفسهم: كيف نصلي على رجل مات ولم يصلِّ لقبلتنا؟ وكان النجاشي يصلي إلى بيت المقدس إلى أن مات، فنزلت الآية، وقال قتادة:(هذه الآية منسوخة بقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 150]، وهي رواية ابن عباس)، كذا قاله في «عمدة القاري» .
قلت: والأحاديث التي سبقت صريحة في أنَّ الآية نزلت في أمر القبلة، ويدل عليه أنَّ أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة؛ استداروا في الصلاة إليها؛ فليحفظ.
(وقد سلم النبيُّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم في ركعتي الظهر) وللأصيلي: (في ركعتين من الظهر)(وأقبل على الناس بوجهه)؛ أي: من غير تحويل صدره عن القبلة، بل التفت بعنقه، فإقباله عليهم بالوجه فقط، (ثم أتم ما بقي)؛ أي: من صلاته؛ أي: الركعتين الأخيرتين.
ومطابقة هذا التعليق للترجمة من حيث عدم وجوب الإعادة على من صلى ساهيًا إلى غير القبلة، وهو ظاهر؛ لأنَّه عليه السلام في حال إقباله على الناس داخل في حكم الصلاة، وأنَّه في ذلك الزمان ساهٍ مصلٍّ إلى غير القبلة، وهذا التعليق قطعة من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، كذا قاله إمام الشَّارحين.
وزعم ابن بطال وابن التين إلى أنَّ هذا التعليق طرف من حديث ابن مسعود الذي سلف.
ورده الشَّارح فقال: (وهذا وهم منهما؛ لأنَّ حديث ابن مسعود ليس في شيء من طرقه أنَّه سلم من ركعتين)؛ فافهم.
قلت: فلله در هذا الشَّارح! وحقيق بأن يسمى إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.
[حديث عمر: وافقت ربي في ثلاث]
402 -
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عَمْرو)؛ بفتح العين المهملة وسكون الميم (بن عون)؛ بالنون، هو أبو عثمان الواسطي البزاز -بالزاي المكررة- نزيل البصرة، المتوفى سنة خمس وعشرين ومئتين (قال: حدثنا هُشَيْم)؛ بضم الهاء، وفتح المعجمة، وسكون التحتية، هو ابن بَشير -بفتح الموحدة- الواسطي، (عن حُميد)؛ بضم الحاء المهملة، هو الطويل البصري، (عن أنس) زاد الأصيلي:(ابن مالك)؛ هو الأنصاري، خادم النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم (قال: قال عمر) هو ابن الخطاب، القرشي، العدوي، ثاني خلفاء سيد المرسلين رضي الله عنه:(وافقت ربي) من الموافقة، من باب المفاعلة الذي يدل على مشاركة اثنين في فعل ينسب إلى أحدهما متعلقًا بالآخر
(1)
، والمعنى في الأصل: وافقني ربي، فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، ولكنَّه راعى الأدب، فأسند الموافقة إلى نفسه لا إلى الرب، كذا قاله إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر وغيره.
واعترضه صاحب «اللامع» فقال: (لا يحتاج إلى ذلك، فإن من وافقك؛ فقد وافقته) انتهى.
قلت: بل يحتاج إلى ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أفعاله وأحكامه تأتي على وفق إرادته، فقد يريد العبد شيئًا ولا يريد الرب ذلك الشيء؛ يعني: أنه تعالى أراد هذه الأحكام، وإرادته مرضية محبوبة لإرادتي؛ حيث تقع على وفق الحكمة، وإنما يحتاج إليه أيضًا حتى لا ينسب إلى سوء الأدب مع الرب عز وجل، وإن كان باب المفاعلة يدل على المشاركة؛ فإنَّها قاعدة اصطلاحية نحوية كما أنَّ الخبر يحتمل الصدق والكذب ولو كان في كلامه تعالى، وذلك من حيث الاصطلاح، وإلا؛ فكلامه تعالى منزَّه عن الكذب، بل هو صدق؛ فافهم.
(في ثلاث)؛ أي: ثلاثة أمور، وإنَّما لم يؤنث الثلاث مع أنَّ الأمر مذكر؛ لأنَّ المميز إذا لم يكن مذكورًا؛ جاز في لفظ العدد التذكير والتأنيث.
فإن قلت: حصلت الموافقة له في أشياء غير هذه الثلاثة؛ منها: في أسارى بدر؛ حيث كان رأيه ألا يفدون، فنزل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ
(2)
لَهُ أَسْرَى} [الأنفال: 67]، ومنها: في منع الصلاة على المنافقين، فنزل:{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84]، ومنها: في تحريم الخمر، ومنها: ما رواه أبو داود الطيالسي، من حديث حماد بن سلمة، عن أنس قال عمر: وافقت ربي في أربع، وذكر ما في البخاري قال: ونزلت: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ} إلى قوله: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 12 - 14]، فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت كذلك، ومنها: في شأن عائشة لما قال أهل الإفك ما قالوا، فقال: يا رسول الله؛ من زوجكها؟ فقال: «الله تعالى» ، قال: أفننظر أن ربك دلس عليك فيها؟ سبحانك! هذا بهتان عظيم، فأنزل الله ذلك، وذكر ابن العربي:(أن الموافقة في أحد عشر موضعًا).
قلت: يشهد لذلك ما رواه الترمذي مصححًا، من حديث ابن عمر قال: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر، وهذا يدل على كثرة موافقته، فإذا كان كذلك؛ فكيف نص على الثلاث في العدد؟
قلت: التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد عنه، ويحتمل أنَّه ذكر ذلك قبل أن يوافق في أربع وما زاد، وهذا الاحتمال فيه نظر؛ لأنَّ عمر أخبر بهذا بعد موت النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، فلا يتجه ما ذكر، ويحتمل أنَّ الراوي اعتنى بذكر الثلاث دون ما سواها؛ لغرض له، كذا قاله إمام الشَّارحين.
قلت: ويحتمل أنَّ الراوي حضر هذه الموافقة في هذه الثلاث، فعبر عما سمعه وقتئذٍ، ثمَّ وقت آخر حضر موافقة أخرى، فعبر عنها، والله تعالى أعلم.
ولموافقات عمر
(1)
في الأصل: (بالآخرة)، وليس بصحيح.
(2)
في الأصل: (تكون)، والمثبت موافق للتلاوة.
تأليف خاص وصل فيه إلى أكثر من مئة، والله تعالى أعلم.
(قلت:) وللأربعة: (فقلت)(يا رسول الله؛ لو اتخذنا من مقام إبراهيم) هو خليل الرحمن عليه السلام؛ (مصلى)؛ أي: قبلة، قاله الحسن، وذلك بأن جعل المصلى بينه وبين القبلة.
