الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تصويرًا للمعقول بالمحسوس، ومطابقته للتَّرجمة في إحدى جزأيها، واكتفى المؤلف به حيث دل حديث أبي هريرة على تمامها، كما ذكرنا.
وهذا الحديث مبني على سبب؛ وهو قصد التمثيل والتصوير في العقل بصورة المحسوس، فليس فيه دلالة على جواز التشبيك مطلقًا من غير كراهة، ولهذا قال الإمام الأعظم: ويكره تشبيك الأصابع في الصلاة، وحال السعي إليها، وحال انتظارها، وبه قال إبراهيم النخعي، ومالك، وأحمد ابن حنبل، والجمهور.
وقال في «المنحة» : (وفيه: جواز التشبيك، وهو كذلك حتى في الصلاة، لكنه فيها مكروه، وكذا في غيرها بلا حاجة) انتهى.
قلت: هو غير صحيح؛ لأنَّ الحديث ليس فيه أنَّه عليه السلام شبك أصابعه وهو في الصلاة، وليس في الحديث دليل على جوازه؛ لأنَّه عليه السلام شبك أصابعه؛ لأجل التمثيل، وهو غرض صحيح.
وقوله: (حتى في الصلاة
…
) إلخك تناقض ظاهر وليس هذا بمذهب إمامه الشَّافعي، وقد اختلط عليه الحكم، وقد ذكر الشَّافعية أنَّ التشبيك لا يكره إلا في الصلاة مطلقًا، أو وهو ينتظر في المسجد كما نقله غير واحد، فانظر هذا التهاون في النقل؛ فليحفظ.
[حديث: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة
؟]
482 -
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا إسحاق) هو ابن منصور بن بهرام، كما جزم به أبو نعيم، وعليه درج إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، والعجلوني.
قلت: وحيث وقع هنا غير منسوب؛ يحتمل هو ويحتمل أنَّه إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي المشهور بابن راهويه، المتوفى بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومئتين، ويؤيده ما قاله الجياني عن ابن السكن: إذا وقع في هذا الكتاب: (إسحاق) غير منسوب؛ فهو ابن راهويه، ولا يقدح هذا الاختلاف؛ لأنَّ كلًّا منهما يروي عنه المؤلف؛ فتأمل.
(قال: حدثنا ابن شُميل)؛ بِضَمِّ المعجمة، ولابن عساكر:(النَّضر بن شميل) هو البصري، تقدم في باب (حمل العنزة) (قال: أخبرنا) وللأصيلي: (حدثنا)(ابن عَوْن)؛ بالنُّون، وفتح العين المهملة، وإسكان الواو: هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، (عن ابن سيرين) هو محمَّد التَّابعي المشهور، (عن أبي هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل رضي الله عنه أنَّه (قال: صلى بنا) أي: معشر الصَّحابة (رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: في مسجده النَّبوي (إحدى صلاتي)؛ بالتثنية، قال الكرماني: وفي بعضها: بالإفراد فهي للجنس (العشي) هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية الحموي والمستملي:(العشاء)؛ بالمد، والظَّاهر أنَّه وهم؛ لأنَّه صح في رواية أخرى للبخاري:(صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظُّهر أو العصر).
وفي رواية مسلم: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر)، وفي أخرى له:(صلى ركعتين من صلاة الظُّهر ثم سلم).
وفي رواية أبي داود: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي؛ الظُّهر أو العصر).
وفي رواية الطَّحاوي: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي؛ الظُّهر أو العصر، وأكبر ظني أنَّه ذكر الظُّهر)، وقوله:(أكبر ظني أنَّه ذكر الظُّهر) هو قول ابن سيرين؛ أي: أكبر ظني أنَّ أبا هريرة ذكر صلاة الظُّهر، وكذا ذكره البخاري في «الأدب» .
وأطلق على الظُّهر والعصر صلاة العشي؛ لأنَّ العشي يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب، كذا قاله إمام الشَّارحين.
ثم قال: (فإن قلت: قال الجوهري: العشي والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة.
قلت: الذي ذكره هو أصل الوضع، وفي الاستعمال يطلق على ما ذكرنا، وقال الأزهري: العَشِيُّ؛ بفتح العين المهملة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد التحتية: ما بين زوال الشمس وغروبها) انتهى.
