الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنه قال: {مقَامِ إِبْرَاهِيمَ} : الحرم كله، وروي مثله عن مجاهد وعطاء، وقال السدي: (المقام: هو الحجر الذي وضعت
(1)
زوجة إسماعيل قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه)، وحكاه الرازي في «تفسيره» عن الحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس، وضعفه القرطبي، ورجح غيره، وهو ليس بشيء؛ لأنَّه قول الجمهور، وحكى ابن بطال عن ابن عباس أنه قال:(الحج كله مقام إبراهيم).
وروى عبد الرزاق عن معمر، عن ابن أبي نجيح عنه قال:(هو عرفة، وجمع، ومنى).
وقال عطاء: (مقام إبراهيم: عرفة، والمزدلفة، والجمار).
وروى ابن أبي حاتم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: سمع جابرًا يحدث عن حجة النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم قال: (لما طاف النبيُّ الأعظم؛ قال له عمر بن الخطاب: هذا مقام أبينا إبراهيم عليه السلام؟ قال: «نعم» ، قال: أفلا نتخذه مصلًّى؟ فأنزل الله عز وجل: {وَاتَّخِذُوا
…
}؛ الآية).
وروى عثمان ابن أبي شيبة عن أبي ميسرة قال: (قال عمر: قلت: يا رسول الله؛ هذا مقام خليل ربنا؟ قال: «نعم»، قال: أفلا نتخذه مصلًّى؟ فنزلت).
وروى ابن مزدويه عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب:(أنه مر بمقام إبراهيم، فقال: يا رسول الله؛ أليس نقوم مقام خليل الله؟ قال: «بلى»، قال: أفلا نتخذه مصلًّى؟ فلم نلبث إلا يسيرًا حتى نزلت)، كذا في «عمدة القاري» .
وقوله: ({مُصَلًّى})[البقرة: 125]؛ أي: مدعى يدعى عنده، مأخوذ من صليت؛ بمعنى: دعوت، قاله مجاهد، وقال الحسن: قبلة، وقال السدي وقتادة: أمروا أن يصلوا عنده، وقال الإمام الزمخشري في «تفسيره» :(موضع صلاة يصلون فيه)، وتبعه البرماوي وغيره.
قال إمام الشَّارحين: (ولا شك أن من صلى إلى الكعبة من غير الجهات الثلاث التي لا تقابل مقام إبراهيم؛ فقد أدى فرضه، فالفرض إذًا البيت لا المقام، وقد صلى الشَّارع خارجها، وقال: «هذه القبلة»، ولم يستقبل المقام حين صلى داخلها، ثم استقبل المقام، فإن المقام إنَّما يكون قبلة إذا جعله المصلي بينه وبين القبلة) انتهى.
قلت: وهذا يرجح القول الأول، ويضعف غيره، ويدل عليه أنه جار على المعنى اللغوي؛ فتأمل.
[حديث: قدم النبي فطاف بالبيت سبعًا وصلى خلف المقام]
395 -
396 - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا الحُمَيْدي)؛ بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون التحتية: هو عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي أبو بكر المكي، ونسبته إلى بطن من قريش، يقال له: حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى (قال: حدثنا سفيان) : هو ابن عيينة المكي (قال: حدثنا عَمْرو) بفتح العين المهملة، وسكون الميم (بن دينار) هو المكي (قال: سألنا ابن عمر) : هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنهما (عن رجل)؛ يعني: عمن فعل هذا، وليس المراد رجل معين، بل جعله مثلًا لأجل تعلم الحكم فيه (طاف بالبيت) أي: الكعبة (للعمرة)؛ باللام كذا هو رواية الأكثرين؛ أي: لأجل العمرة، وفي رواية المستملي والحمُّوي:(طاف بالبيت العمرةَ)؛ بحذف اللام، وبالنصب، ولا بد من تقدير اللام؛ لأنَّ المعنى لا يصح بدونه؛ فافهم، أفاده إمام الشَّارحين.
قلت: ورواية النصب على حذف مضاف؛ أي: طواف العمرة، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
(ولم يطف) أي: لم يسع (بين الصفا والمروة) : فأطلق الطواف على السعي؛ إما لأنَّ السعي نوع من الطواف، وإما للمشاكلة، ولوقوعه في مصاحبة طواف بالبيت، قاله إمام الشَّارحين، ويجوز في (الصفا والمروة) الصرف وعدمه، فإن أريد المكان؛ انصرف، وإن أريد به العلمية والتأنيث؛ منع؛ لأنَّ (الصفا) : اسم امرأة، و (المروة) كذلك، قيل: إنه جلس عليهما امرأة مسماة بهذا الاسم، وقيل: إنَّهما امرأتان مسختا ووضعتا في ذلك المكان؛ لأنَّهما علمان على جبلين بمكة؛ فافهم.