قال إمام الشَّارحين: وجواب (لو) محذوف، ويجوز أن تكون (لو)؛ للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، واختلفوا فيه، فقال ابني الصائغ وهشام: هي قسم برأسها لا تحتاج إلى جواب؛ كجواب الشرط، ولكن قد يؤتى لها بجواب منصوب؛ كجواب (ليت)، وقال ابن مالك: هي (لو) المصدرية أغنت عن فعل التمني، انتهى.
وزعم ابن حجر: أنها (لو) الشرطية أشربت معنى: التمني.
قلت: هذا قول ملفق من قولين جعله واحدًا، ونسبه لنفسه، وهو غير ظاهر؛ فافهم.
(فنزلت: {وَاتَّخِذُوا})؛ فيه قراءتان، أحدهما: وهي المشهورة بلفظ الأمر؛ يعني: وقلنا لهم: اتخذوا، والثانية: بلفظ الماضي؛ عطفًا على: {جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخَذُوا} ، ({مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}) [البقرة: 125] : تصلون فيه ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات، كما روي عن مقاتل وقتادة والسدي: أنَّ قوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا
…
}؛ الآية: أمر بالصلاة عند المقام.
وأراد عمر بقوله: لو اتخذنا؛ يعني: أفلا نؤثره؛ لفضله بالصلاة فيه؛ تبركًا وتيمُّنًا بموطئ قدم إبراهيم عليه السلام؟ فالخطاب بالاتخاذ إنَّما هو لأمة نبينا النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم لا لأمة إبراهيم عليه السلام.
والأمر بتعيين المقام للصلاة للاستحباب؛ لانعقاد الإجماع على أنَّ أماكن المسجد الحرام لا تفاوت بينها في حق ركعتي الطواف ولا في غيرهما من الصلوات، فعلم بذلك أن أهل الإجماع حملوا الأمر بتعيُّن المقام للصلاة على الاستحباب، وهو لا ينافي كون ركعتي الطواف واجبة، كما هو مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه؛ فافهم.
والمَقام؛ بفتح الميم، ويجوز أن يكون مصدرًا ميميًّا من قام يقوم، وأن يكون اسمًا لموضع القيام، وهو الموضع الذي يضع عليه الإنسان قدميه حيث يقوم.
والمُقام؛ بضم الميم، موضع الإقامة، ونفس الإقامة أيضًا، والتعريف المستفاد من إضافة المقام إلى إبراهيم للعهد، والمعهود موضعه الذي وضع قدميه حين دعا الناس إلى الحج، أو حين رفع بناء البيت، وذلك الموضع هو الحجر الذي فيه أثر قدميه؛ لأنَّه عليه السلام قام عليه حقيقة في ذينك الوقتين، ويطلق لفظ: المقام أيضًا على الموضع الذي كان الحجر فيه حين قام عليه ودعا أو رفع البناء؛ لأنَّ ذلك الموضع وإن كان موضعًا للحجر حقيقة وبالذات؛ فهو موضع لإبراهيم؛ توسعًا وبالواسطة، والمقام المذكور في قول النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم:«الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما» ، وفي قول أنس بن مالك: رأيت المقام فيه أصابعه وأخمص قدميه والعقب غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم، فالمراد به: نفس الحجر الذي قام عليه؛ فافهم.
وروى البغوي: (أن إبراهيم عليه السلام استأذن سارة أن يزور إسماعيل عليه السلام، فأذنت له، وشرطت عليه ألا ينزل، فقدم مكة حتى جاء إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: ذهب يتصيد، ويجيء الآن إن شاء الله، فانزل؛ يرحمك الله، قال: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم، فجاءت باللبن واللحم، وسألها عن عيشتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، فدعا لهما بالبركة، ولو جاءت يومئذٍ بخبز أو برٍّ أو شعير أو تمر؛ لكان أكثر أراضي الله برًّا وشعيرًا وتمرًا، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بالمقام، فوضعته عن شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه، فغسلت شق رأسه الأيمن، ثم حولته إلى شقه الأيسر، فغسلت شق رأسه الأيسر، فبقي أثر قدميه عليه، فقال لها: إذا جاء زوجك؛ فأقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة بابك، فلمَّا جاء إسماعيل؛ وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم؛ شيخ أحسن الناس وجهًا وأطيبهم ريحًا، فقال: كذا وكذا، فقلت له: كذا وكذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدميه، فقال: ذلك إبراهيم عليه السلام، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ثم لبث ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نباله تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه؛ قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل؛ إن الله أمرني بأمر تعينني عليه؟ قال: أعينك، قال: إنَّ الله أمرني أن أبني هنا بيتًا، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء؛ جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام إبراهيم على حجر المقام وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة) انتهى، والله أعلم.
وتوجيه القراءتين في {وَاتَّخِذُوا} : أن يقال: {وَاتَّخَذُوا} بلفظ الماضي، فمقام إبراهيم: البيت الذي بناه، وهو الكعبة، والمصلى: القبلة؛ لأنَّ الناس سواء حمل على العموم أو خص بالذاكرين لا يصح أن يخبر عنهم بأنَّهم اتخذوا الحجر المعهود أو موضعه صلاة أو دعاء؛ بمعنى: أنَّهم يصلون فيه أو يدعون؛ لأنَّ اتخاذه كذلك إنَّما هو من أحكام شريعتنا ليس شريعة قديمة مثل كون البيت مثابة، فلا جرم أنَّ معنى (المصلى) : الموضع الذي يصلى إليه، فإنَّ موضع الصلاة أعم من الموضع الذي يصلى فيه، ومن الموضع الذي يصلى إليه، واستلزم ذلك أن يقال: مقام إبراهيم: هو الكعبة؛ لأنَّ المتوجه إليه في الصلاة إنَّما هو الكعبة بعينها، وسميت بمقام إبراهيم؛ لاهتمامه بها؛ من حيث إنه بناها بنفسه بمعاونة ابنه إسماعيل.
وأمَّا إذا قرئ بلفظ الأمر؛ فيصح أن يجعل (المصلى)؛ بمعنى: ما يصلى فيه، وأن يجعل (المقام)؛ بمعنى: موضع القدمين؛ إذ لا مانع من أن يؤمر جميع الناس بأن يصلوا فيه، وإن لم يصحَّ أن يخبر عنهم بأنَّهم صلوا فيه، ويكون لفظ:(مقام إبراهيم) على قراءة الماضي موضوعًا موضع ضمير البيت؛ للإشارة إلى أنَّ
علة اتخاذهم إياه قبلة إضافتُه إلى إبراهيم عليه السلام؛ من حيث إنَّه بناه بأمر الله تعالى، وروى ابن عباس أنَّه عليه السلام قال:«إنَّ لله في كل يوم وليلة مئة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت؛ ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين» انتهى «حواشي شيخ زاده» .