قلت: وما ذكره إمامنا الشَّارح من أنَّ رواية المستملي والحموي: (العشاء) وهم، قد تبعه عليه ابن حجر، والقسطلاني، وغيرهما.
واعترضهم العجلوني بما في «الصِّحاح» : (العشاء؛ بالمد والكسر: مثل العشي؛ من صلاة المغرب إلى العتمة، والعشاءان: المغرب والعتمة، وزعم قوم أنَّ العشاء: من زوال الشمس إلى طلوع الفجر)، وبما في «القاموس» :(والعشاء: أول الظلام، أو من المغرب إلى العتمة، أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر)، ثم قال:(وبذلك تعلم صحة معنى هذه الرواية، فلا ينبغي التوهيم، وكلام الكرماني يومئ إلى التصحيح؛ فتأمل) انتهى.
قلت: وكلامه فاسد الاعتبار، فإنَّ عبارة «الصِّحاح» هي كلام الجوهري، وقد أجاب عنه إمام الشَّارحين بأنَّ ما ذكره هو أصل الوضع، وفي الاستعمال يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب، وآخر عبارة الجوهري في «الصِّحاح» الذي هي (وزعم قوم..) إلى آخره: هو الصَّواب في أصل الوضع والاستعمال، ومثله عبارة «القاموس» ، على أنَّ أبا بكر الرازي قد اعترض على الجوهري في «مختصره» حيث قال:(قلت: وقال الأزهري: العشي: ما بين الشمس إلى غروبها، وصلاتا العشي: هما الظُّهر والعصر، فإذا غابت الشمس؛ فهو العشاء) انتهى، وكذلك الزبيدي والمنلا علي القاري اعترضا على صاحب «القاموس» واعتمدا على ما ذكره الأزهري؛ فليحفظ.
ولا يخفى عليك أنَّ ما ذكره إمام الشَّارحين من رواية البخاري، وكذا رواية مسلم، وكذلك رواية أبي داود والطَّحاوي؛ يدل صريحًا أنَّ المراد بصلاتي العشاء: هما الظُّهر والعصر، فإنَّ الأحاديث وكذا الروايات تفسر بعضها بعضًا، فثبت بذلك أنَّ رواية المستملي والحموي وَهَمٌ ألبتة غير صحيحة المعنى، والكرماني لم يتعرض لها، بل سكت عنها، وسكوته يدل على عدم رضاه بها، لا أنَّه يومئ إلى التصحيح كما زعمه، ويحتمل سكوته اشتباهه بالمعنى، وكأنَّه لم يقف على كلام الأزهري، ولا على كلام الرازي، والقاري، والزبيدي، ولو وقف على كلامهم؛ لم يتوقف بأنها وهم؛ فافهم، ولا تكن من الغافلين.
(قال ابن سيرين) هو محمَّد التَّابعي المشهور بالتعبير المذكور (قد سماها) أي: إحدى صلاتي العشي (أبو هريرة) أي: لنا، (ولكن نسيت) أي: غفلت عنها (أنا)؛ أي: دون أصحابي، والمراد: أنَّه نسي تعيينها، وقد سماها في رواية «مسلم» : أنَّها العصر، وفي رواية أخرى
(1)
لمسلم: أنَّها الظُّهر، وفي رواية أبي داود والطَّحاوي: أنَّها الظُّهر أوالعصر على الشك، كما أوضحه إمام الشَّارحين فيما ذكرناه عنه آنفًا؛ فافهم، (قال)؛ أي: أبو هريرة: (فصلى بنا)؛ أي: معشر الصَّحابة؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في مسجده ركعتين من الظُّهر أو العصر، (ثم سلم)؛ أي: من صلاته ساهيًا أنَّه أتمها، فهو في الصلاة حكمًا ما دام في المسجد ما لم يأت بمناف، (فقام) عليه السلام (إلى خشبة معروضة) أي: موضوعة بالعرض أو مطروحة (في المسجد)؛ أي: في ناحية منه، واللَّام فيه للعهد، وهو مسجده عليه السلام (فاتكأ)؛ بالهمز في آخره؛ أي: اعتمد (عليها) أي: على تلك الخشبة (كأنَّه غضبان)؛ بمعجمتين، ولعله رأى من بعض أصحابه شيئًا فأنكره فغضب؛ لأنَّه كان يغضب لله، ويرضى لله، لا يفعل ولا يقر إلا على الذي أوحي إليه من ربه عز وجل.