(أيأتي امرأته) : الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستفسار؛ أي: أيجوز له الجماع؛ يعني: أحصل له التحلل من الإحرام قبل السعي بين الصفا والمروة أم لا؟ (فقال)؛ أي: عبد الله بن عمر في الجواب عن ذلك: (قدِم) بكسر الدال المهملة (النبيُّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ أي: مكة إلى الحرم، (فطاف بالبيت)؛ أي: حول الكعبة (سبعًا) أي: سبعة أشواط، (وصلَّى خلف المقام) أي: وراء مقام إبراهيم عليه السلام (ركعتين)؛ بالتثنية، وهذا موضع مطابقة الحديث للترجمة، كما لا يخفى، قيل: كان إبراهيم يبني الكعبة، وإسماعيل يناوله الحجارة، فلما ارتفع البناء وضعف عن رفع الحجارة إليه؛ قام على حجر، فهو مقام إبراهيم، قاله ابن عباس رضي الله عنه، (وطاف بين الصفا والمروة)؛ بالصرف وعدمه؛ يعني: سعى، فأطلق الطواف وأراد السعي سبع أشواط، فأجاب ابن عمر بالإشارة إلى وجوب اتباع النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، لا سيما في أمر المناسك؛ لقوله عليه السلام:«خذوا عني مناسككم» ، والنبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم لم يتحلل قبل السعي، فيجب التأسِّي به، وهو معنى قوله:(وقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة) : والأُسوة؛ بضم الهمزة وكسرها؛ أي: قدوة.
قال عمرو بن دينار: (وسألنا جابر بن عبد الله)؛ أي: الأنصاري عن هذا الحكم، قال إمام الشَّارحين:(ولا يدخل هذا الحديث في مسند جابر؛ لأنَّه لم يرفعه، وإنما هو من مسند ابن عمر؛ فافهم) انتهى.
(فقال) أي: جابر في الجواب عن ذلك: (لا يقربنَّها) جملة فعلية مضارعة مؤكدة بالنون الثقيلة، وهذا جواب جابر بن عبد الله بصريح النهي عنه (حتى يطوف)؛ أي: إلى أن يطوف؛ يعني: يسعى (بين الصفا والمروة) وإنما خص إتيان المرأة بالذكر وإن كان الحكم سواء في جميع المحرمات؛ لأنَّ إتيان المرأة من أعظم المحرمات.
وفي الحديث: أن السعي في العمرة واجب، وهو مذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضي عياض عن ابن عباس: أنه أجاز التحلل بعد الطواف وإن لم يسع، وهو ضعيف ومخالف للسنة.
وفيه: أن الطواف لا بد فيه من سبعة أشواط.
وفيه: الصلاة ركعتين خلف المقام، فقيل: إنها سنة، وقيل: واجبة، وقيل: تابعة للطواف، فإن كان الطواف سنة؛ فالصلاة سنة، وإن كان واجبًا؛ فالصلاة واجبة، كذا قرره إمام الشَّارحين صاحب «عمدة القاري» رحمه الكريم الباري، والله تعالى أعلم، وأستغفر الله.
(1)
في الأصل: (وضعته)، وليس بصحيح.
[حديث: أصلى النبي في الكعبة]
397 -
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا مُسدد)؛ بضم الميم: هو ابن مسرهد البصري (قال: حدثنا يحيى) : هو ابن سعيد القطان البصري، (عن سَيْف)؛ بفتح السين المهملة، وسكون التحتية، آخره فاء، زاد ابن عساكر في روايته:(يعني: ابن أبي سليمان)، كما في «الفرع» ، ويقال: ابن سليمان المخزومي المكي، ثبت صدوق، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة (قال: سمعت مجاهدًا) : هو الإمام المفسر المشهور (قال) : جملة فعلية محلها النصب، إما على الحال، وإما على أنها مفعول ثان
(1)
لـ (سمعت) على قولين مشهورين: (أُتِي) بضم الهمزة على صيغة المجهول (ابن عمر) : هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنهما، (فقيل له) : قال إمام الشَّارحين: (لم يعلم اسم هذا القائل) : (هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة)؛ أي: لأجل الصلاة فيها، (فقال ابن عمر: فأقبلت)؛ أي: حين قال لي هذا القائل: رسول الله دخل الكعبة؛ بادرت لأرى ما يفعل فيها؟ فأقبلت (والنبيُّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم قد خرج)؛ أي: من الكعبة، وكأنه وقع مهلة طويلة بين الكلامين، فلم يدرك ابن عمر النبيَّ الأعظم داخل الكعبة، (وأَجدُ)؛ بفتح الهمزة على صيغة المتكلم وحده، من المضارع، وكان المناسب أن يقول: ووجدت، بعد قوله:(فأقبلت)، لكنه عدل عن الماضي إلى المضارع حكاية عن الحال الماضية، واستحقارًا لتلك الصورة، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: يعني: حتى كأن المخاطب يشاهد هذه الصورة.