(وآية الحجاب)؛ كلام إضافي يجوز فيه: الرفع والنصب والجر، أمَّا الرفع؛ فيحتمل وجهين؛ أحدهما: بالابتداء محذوف الخبر، تقديره: وآية الحجاب كذلك، والآخر: أن يكون معطوفًا على مقدر، تقديره: هو اتخاذ المصلى وآية الحجاب، وأمَّا النصب؛ فعلى الاختصاص، وأمَّا الجر؛ فعلى أنه معطوف على مجرور مقدر، وهو بدل من (ثلاث)، تقديره: في ثلاث: اتخاذ المصلى وآية الحجاب، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(قلت: يا رسول الله) أي: قال عمر لرسول الله: (لو أمرت نساءك أن يحتجبن)؛ أي: يتسترن عن غير أزواجهن من الأجانب؛ (فإنَّه يكلِّمهنَّ) الفاء؛ للسببية (البَر)؛ بفتح الموحدة، صفة مشبهة، من بررت أبر، من باب علم يعلم، فأنا برٌّ وبارٌّ، ويجمع (البرُّ) على (أبرار)، و (البارُّ) على (البررة)؛ وهو ما قابل الفاجر، (والفاجر)؛ من الفجور، يقال: فجر فجورًا: فسق، وفجر: كذب، وأصله الميل، فالفاجر: المائل عن الحق.
(فنزلت آية الحجاب) هي: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ} [الأحزاب: 59]، قال قتادة: (توفي النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم عن تسع؛ خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وثلاث من سائر العرب: ميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية
(1)
، وواحدة من بني هارون: صفية، وأمَّا أولاده؛ فالقاسم، وعبد الله، والطاهر، والطيب، وفاطمة، وزينب، ورقية، وأم كلثوم؛ كلهم من خديجة، وإبراهيم من مارية القبطية، وجميع أولاده عليه السلام ماتوا في حياته غير فاطمة، وكانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهنَّ، فأحب عمر أن يأمر الله ورسوله بإرخاء الجلابيب عليهنَّ إذا أردنالخروج إلى حوائجهنَّ، وكن يتبرزن في الصحراء قبل أن تتخذ الكنف، فيقع الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن، فيكف عن معارضتهن من كان عزبًا شابًّا، وكانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول هذه الآية تبرز للحاجة، فتعرض لها بعض الفساق يظن أنها أمة، فتصيح به، فيذهب، فشكوا ذلك للنبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية المذكورة)، والجلابيب: جمع جُلباب؛ بضم الجيم، وهو ثوب أكبر من الخمار، وروي عن ابني عباس ومسعود: أنَّه الرداء، وقيل: إنَّه القناع، والصحيح: أنَّه الثوب الذي يستر جميع البدن، وفي «الصحيحين» عن أم عطية قلت: يا رسول الله؛ إحدانا لا يكون لها جلباب، قال:«لتلبسها صاحبتها من جلبابها» ، وفيهما عنه عليه السلام أنه قال:«رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة» ، وثبت عنه أنَّه قال:«نساء كاسيات، عاريات، مائلات، مميلات، رؤوسهن مثل أسنمة البخت، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها» ، وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمَة قد تقنعت ضربها بالدرة؛ محافظة على زيِّ الحرائر، فانظر هذا الزمان الذي كثر فيه الفساد، وأبيحت الخمور، والولد متلف، والبيت مدلف، والرأي مخلف، والعبد مسرف، والقلب خراب، والخطأ صواب، والزنى فاش، والرياء ماش، والإمام داش، والقاضي راش، والصوفي عكر، والصافي كدر، والملك لاه، والوزير ساه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فيجب على كل راع أن يمنع النساء من الخروج والركوب على السروج؛ فافهم، والله أعلم.
(واجتمع نساء النبيِّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ أي: الذين دخل بهن، والذين عقد عليهن ولم يدخل بهن، والذين خطبهن ولم يتم نكاحه معهن، ومجموعهن نيف وثلاثون، كما بسطه القرطبي في «تفسيره» .
(في الغيرة عليه)؛ بفتح الغين المعجمة، وهي الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور وامرأة غيور؛ بلا هاء؛ لأنَّ فعولًا يشترك فيه الذكر والأنثى، يقال: غرت على أهلي أغار غيرة، فأنا غائر وغيور؛ للمبالغة، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(فقلت) أي: قال عمر (لهن: عسى ربه إن طلقكن)؛ يعني: لتنتهن عن ذلك، وإلا؛ فعسى ربه إن طلقكن (أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنَّ).
فإن قلت: المبدلات خير
(2)
منهن، ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين.
قلت: إذا طلقهن عليه السلام؛ لعصيانهن له، وإيذائهن إياه؛ لم يبقين على تلك الصفة، وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة له عليه السلام، والنزول على رضاه وهواه خيرًا منهن، ولهذا قال تعالى:{مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: 5]، وإنَّما أخليتْ هذه الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار؛ لأنَّهما صفتان متنافيتان لا يجمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات، فلم يكن بدٌّ من الواو، قاله الإمام جار الله في «كشافه» .
وقال الإمام حافظ الدين النسفي: (الآية واردة في الإخبار عن المقدرة لا عن الكون في الوقت؛ لأنَّه عز وجل قال: {إِن طَلَّقَكُنَّ} ، وقد علم أنَّه لا يطلقهن، وهذا كقوله: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ
…
}؛ الآية [محمد: 38]، فهذا إخبار عن القدرة، وتخويف لهن لا أن في الوجود من هو خير من أمَّة محمد النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم انتهى.
(فنزلت هذه الآية)؛ أي: المذكورة، قال إمام الشَّارحين: ومطابقة هذا الحديث للترجمة في الجزء الأول، وهو قوله:(لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى)، والمراد بـ (المقام) : الكعبة على قول، وهي قبلة، والباب في ما جاء في القبلة، وعلى قول من فسر المقام بالحرم؛ فالحرم كله قبلة في حق الآفاقيين، والباب في أمور القبلة، وأمَّا على قول من فسر المقام بالحجر الذي وقف عليه إبراهيم؛ فتكون المطابقة للترجمة بتعلقه
(1)
في الأصل: (وجويرة)، وليس بصحيح.