وفي حديث عمران بن حصين: (أنه عليه السلام دخل منزله)، ولا يجوز لأحد أن ينصرف عن القبلة، ويمشي وقد بقي عليه شيء من صلاته.
وأجيب: بأنه فعل ذلك وهو لا يرى أنَّه في الصلاة، لا يقال: إنَّه يلزم عليه أنَّه لو باع أو أكل وهو لا يرى أنَّه في الصلاة أنَّه لا يخرجه ذلك منها؛ لأنَّا نقول: هذا كله منسوخ، فلا يعمل به اليوم، انتهى.
قلت: والمقرر في الفروع: أنَّ السَّلام سهوًا لا يقطع الصلاة، فهو عليه السلام سلم ساهيًا أنَّه أتمها، ودخوله منزله لا ينافي ذلك؛ لأنَّ منزله -وهي حجرته- داخل المسجد، والساهي لا تقطع صلاته ما لم يخرج من المسجد، فهو لم يخرج منه فهو في الصلاة حكمًا، والانصراف عن القبلة إنَّما يكون قاطعًا لها إذا كان يصلِّي في الصحراء، أمَّا المسجد؛ فلا يقطعها ذلك بل بالخروج منه، وبهذا يعلم الجواب عما ذكر؛ فليحفظ.
(ووضع يده اليمنى على اليسرى) ولأبي الوقت والأصيلي: (على يده اليسرى)(وشبَّك) بتشديد الموحَّدة (بين أصابعه)؛ أي: أدخل الأصابع بعضها بين بعض
(1)
في الأصل: (آخر)، ولعل المثبت هو الصواب.
(ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى)؛ يعني: أنَّه بعدما شبَّك بين أصابعه؛ وضع بطن يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، وهذا بيان وإيضاح للوضع الأول فلا تكرار كما توهمه العجلوني؛ لأنَّ قوله:(ووضع يده اليمنى على اليسرى) صادق بوضع الأصابع، ثم إنَّه شبك بينها، ثم وضع بطن اليمنى على ظهر اليسرى.
قال إمام الشَّارحين: (يحتمل أن يكون هذا الوضع حال التشبيك، وأن يكون بعد زواله وعند الكشميهني: «وضع خده الأيمن» بدل «يده اليمنى») انتهى، ومثله في الكرماني.
قلت: وعلى هذه الرواية أنَّه لما فرغ من التشبيك؛ وضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، واليمنى ليس لها وضع أو هي موضوعة وحدها، فيكون الوضع الأول حال التشبيك، والوضع الثاني -وهو وضع خده الأيمن- بعد زواله وبهذا تعلم ما في عبارة العجلوني من الخفاء وعدم ظهور المراد؛ فافهم.
(وخرجت السرعانُ من أبواب المسجد)؛ أي: النَّبوي؛ أي: من أبواب الداخل منه وهو الحرم، لا الخارج عنه وهو البراني الذي أبوابه على الطريق؛ فافهم، وسرعان الناس؛ بالتحريك: أوائلهم، ويقال: أخفَّاؤهم والمستعجلون منهم الذين يتسارعون إلى الخروج من المسجد ولا يلبثون فيه للذكر بعد الصلاة، ويلزم الإعراب نونه في كل وجه؛ أي: فهو برفع النُّون فاعل، وهذا هو الصَّواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللُّغة وكذا ضبطه المتقنون، وقال ابن الأثير: السَّرَعان؛ بفتح السين والرَّاء المهملتين: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الرَّاء).
قلت: وكذا نقله القاضي عياض عن بعضهم، قال: وضبطه الأصيلي في «البخاري» : بِضَمِّ السين وإسكان الرَّاء، ووجهه: أنَّه جمع سريع؛ كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، ومن قال: سِرَعان بكسر السين؛ فهو خطأ، ويقال أيضًا: سِرْعان؛ بكسر السين وسكون الرَّاء، وهو جمع سريع؛ كرعيل ورعلان، وأمَّا قولهم: سرْعانَ ما فعلت؛ ففيه ثلاث لغات: الضم والكسر والفتح، مع إسكان الرَّاء، والنُّون مفتوحة أبدًا، كذا قرره إمام الشارحين.
قلت: وما ذكره من أنَّ (سرْعانَ) فيه ثلاث لغات قد تبعه عليه صاحب «التنقيح» وغيره.
واعترضه الدماميني بأنَّ هذا في (سرْعانَ) اسم الفعل، وهي مبنية على الفتح دائمًا، لكنه عبر عنه بالنصب، وأمَّا هنا؛ فهو (سريع) معرب فنقل اللَّفظ في غير محله، انتهى.