(بلالًا) : هو المؤذن الصحابي الجليل، وهو منصوب؛ لأنَّه مفعول (أجد)، وقوله:(قائمًا) منصوب؛ لأنَّه حال من (بلال)(بين البابين)؛ أي: مصراعي الباب؛ لأنَّ الكعبة لم يكن لها حينئذٍ إلا باب واحد، وأطلق ذلك باعتبار ما كان من البابين لها زمن إبراهيم الخليل عليه السلام، أو أنه كان في زمان رواية الراوي لها بابان؛ لأنَّ ابن الزبير رضي الله عنه جعل لها بابين، قاله الكرماني، وارتضاه الشَّارح.
وزعم ابن حجر (بين البابين)؛ أي: المصراعين، وحمله الكرماني على حقيقة التثنية، وقال: أراد بالباب الثاني: الباب الذي لم تفتحه قريش حين بنت الكعبة، وهذا يلزم منه أن يكون ابن عمر وجد بلالًا في وسط الكعبة، وفيه بعد.
قلت: فلقد انتهت الجهالة إلى ابن حجر حتى زعم هذا الكلام، ولهذا ردَّه إمام الشَّارحين، فقال: الكرماني فسر قوله: (بين البابين) بثلاثة أوجه، فأخذ هذا القائل الوجه الأول من تفسيره، ولم يعزه إليه، ثم نسبه لنفسه، ونسب إليه ما لم تشهد به عبارته؛ لأنَّ عبارة الكرماني ما ذكرناه.
وقوله: (وهذا يلزم منه
…
) إلى آخره: ممنوع، فإن هذه الملازمة ممنوعة؛ لأنَّ عبارة الكرماني لا تقتضي ذلك.
وقوله: (وفيه بُعد) : ممنوع، وليس فيه بُعد، بل البُعد في الذي اختاره من التفسير، وهو ظاهر لا يخفى، وفي رواية الحموي:(وأجد بلالًا قائمًا بين الناس)؛ بالنون والسين بدل (البابين) انتهى كلامه.
قلت: وكلام ابن حجر ليس بشيء؛ لأنَّ الملازمة المذكورة ممنوعة كما يعلم من عبارته، وليس فيه بُعد؛ لأنَّه ما المانع من أن يكون وجد بلالًا داخل الكعبة واقفًا بين مصراعي الباب؟ ولا مانع منه، بل هو ظاهر كلام ابن عمر؛ فافهم.
(فسألت بلالًا)؛ أي: المؤذن (فقلت) أي: لبلال: (أصلَّى)؛ بهمزة الاستفهام، ولأبي ذر والأصيلي:(صلى)؛ بإسقاطها (النبيُّ) الأعظم، وللأصيلي:(رسول الله) صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟)؛ يعني: داخل البيت؛ لأنَّ كلمة (في) للظرفية، (قال) أي: بلال: (نعم؛ ركعتين)؛ أي: نعم؛ صلى ركعتين (بين الساريتين)؛ بالسين المهملة، تنثية سارية؛ وهي الأُسطوانة، وجامع هذه الأوراق منسوب إلى بلدة أسطوان؛ لأنَّ أصله منها، وسمي جدي بالأسطواني؛ لأنَّه كان كالسارية في العلم، وإنما هو أنصاري من ذرية أبي أيوب الأنصاري، وحسيني من ذرية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، كما بينت ذلك في كتاب سميته:«إنجاء الغريق المخزون» ؛ فارجع إليه، فإنه نفيس جدًّا، والله أعلم.
(اللتين على يساره) الضمير فيه يرجع إلى الداخل بقرينة قوله: (إذا دخلت) ولأبي ذر عن الكشميهني: (يسارك)؛ بالكاف، وهذا هو المناسب، أو كان يقول: إذا دخل، ووجه الأول أن يكون من الالتفات، أو يكون الضمير فيه عائدًا إلى البيت، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(ثم خرج)؛ أي: النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم من البيت (فصلى) أيضًا (في وجه الكعبة)؛ أي: مواجه باب الكعبة؛ وهو مقام إبراهيم عليه السلام، أو يكون المعنى: في جهة الكعبة، فيكون أعم من جهة الباب (ركعتين) مقول قوله:(صلى)، ومطابقته للترجمة في قوله:(فصلى في وجه الكعبة)؛ أي: مواجه باب الكعبة؛ وهو مقام إبراهيم عليه السلام، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال:(وفي الحديث: جواز الدخول في البيت)، وفي «المغني» : ويستحب لمن حج أن يدخل البيت، ويصلي فيه ركعتين، كما فعل النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، ولا يدخل البيت بنعليه، ولا خفيه، ولا يدخل الحجر أيضًا؛ لأنَّ الحجر من البيت.
وفيه: استحباب الصلاة بركعتين في البيت؛ فإن بلالًا أخبر في هذا الحديث: أنه عليه السلام صلى فيه ركعتين، وزعم النووي أن أهل الحديث أجمعوا على الأخذ به، وأنه بلال؛ لأنَّه مثبت ومعه زيادة علم؛ فوجب ترجيحه، وأمَّا نفي من نفى كأسامة؛ فسببه أنَّهم لما دخلوا البيت، وأغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء؛ فرأى أسامة النبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم يدعو، فاشتغل هو أيضًا بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والرسول عليه السلام في ناحية أخرى، وبلال قريب منه،
(1)
في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.