(2)
في الأصل: (خيرًا)، ولعل المثبت هو الصواب.
بالمتعلق بالقبلة لا بنفس القبلة، انتهى.
ثم قال رضي الله عنه: (ويستنبط من الحديث أحكام، وهي على ثلاثة أنواع، كما صرح بها الحديث:
الأول: سؤال عمر رضي الله عنه من رسول الله عليه السلام أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلًّى.
وزعم الخطابي أنَّ عمر سأل أن يجعل ذلك الحجر الذي فيه أثر مقامه مصلًّى بين يدي القبلة يقوم الإمام عنده، فنزلت الآية.
وزعم ابن الجوزي فإن قلت: ما السر في أنَّ عمر لم يقنع بما في شرعنا حتى طلب الاستنان بملة إبراهيم، وقد نهاه النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا حين أتى بأشياء من التوراة؟
والجواب: أنَّ عمر لما سمع قوله تعالى في إبراهيم: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124]، ثم سمع:{أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل: 123]؛ علم أن الائتمام به مشروع في شرعنا دون غيره، ثم رأى أن البيت مضاف إليه، وأنَّ أثر قدمه في المقام كرقم اسم الباني في البناء؛ ليُذكر به بعد موته، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه) انتهى.
قال إمام الشَّارحين: (ولم تزل آثار قدمي إبراهيم عليه السلام ظاهرة فيه معروفًا عند العرب في جاهليتها، ولهذا قال أبو طالب في «قصيدته اللامية» المعروفة:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة
…
على قدميه حافيًا غير ناعل
وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا، كما قال عبد الله بن وهب: أخبرني يونس، عن الزهري: أن أنس بن مالك حدثهم قال: رأيت المقام فيه أصابعه عليه السلام أخمص قدميه غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم، وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ: حدثنا يزيد بن زريع: حدثنا سعيد عن قتادة: {وَاتَّخِذُوا
…
}؛ الآية [البقرة: 125]، قال: إنَّما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأُمَّة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها، فما زالت هذه الأمَّة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى) انتهى.
(النوع الثاني: الحجاب، فكان عليه السلام جاريًا فيه على عادة العرب، ولم يكن يخفى عليه عليه السلام أنَّ حجبهن خير من غيره، لكنَّه كان ينظر الوحي؛ بدليل أنَّه لم يوافق عمر حين أشار بذلك)، قاله القرطبي.
قلت: وحديث الباب يردُّ عليه؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه لما سأل رسول الله عليه السلام أن يحجب نساءه؛ لم يحصل بينهما عدم موافقة ولا إشارة بالعدم، بل عقب سؤال عمر نزل الحجاب؛ بدليل عليه قوله:(فنزلت آية الحجاب)، فأتى بالفاء التعقيبية؛ إشارة إلى عدم وقوع المهلة بينهما، بل عقب السؤال نزل الحجاب، ويدل عليه أيضًا ما رواه أبو داود الطيالسي: عن أنس قال: قال عمر: (وافقت ربي في أربعة
…
)؛ الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله؛ لو ضربت على نسائك الحجاب؛ فإنَّه يدخل عليهن البرُّ والفاجر، فأنزل الله عز وجل:{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53]»، وهذا يدل على أنَّه لم يقع بينهما إشارة بعدم الموافقة، بل كان عليه السلام يحب في نفسه نزول الحجاب، ولم يأمر به ولم ينه عنه حتى نزلت الآية؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: (وكان الحجاب في السنة الخامسة، قاله قتادة، وقيل: في السنة الثالثة، وهو قول أبي
(1)
عبيدة يعمر بن المثنى، وعند ابن سعد: أنَّه في ذي القعدة سنة أربع، وكان السبب في ذلك أنه لما تزوج زينب بنت جحش؛ أولم عليها، فأكل جماعة، وهي مولية بوجهها إلى الحائط ولم يخرجوا، فخرج رسول الله عليه السلام ولم يخرجوا، وعاد ولم يخرجوا، فنزلت آية الحجاب) انتهى.
قلت: وعلى هذا؛ فيكون نزول الحجاب سنة خمس؛ لما رواه الدارقطني: أنَّه عليه السلام تزوج زينب بالمدينة في سنة خمس من الهجرة، وتوفيت سنة عشرين، وهي بنت ثلاث وخمسين، ذكره القرطبي، وقال القاضي عياض:(أمَّا الحجاب الذي خص به زوجات النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا لغيرها، ولا إظهار شخصهن، كما فعلت حفصة يوم مات أبوها، ستر شخصها حين خرجت، وبنيت عليها قبة لما توفيت، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ}) انتهى.
قلت: وهذه الآية عامة شاملة لجميع النساء، فالله سبحانه أمر الجميع
(2)
بالتستر، وأنَّ ذلك لا يكون إلا بما لا يصف
(3)
جلدها إلا إذا كانت مع زوجها؛ فيجب الستر والتقنع في حق الجميع من الحرائر والإماء، وهذا كما أن أصحاب رسول الله عليه السلام منعوا النساء المساجد بعد وفاته عليه السلام مع قوله:«لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» ، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: لو عاش رسول الله عليه السلام إلى وقتنا هذا؛ لمنعهنَّ من الخروج إلى المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل.
قلت: فيجب في زماننا المنع مطلقًا، سواء كان خروجهن للمساجد أو لغيرها؛ لفساد الزمان؛ فافهم.
النوع الثالث: اجتماع نساء النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، وهو ما ذكره البخاري في تفسير سورة البقرة، حدثنا مسدد، عن يحيى، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله؛ يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم بعض نسائه، فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرًا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه؛ فقالت: يا عمر؛ أمَا في رسول الله عليه السلام ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: {عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ
…
}؛ الآية [التحريم: 5]، وأخرج في سورة التحريم: حدثنا عمرو بن عون: حدثنا هشيم عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: اجتمع نساء النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكنَّ أن
(1)
في الأصل: (أبو)، وليس بصحيح.
(2)
في الأصل: (حميع)، والمثبت هو الصواب.
(3)
في الأصل: (لا يوصف)، ولعل المثبت هو الصواب.
يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت الآية.