قلت: واعتراض الدماميني متوجه على صاحب «التنقيح» ومن حذا حذوه، وأمَّا إمام الشَّارحين؛ فلم يخف عليه ذلك؛ حيث قال:(وأمَّا قولهم..) إلى آخره؛ فهذا كما رأيت يدل على أنَّه خارج عما هنا، ألا ترى إلى قوله في أول عبارته: (ويلزم الإعراب نونه
…
) إلى آخره؛ أي: فهو معرب، فلله دره من إمام، وحقيق بأن يقال له: إمام الشَّارحين؛ فافهم.
(فقالوا)؛ أي: السرعان؛ تعجبًا من صلاته عليه السلام الظُّهر أوالعصر ركعتين، وسلم منها، وكان في مسجده غير مسافر:(قُصِرت الصلاة؟)؛ بِضَمِّ القاف وكسر الصَّاد المهملة على البناء للمفعول، وفي رواية: بفتح القاف وضم الصَّاد المهملة على البناء للفاعل؛ أي: خفَّت وقلَّت ركعاتها؛ لأنَّه من القصر، وهو القلة من الكثرة، والمراد به: التخفيف.
قال المنذري: (الأَولى: البناء للمفعول؛ لقوله: «لم تُقْصَر»؛ للبناء له، ولا خلاف فيه، فكذا الأول).
واعترضه الدماميني، فقال:(وبهذا الترجيح نظر)، ولم يذكر وجهه.
قلت: ولعل وجهه أنَّه لا يلزم من كون قوله: «لم تقصر» بالبناء للمفعول بلا خلاف أن يكون قوله: (قصرت) بالبناء للمفعول أولى من البناء للفاعل مع أنَّهما روايتان؛ الأولى رواية الأكثرين، والثانية رواية البعض، ولم يعزها إمام الشَّارحين ولا غيره لأحد من الرواة، بل قال:(ويروى) وهو كافٍ؛ فافهم.
واللَّام في (الصلاة) للعهد؛ أي: المعهودة للمقيم، وهي الأربع، وكأنَّهم ظنوا نزول الوحي أو حدوث شيء يوجب قصر الصلاة، وسؤالهم إنَّما كان لبعضهم بعضًا أو للقوم الحاضرين في المسجد الذين لم يسرعوا في الخروج.
(وفي القوم أبو بكر) أي: الصديق الأكبر (وعمر) أي: ابن الخطاب رضي الله عنهما، والجملة حالية (فهاباه)؛ بضمير منصوب، ويروى بدونه لكنه مقدر، وهو عائد إلى النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وضمير التثنية المرفوع يعود لأبي بكر وعمر، وهو من الهيبة؛ وهو الخوف والإجلال، وقد هابه يهابه، والأمر منه: هَبْ؛ بفتح الهاء، انتهى، (أن يكلماه)؛ أي: خاف أبو بكر وعمر أن يسألا النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم عن صلاته ركعتين في الفرض الرُّباعي؛ لما علما منه الغضب؛ لأنَّه انصرف من الصلاة كأنَّه غضبان أو إجلالًا له؛ لاحتمال نزول أمر عليه، فخافا السآمة، فلم يكلماه بذلك، وكلمة (أن) : مصدرية، والتقدير من التكليم.
وقوله: (وفي القوم رجل) : جملة اسمية وقعت حالًا (في يديه) بالتثنية (طول يُقال) بِضَمِّ التحتية أوله (له) أي: لذلك الرجل: (ذو اليدين)، والجملتان صفتان لرجل، أو الثانية حالية أو مستأنفة.
وفي رواية الإمام الحافظ أبي جعفر الطَّحاوي: (فقام رجل طويل اليدين، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه: ذا اليدين)، وفي رواية:(رجل من بني سليم)، وفي رواية:(رجل يقال له: الخرباق بن عمرو، وكان في يده طول)، وفي رواية:(كان رجل بسيط اليدين)، وقع ذلك في رواية الطَّحاوي في حديث عمران بن حصين:(أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى بهم الظُّهر ثلاث ركعات ثم سلَّم وانصرف، فقال له الخرباق: يا رسول الله؛ إنَّك صلَّيت ثلاثًا، قال: فجاء فصلَّى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلَّم)، وأخرجه أحمد أيضًا في «مسنده» ، والطَّبراني في «الكبير» .