قال إمام الشَّارحين: (وأصل هذه القضية: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الغداة؛ دخل على نسائه امرأة امرأة، وكانت قد أهديت لحفصة بنت عمر رضي الله عنهما عكة من عسل، فكانت إذا دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مسَلِّمًا؛ حبسته، وسقته منها، وأنَّ عائشة رضي الله عنها أنكرت احتباسه عندها، فقالت لجويرة عندها حبشية يقال لها: خضرة: إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة؛ فادخلي عليها، فانظري ماذا يصنع، فأخبرتها الخبر وشأن العسل، فغارت، فأرسلت إلى صواحبها، وقالت: إذا دخل عليكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقلن: إنا نجد منك ريح مغافر، وهو صمغ العرفط
(1)
كريه الرائحة، وكان عليه السلام يكره ويشق عليه أن يوجد منه ريح منتنة؛ لأنَّه يأتيه الملَك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سودة، فقالت: فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله عليه السلام، ثم إني فرقت من عائشة، فقلت: يا رسول الله؛ ما هذه الريح التي أجدها منك، أكلت المغافر؟ قال:«لا، ولكن حفصة سقتني عسلًا» ، ثم دخل على عائشة، فأخذت بأنفها، فقال لها النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم:«ما شأنك؟» ، قالت: أجد ريح المغافر، أكلتها يا رسول الله؟ فقال:«لا، بل سقتني حفصة عسلًا» ، قالت: جرست إذًا نحله العرفط، فقال لها:«والله لا أطعمه أبدًا» ، فحرمه على نفسه، قالوا: وكان عليه السلام قسم الأيام بين نسائه، فلما كان يوم حفصة؛ قالت: يا رسول الله؛ إن لي إلى أبي حاجة نفقة لي عنده، فائذن لي أن أزوره، وآتي بها، فأذن لها، فلما خرجت؛ أرسل رسول الله [صلى الله] عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية أم إبراهيم، وكان قد أهداها له المقوقس، فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فأتت حفصة، فوجدت الباب مغلقًا، فجلست عند الباب، فخرج رسول الله ووجهه يقطر عرقًا، وحفصة تبكي، فقال:«ما يبكيك؟» ، فقالت: إنَّما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها في يومي، وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقًّا؟ ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، فقالعليه السلام:«أليس هي جارية قد أحلها الله لي؟ اسكتي، فهي علي حرام، ألتمس بذلك رضاك، فلا تخبري بهذا امرأة منهن، وهو عندك أمانة» ، فلما خرج عليه السلام؛ قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك أنَّ رسول الله عليه السلام قد حرم عليه أمته مارية، فقد أراحنا الله منها، وأخبرت عائشة بما رأت، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواجه عليه السلام، فلم تزل بنبي الله عليه السلام حتى حلف ألا يقربها، فأنزل الله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ} [التحريم: 1]؛ يعني: العسل ومارية، ثم إنَّ عمر رضي الله عنه لما بلغه ذلك؛ دخل على نساء النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، فوعظهن، وزجرهن، ومن جملة ما قال: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فأنزل الله هذه الآية، فهذا من جملة ما وافق عمر ربه، ووافقه ربه عز وجل انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند إليه قال: (حدثنا ابن أبي مريم) هو سعيد بن محمد بن الحكم؛ كذا في رواية كريمة، وفي رواية أبي ذر، عن المستملي، قال (أبو عبد الله -أي: المؤلف-: وحدثنا ابن أبي مريم)، وفي رواية ابن عساكر:(قال محمد -أي: المؤلف أيضًا-: وقال ابن أبي مريم)، وفي رواية الأصيلي، عن الحمُّوي والكشميهني:(وقال ابن أبي مريم)، (أخبرنا يحيى بن أيوب) هو الغافقي (قال: حدثني)؛ بالإفراد (حُميد)؛ بضمِّ الحاء المهملة، هو الطويل التابعي (قال: سمعت أنسًا)؛ هو ابن مالك الأنصاري (بهذا)؛ أي: بالحديث المذكور سندًا ومتنًا، فهو من رواية أنس، عن عمر، لا من رواية أنس، عن النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ فافهم، نبه عليه إمام الشَّارحين، ثم قال: وهذا ذكره البخاري معلقًا هنا، وفي «التفسير» أيضًا، ونص عليه أيضًا خلف وصاحبا «المستخرج» ، وهو الظاهر، ووقع في رواية كريمة:(حدثنا ابن أبي مريم)، وهو غير ظاهر؛ لأنَّ البخاري لم يحتج بيحيى بن أيوب، وإنَّما ذكره في الاستشهاد والمتابعة، وقول ابن طاهر:(خرَّج له الشيخان)، فيه نظر؛ لأنَّه نقض كلام نفسه بنفسه؛ لذكره له ترجمة في «أفراد مسلم» ، وفائدة ذكر البخاري له تصريح حميد فيه بسماعه إياه من أنس، فحصل الأمن من تدليسه، انتهى.
وزعم الكرماني أنَّ استشهاد المؤلف بهذا الطريق؛ للتقوية؛ دفعًا لما في الإسناد السابق من ضعف عنعنة هشيم، فإنَّه قيل: إنَّه مدلس.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (فيه نظر؛ لأنَّ معنعنات «الصحيحين» كلها مقبولة محمولة على السماع، وكلامه يدل على هذا، فذكره كما ذكرنا هو الواقع في محله)؛ فافهم.
وزعم الكرماني أيضًا: (وإنما لم يعكس المؤلف بأن يجعل هذا الإسناد أصلًا؛ لما في يحيى من سوء الحفظ، ولأنَّ في ابن أبي مريم ما نقله بلفظ النقل والتحديث، بل ذكره على سبيل المذاكرة، ولهذا قال البخاري: قال ابن أبي مريم).
وردَّه إمام الشَّارحين فقال: فيه نظر؛ لأنَّه صرح في رواية كريمة: (حدثنا ابن أبي مريم)، فهو يعكر على ما قاله، والظاهر: أنَّ الكرماني لو اطلع على هذه الرواية؛ لما قال ما ذكره، انتهى.
قلت: والتصريح بالتحديث ثبت أيضًا في رواية أبي ذر عن المستملي: (قال أبو عبد الله: وحدثنا ابن أبي مريم)، والمستملي أحفظ الرواة، فيكون المؤلف نقله على لفظ النقل والتحديث لا على سبيل المذاكرة، كما زعمه الكرماني، فحقيق بأنَّ الكرماني لم يطلع على هذه الروايات، ولو اطلع؛ لما قال ما قال، فإنَّه قد ركب متن عميا، وخبط خبط عشوى؛ فافهم.
[حديث: بينا الناس في بقباء]
403 -
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ هو التنيسي المنْزِل، الدمشقي الأصل، وفي (يوسُف) تثليث السين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: أخبرنا مالك)، كذا للأصيلي وابن عساكر، ولغيرهما:(مالك بن أنس)؛ هو الأصبحي المدني، (عن عبد الله بن دينار) هو المكي التابعي، (عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنهما (قال: بينا) أصله: بين، فأشبعت الفتحة، فصارت ألفًا، يقال: بينا وبينما، وهما
(1)
في الأصل: (العزقط)، وهو تصحيف.
ظرفا زمان؛ بمعنى: المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما ألا يكون فيه (إذ) و (إذا)، وقد جاء كثيرًا، تقول: بينا زيد جالس؛ دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل دخل عليه، وبينا هنا: أضيف إلى المبتدأ والخبر، وجوابه قوله:(إذ جاءهم آتٍ) انتهى، قرره إمام الشَّارحين.
(الناس بقُباء)؛ بضمِّ القاف وتخفيف الموحدة بعدها، قال الشَّارح:(وفيه ست لغات: المد، والقصر، والتذكير، والتأنيث، والصرف، والمنع، وأفصحها: المد) انتهى.
قلت: وأفصحها: المد، والتذكير، والتنوين، هذه اللغة المشهورة، والقصر، والتأنيث، وترك الصرف حكاها صاحب «المطالع» عن الخليل، ثم قال إمام الشَّارحين: وهو موضع معروف ظاهر المدينة، والمعنى هنا: بينا الناس في مسجد قباء، وهم (في صلاة الصبح)، واللام في الناس؛ للعهد الذهني؛ لأنَّ المراد: أهل قباء ومن حضر معهم في الصلاة بمسجدهم، وفي حديث البراء بن عازب المتقدم في صلاة العصر، ولا منافاة بين الخبرين؛ لأنَّ الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة، ووقت الصبح في اليوم الثاني إلى من هو خارجها، وهم بنو عمرو بن عوف بقباء، قاله إمام الشَّارحين، وقوله:(إذ جاءهم) جواب (بينا)، كما ذكرنا؛ أي: أهل قباء (آتٍ)؛ بالمد، فاعل من: أتى يأتي، فأُعل إعلال قاضٍ، وهذا الآتي هو عبَّاد -بالتشديد- ابن بشر؛ بكسر الموحدة وسكون المعجمة، قاله في «عمدة القاري» ، وتبعه الشراح.
قلت: واقتصر ههنا على هذا الآتي، وفي حديث البراء اختلف فيه هل هو عباد بن بشر أو عباد بن نهيك؟ والأول: قول ابن بشكوال، والثاني: قول أبي عمرو، فالظاهر من جزم إمام الشَّارحين تعيين الأول ههنا، لكن يحتمل أن يكون الثاني؛ فافهم.
(فقال)؛ أي: الآتي: (إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن)؛ بالتنكير؛ لأنَّ المراد البعض، وفي رواية الأصيلي:(القرآن)؛ بالألف واللام التي هي للعهد، وأراد بالقرآن قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ
…
}؛ الآيات [البقرة: 144]، وأطلق (الليلة) على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازًا، وفيه أيضًا مجاز حيث ذكر الكل، وهو (قرآن)، وأراد الجزء وهو الآيات، كذا قرره إمامنا الشَّارح رضي الله عنه.
(وقد أُمر)؛ بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول؛ أي: أمر النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ أي: أمره الحكم العدل سبحانه، وإنَّما حذف للعلم به، وتعظيمه (أن) أي: بأن (يستقبل) أي: باستقبال (الكعبة) فكلمة: (أن) مصدرية مؤولة بمصدر، والمعنى: باستقبالها، كما علمت، (فاستقبَلوها)؛ بفتح الموحدة عند أكثر الرواة على صيغة الجمع من الماضي، والضمير فيه يرجع إلى النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنه، ويحتمل أن يكون الضمير راجعًا لأهل قباء؛ يعني: حين سمعوا من الآتي ما بلغهم؛ استقبَلوا الكعبة، وفي رواية الأصيلي:(فاستقبِلوها)؛ بكسر الموحدة على صيغة الأمر للجمع، والأمر فيه لأهل قباء من الرجل الآتي، كذا قرره إمام الشَّارحين.
قلت: والأظهر أن يكون الضمير راجعًا للنبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لأنَّ هذا من تمام كلام الآتي؛ يعني: أنَّه أخبرهم بأنَّ الرسول أمر باستقبال الكعبة، فاستقبلها هو وأصحابه، وأنتم كذلك يجب عليكم استقبالها، فإنَّ هذا صار كالتأكيد للأمر المذكور؛ فافهم.
وقوله: (وكانت وجوههم إلى الشام)؛ من كلام الرجل المخبِر بتغيير القبلة، قاله إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني أنه من كلام ابن عمر، انتهى.
قلت: والأظهر أنَّه من كلام الرجل المخبر؛ لأنَّه لما بلغهم ما رأى من تغير القبلة؛ رآهم مستقبلين الشام، فأخبر عنهم بذلك.
قال إمام الشَّارحين: وعلى هذا -أي: أنه من كلام الرجل-؛ تكون الواو للحال، وتكون الجملة حالية على رواية الأكثرين، وهو أن يكون بصيغة الجمع من الماضي، وعلى رواية الأصيلي تكون الواو للعطف، وجاء عطف الجملة الخبرية على الإنشائية، والضمير في (وجوههم) يحتمل الوجهين المذكورين، انتهى؛ يعنى: أنه يحتمل رجوعه للنبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويحتمل رجوعه لأهل قباء.
قلت: والظاهر الأول؛ لأنَّ هذا حكاية عمَّا فعله النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو تأكيد للأمر المذكور؛ فافهم.
وزعم ابن حجر أنَّ الأظهر عود الضمير لأهل قباء، ويرجح رواية الكسر أنَّه عند المصنف في «التفسير» :(وقد أمر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبلوها)، فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأنَّ الذي بعده أمر لا أنه بقية الخبر الذي قبله.
ورده إمام الشَّارحين فقال: («ألا» في مثل هذا الموضع تكون للتنبيه؛ لتدلَّ على تحقق ما بعدها، ولا يسمى حرف استفتاح إلا في مكان يمهل معناها، وفي ترجيحه الكسر بهذا نظر؛ لأنَّه يعكر عليه).
قوله: (فاستداروا) إذا جعل (وكانت وجوههم)، من كلام ابن عمر، انتهى.