وخِرباق -بكسر الخاء المعجمة- ابن عبد عمرو السلمي، وهو الذي يقال له: ذو اليدين، وذو الشمالين أيضًا، وكلاهما لقب عليه.
وقال السمعاني: (ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين؛ لأنَّه كان يعمل بيديه جميعًا).
وقال ابن حبان في «الثقات» : ذو اليدين -ويقال له: ذو الشمالين أيضًا- ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي.
وقال أبو عبد الله العدني في «مسنده» : قال أبو محمَّد الخزاعي: ذو اليدين أحد أجدادنا، وهو ذو الشمالين، ابن عبد عمرو بن ثور بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر.
وقال ابن أبي شيبة في «مصنفه» : حدَّثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عكرمة قال:(صلَّى النَّبي عليه السلام بالناس ثلاث ركعات، ثم انصرف، فقال له بعض القوم: حدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟»، قالوا: لم تصل إلا ثلاث ركعات، فقال: «أكذلك يا ذا اليدين؟»، وكان يسمى: ذا الشِّمالين، فقال: نعم؛ فصلَّى ركعة وسجد سجدتين).
وقال ابن الأثير: (ذو اليدين: اسمه الخِرباق، من بني سليم، كان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة، وليس هو ذا الشمالين، خزاعي حليف لبني زهرة، قتل يوم بدر، وإنَّ قصة ذي الشمالين كانت قبل بدر، ثم أحكمت الأمور بعد ذلك).
وقال القاضي عياض في «شرح مسلم» : وأمَّا حديث ذي اليدين؛ فقد ذكر مسلم في حديث عمران بن الحصين: (أنَّ اسمه الخرباق، وكان في يديه طول)، وفي الرواية الأخرى:(بسيط اليدين)، وفي حديث أبي هريرة:(رجل من بني سليم)، ووقع للعذري:(سلم)، وهو خطأ، وقد جاء في حديث عبيد بن عُمَيْر مفسرًا، فقال فيه:(ذو اليدين أخو بني سليم)، وفي رواية الزهري:(ذو الشمالين رجل من بني زهرة)، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أنَّ حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود، قال: لأنَّ ذا الشمالين قتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير، وهو من بني سليم؛ فهو ذو اليدين المذكور في الحديث، وهذا لا يصح لهم إن كان قتل ذو الشمالين يوم بدر، فليس هو الخِرباق، وهو رجل آخر حليف لبني زهرة، واسمه عُمَيْر بن عبد عمرو
من خزاعة؛ بدليل رواية أبي هريرة حديث ذي اليدين ومشاهدته خبره، ولقوله: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
)، وذكر الحديث، وإسلام أبي هريرة بخيبر [بعد] يوم بدر بسنين
(1)
، فهو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر، وقد عدوا قول الزهري فيه هذا من الوهم، وقد عدها بعضهم حديثين في نازلتين، وهو الصَّحيح ولاختلاف صفتهما؛ لأنَّ في حديث الخِرباق ذي الشمالين: أنَّه سلَّم من ثلاث، وفي حديث ذي اليدين: من اثنتين، وفي حديث الخِرباق: أنَّها العصر، وفي حديث ذي اليدين: أنَّها الظُّهر بغير شك عند بعضهم، وقد ذكر مسلم ذلك كله، انتهى، وتبعه أبو عمر
(2)
بن عبد البر تعصبًا.
وردَّ ذلك كله إمام الشَّارحين حيث قال: قلت: الجواب عن ذلك كله مع تحرير الكلام في هذا الموضع: أنَّه وقع في كتاب «النسائي» : أنَّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد كلاهما لقب على الخِرباق، كما ذكرنا، حيث قال: أخبرنا محمَّد بن رافع: حدَّثنا عبد الرزاق: حدَّثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، عن أبي هريرة قال:(صلى النَّبي صلى الله عليه وسلم الظُّهر أو العصر، فسلم من ركعتين فانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عمرو: أنقصت الصلاة أم نسيت؟ قال: «ما يقول ذو اليدين؟!»، قالوا: صدق يا رسول الله، فأتمَّ بهم الركعتين اللتين نقصتا)، وهذا سند صحيح متصل، صرح فيه بأنَّ ذا الشمالين هو ذو اليدين.