قلت: وما زعمه ابن حجر غير ظاهر، فضلًا عن أن يكون أظهر، بل هو باطل، والصواب: أنَّ الضمير يرجع للنبيِّ الأعظم صلى الله عليه وأصحابه في الوجهين؛ لأنَّ هذا من كلام الرجل المخبر، ساقه؛ لأجل التحقيق والتأكيد على الذي بلَّغهم به، وما زعمه من ترجيح الكسر هذا ممنوع، وترجيح بلا مرجح، فإنَّ الذي عند المؤلف في «التفسير» لا يدل على ترجيحه؛ لأنَّ المراد بقوله:(ألا فاستقبلوها) تحقيق الوقوع، ويدل على بطلان ما زعمه قوله:(فاستداروا)، فإنَّه يدل على أنَّ الرواية بالفتح، وهي الأرجح؛ لموافقة المعنى، أمَّا على ما زعمه؛ فلا يظهر؛ لأنَّ فيه مخالفة المعنى، وصريح اللفظ يرده، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في
العلم.
(إلى الكعبة) بأن تحول الإمام عن مكانه، ثم تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحول النساء أيضًا حتى صرن خلف الرجال، فأتمَّ الإمام بهم الصلاة، ففي الحديث: دليل على جواز الاجتهاد في أمر القبلة، وأنَّ المصلي إذا صلى إلى جهة بالتحري، ثمَّ تبدل اجتهاده إلى جهة أخرى، فتحول إليها ثم وثم؛ فصلاته جائزة، ولو صلى الصلاة الرباعية إلى أربع جهات بالتحري؛ جائز.
فإن قلت: تحولهم مع الإمام فيه عمل كثير، وهو يفسد الصلاة، فكيف أتمَّ الإمام الصلاة بهم؟
قلت: اختلف في العمل الكثير، فروي عن الإمام الأعظم رضي الله عنه: أنَّه مفوض لرأي المصلي إن استكثره؛ فكثير، وإن استقله؛ فقليل، وروي عنه: أنَّ الحركات الثلاث كثير، وبها أخذ الأئمة المتأخرون، فيقال: إنَّ تحولهم لم يكن بثلاث خطوات، بل كان بخطوة أو خطوتين، ويحتمل أنَّ الخطوات لم تكن متوالية، بل وقعت متفرقة، وهو غير مفسد في الصلاة لتخلل المهلة بينها، ويحتمل أنَّ ذلك كان قبل تحريم المشي في الصلاة، والله أعلم.
وفي الحديث: جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها، وأنَّه لا يضر صلاته، وفيه: دليل على أنَّ الخشوع في الصلاة مستحب، وفيه: دليل على جواز استماع المصلي كلام من ليس في الصلاة، وأنَّه لا يضر عليه صلاته، والحديث حجة على المتصوفة حيث زعموا أنَّ الخشوع في الصلاة واجب، وهو باطل؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لأمروا بإعادة الصلاة، فلما دلَّ الحديث على أنَّهم أتموا صلاتهم، ولم يعيدوها؛ تبين أنَّها جائزة وإن حصل فيها عدم الخشوع، وصريح الحديث يدل على عدم وجوب الخشوع في الصلاة، وهو الصواب؛ فافهم، قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2]، وأفعل التفضيل على بابه بإجماع المفسرين، فمن صلى بدون خشوع؛ فهو مفلح من أهل الفلاح، ومن صلى به؛ فهو أفلح، فدل على أنَّه مستحب لا واجب، كما لا يخفى؛ فافهم.
وفي الحديث: أنَّ من لم تبلغه الدعوة، ولم يمكنه استعلام ذلك؛ فالفرض غير لازم له، فحكم النسخ لا يثبت في حقه ما لم يبلغه.
وفي الحديث: جواز قبول خبر الواحد، فلو صلى بالتحري إلى جهة، فجاء رجل وأخبره أنَّ القبلة في جهة أخرى؛ أخذ بقوله، واستدار، وأتمَّ، وهكذا، وكذا لو أخبره أنَّ هذه الذبيحة ذبيحة مسلم؛ فهي طاهرة، أو ذبيحة مجوسي؛ فهي نجسة، ولو أخبره رجلان أحدهما: بأنَّها ذبيحة مسلم، والآخر: أنها ذبيحة مجوسي؛ فلا يأخذ بقولهما؛ لتهاتر الخبرين، وتبقى الذبيحة على الأصل، وهو الحرمة؛ لأنَّه لا تحل إلا بالذكاة الشرعية، ولو أخبره رجلان عن ماء وتهاترا في الطهارة والنجاسة؛ لا يأخذ بقولهما، ويبقى الماء على الأصل، وهو الطهارة الأصلية؛ فافهم.
وفي الحديث: أنَّ الذي يؤمر به النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم يلزم أمته.
قلت: وذلك لعدم قيام الدليل على أنَّه خاصٌّ به، ولأمره عليه السلام أصحابه باتباعه، فهو دليل اللزوم على العموم.
وفي الحديث: أنَّ أفعاله وأقواله يجب الإتيان بها عند قيام الدليل على الوجوب، ويسن ويستحب بحسب المقام والقرائن، ولكنَّ القول يقدم على الفعل عند المحققين، ويستمر الحكم حتى يقوم الدليل على الخصوصية، كما لا يخفى.
قال إمام الشَّارحين: ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث الدلالة عليها من الجزء الأول، وهو قوله:(وقد أمر أن يستقبل الكعبة)، ومن الجزء الثاني أيضًا، وذلك لأنَّهم صلوا في أول تلك الصلاة إلى القبلة المنسوخة التي هي غير القبلة الواجب استقبالها جاهلين بوجوبه، والجاهل كالناسي؛ حيث لم يؤمروا بإعادة صلاتهم، انتهى.
وفي الحديث: أنَّه أنزل عليه قرآن، ولم يبينه، وقد بينه إمام الشَّارحين، وهو قوله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ
…
}؛ الآيات [البقرة: 144]، واختلفوا في المراد من المسجد الحرام، فحكى البغوي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك، وقال جماعة:(القبلة: هي الكعبة، والدليل عليه ما خرِّج في «الصحيحين» عن عطاء، عن ابن عبَّاس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم البيت؛ دعا في نواحيه كلها، ولم يصلِّ حتى خرج منه، فلما خرج؛ ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: «هذه القبلة»)، ورووا أخبارًا كثيرة؛ كلها تدل على أنَّ القبلة هي الكعبة، وقال آخرون:(المراد بالمسجد الحرام: الحرم كله؛ لأنَّ الكلام يجب أن يحمل على ظاهر لفظه إلا إذا منع منه مانع)، وقال جماعة آخرون: المراد من المسجد
الحرام: الحرم كله، والدليل عليه قوله سبحانه وتعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} [الإسراء: 1] وهو صلى الله عليه وسلم إنَّما أسري به من خارج المسجد، فدل هذا على أنَّ الحرم كله يسمى بالمسجد الحرام، كذا قاله الإمام الرازي.
قلت: وهذا الدليل منقوض؛ لأنَّه عليه السلام أسري به ليلًا من بيته، وكان عليه السلام قد صلى في المسجد قبل ذلك، فأطلق الإسراء من المسجد؛ لكونه يُصلى فيه ويتعبد به، على أنَّ حجره عليه السلام أبوابها في حائط المسجد، وإسراؤه كان من حجرة عائشة باتفاق المحدثين، فليس فيه دليل على أنَّ الحرم كله يسمى مسجدًا حرامًا؛ فافهم.
ثم ذكر أنَّ فرض من يريد الصلاة عند الشافعي أن يستقبل عين الكعبة، والجهة غير كافية، ونقل عن صاحب «التهذيب» : أنَّ الجماعة إذا صلوا في المسجد الحرام يستحب أن يقف الإمام خلف المقام، والقوم يقفون مستديرين بالبيت، فلو امتد الصف في المسجد بحيث ازداد طوله على عرض البيت؛ فإنَّه لا تصح صلاة من خرج عن محاذاة الكعبة، ومذهب الإمام الأعظم أنَّه يصح؛ لأنَّ إصابة الجهة عنده كافية في صحة الصلاة، واستدل الشافعي: بأنَّ كون الكعبة قبلة أمر معلوم، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك، وقد أوجب الله على كافة المكلفين استقبال القبلة، والمكلف لا يخرج عن عهدة ما كُلف به بالشك.
واحتج الإمام الأعظم رضي الله عنه بأمور من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول:
أمَّا الكتاب؛ فقوله تعالى: {قَدْ نَرَى
…
}؛ الآيات، فظاهرها، بل صريحها يدل على أنَّ إصابة الجهة كافية؛ حيث قال:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} [البقرة: 144]؛ يعني: جهته وجانبه، ولأنَّه تعالى أوجب على المكلف أن يولِّي
(1)
وجهه إلى جانبه، ومن ولى وجهه إلى الجانب الذي حصلت الكعبة فيه، فقد أتى بما أُمر به، سواء كان مستقبلًا للكعبة أو لا، فوجب أن يخرج عن العهدة بإصابة جهة الكعبة، وليس هذا أمر مشكوك؛ لأنَّ الله تعالى أوجب تولي الوجه؛ يعني: البدن كله إلى جهة الكعبة، فهو أمر متيقن، فوجب العمل به.
وأما السُّنة؛ ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه عليه السلام قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» ، فلو كان الفرض إصابة عين الكعبة؛ لما كان ما بينهما قبلة، وذكر الفقهاء: أنَّ استقبال القبلة واستدبارها لغائط أو بول مكروهان، سواء كان في البنيان أو الصحراء؛ لما في «الصحيحين» أنَّه عليه السلام قال:«إذا أتيتم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» ، فإن هذا الحديث أيضًا يدل على أنَّ من لم يشرق أو يغرب في الخلاء؛ فهو مستقبل للقبلة أو مستدبرها، وهو يستلزم أن يكون ما بينهما قبلة، كما لا يخفى.
وأمَّا الإجماع؛ فإنَّ الناس من عهد النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام، ولم يحضروا قط مهندسًا عند تعيين جهة القبلة فيها مع أنَّ إصابة عين الكعبة لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة، وحيث اجتمعت الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على صحة ما وقع فيها من الصلوات؛ علمنا أنَّ محاذاة عين الكعبة ليست بشرط، وأيضًا لو كان استقبال عين الكعبة واجبًا؛ لكان تعلم الدلائل الهندسية واجبًا على كل أحد؛ لأنَّ استقبال العين لا سبيل إليه إلا بتلك الدلائل، ولما كان تعلمها غير واجب؛ علمنا أنَّ استقبال العين غير واجب.
وأما المعقول؛ فإن الدائرة وإن كانت عظيمة يكون جميع القطع المفروضة محاذية لمركز الدائرة، والصفوف الواقعة في العالم بأسرها كأنها دائرة محيطة بالكعبة، والكعبة كأنَّها نقطة لتلك الدائرة إلا أنَّ الدائرة إذا صغرت؛ ظهر التقوس والانحناء في كل واحدة من القطع المفروضة فيها، بل يرى كل قطعة منها شبيهة بالخط المستقيم، فلا جرم صحت الجماعة بصف مستطيل ممتد إلى جانبي المشرق والمغرب يزيد طوله على أضعاف مقدار البيت؛ لكون كل واحد مما فيه متوجهًا إلى عين الكعبة، فأمَّا النقطة المفروضة فيها؛ فإنَّما تكون محاذية لمركزها إذا كان الخط الخارج من كل واحدة منها واقعًا على المركز محاذيًا لها، ومجرد كونها من أجزاء الدائرة لا يستلزم ذلك، وهو ظاهر في أنَّ استقبال العين ليس بواجب، وإنما الواجب هو استقبال السمت والجهة، ومعنى استقبال السمت: أنا لو فرضنا خطًّا مستقيمًا من نقطة من النقط المفروضة في دائرة الأفق مارًّا على الكعبة واصلًا إلى النقطة المقابلة على الاستقامة؛ لكان الخط الخارج من جبين المصلي إلى ذلك الخط المار بالكعبة على استقامة من غير أن تكون إحدى الزاويتين الحادتين في الملتقى حادة والأخرى منفرجة، بل يحصل هناك قائمان، أو نقول: هو أن تقع الكعبة فيما بين خطين يلتقيان في الدماغ ليخرجا إلى العينين؛ كما في المثلث.
وذكر صاحب «الذخيرة» و «الكافي» و «النهاية» : (أنَّ من كان بمكة؛ ففرضه إصابة عينها إجماعًا حتى لو صلى مكيٌّ في بيته؛ ينبغي أن يصلي بحيث لو أزيلت الجدران؛ يقع الاستقبال على عين الكعبة، بخلاف الآفاقي فإنَّ فرضه إصابة جهتها لا عينها في الصحيح)، وهذا قول الشيخ أبي الحسن الكرخي، والشيخ أبي بكر الرازي؛ لأنَّه ليس في وسع المصلي سوى هذا، والتكليف بحسب الوسع، واحترز بـ (الصحيح) عن قول أبي عبد الله الجرجاني، فإنَّه قال:(من كان غائبًا عن الكعبة؛ ففرضه إصابة عينها؛ لأنَّه لا فضل في النص)، وهو قول الشافعي.
وثمرة الخلاف تظهر في اشتراط نية عين الكعبة، فعلى قول الجرجاني والشافعي؛ يشترط، وعلى
(1)
في الأصل: (يول)، وليس بصحيح.