وقال النسائي أيضًا: حدثنا هارون بن موسى الفروي: حدثني أبو ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال:(نسي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّم في سجدتيه، فقال ذو الشمالين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: «أصدق ذو اليدين؟»، قالوا: نعم، فقام فأتمَّ الصلاة)، وهذا أيضًا سند صحيح، صرح فيه أيضًا أنَّ ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس وغيره.
وقال النسائي أيضًا: حدثنا عيسى بن حماد: حدثنا اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:(أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يومًا فسلَّم في ركعتين ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله؛ أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: «لم تنقص الصلاة ولم أنس»، قال: بلى والذي بعثك بالحق، قال رسول الله: «أصدق ذو اليدين؟» قالوا: نعم، وصلى بالناس ركعتين)، وهذا أيضًا سند صحيح على شرط مسلم.
وأخرج نحوه الإمام الطَّحاوي عن ربيع المؤذن، عن شعيب بن اللَّيث، عن اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب
…
إلى آخره.
وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في «مصنفه» ؛ فثبت بهذا أنَّ الزهري لم ينفرد بذلك، وأنَّ المخاطب للنبي صلى الله عليه وسلم ذو الشمالين، وأنَّ من قال ذلك لم يهم، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في «الصَّحيحين» عدم صحته، فثبت أنَّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد، كلاهما لقب على الخِرباق، وهذا أولى من جعله رجلين؛ لأنَّه خلاف الأصل في هذا الموضع.
فإن قلت: أخرج البيهقي حديثًا واستدل به على بقاء ذي اليدين بعد النَّبي عليه السلام، فزعم أنَّ الذي قُتِل ببدر هو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة حليف بني زهرة من خزاعة، وأمَّا ذو اليدين الذي أخبر بسهوه عليه السلام؛ فإنَّه بقي بعده عليه السلام، كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله، ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان، قال: حدثني شعيث
(3)
بن مطير عن أبيه ومطير حاضروصدقه، قال شعيث: يا أبتاه؛ أخبرتني أنَّ ذا اليدين لقيك بذي خشب فأخبرك: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
؛ الحديث، ثم قال البيهقي:(وقال بعض الرواة في حديث أبي هريرة: «فقال ذو الشمالين: يا رسول الله؛ أقصرت الصلاة؟»، وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: كل من قال ذلك؛ فقد أخطأ، فإنَّ ذا الشمالين تقدم موته ولم يعقب، وليس له راوٍ).
قلت: هذا سنده ضعيف؛ لأنَّ فيه معدي بن سليمان، وقال أبو زرعة:(هو واهي الحديث)، وقال النسائي:(ضعيف الحديث)، وقال أبو حاتم:(يحدِّث عن ابن عجلان مناكير)، وقال أبو حيان:(يروي المقلوبات عن الثقات، والملزوقات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد).
وفي سنده أيضًا شعيث، وهو لم يعرف حاله، فهو مجهول، ووالده
(4)
مطير قال فيه ابن الجارود: لم يكتب حديثه، وذكره الذهبي في «الضعفاء» ، وقال:(لم يصح حديثه)، وفي «الكاشف» : مطير بن سليم عن ذي الزوائد، وعنه ابناه شعيث وسليم، لم يصح حديثه، ولضعف هذا السند قال البيهقي في «المعرفة» :(ذو اليدين بقي بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم فيما يقال)، ولقد أنصف في هذه العبارة.
ثم إنَّ قول شيخه أبي عبد الله: (كل من قال ذلك؛ فقد أخطأ) : خطأ وغير صحيح، روى مالك في «موطئه» عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان، عن أبي خيثمة: بلغني أنَّه عليه السلام ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار؛ الظُّهر أو العصر، فسلَّم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين -رجل من بني زهرة بن كلاب-: أقصرت الصلاة؟
…
؛ الحديث، وفي آخره: مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن
…
؛ بمثل ذلك، فقد صرح في هذه الرواية: أنَّه ذو الشمالين، لا يقال: إنَّه مرسل؛ لأنَّا نقول: ذكر أبو عمر
(5)
في «التَّمهيد» أنَّه متصل من وجوه صحاح، والدليل عليه ما ذكرناه مما روى النسائي آنفًا.
وقول الحاكم عن ذي الشمالين: (لم يعقب) يفهم من ظاهره أنَّ ذا اليدين أعقب، ولا أصل لذلك كما قاله الحفاظ.
فإن قلت: إنَّ ذا اليدين وذا الشمالين إذا كانا لقبًا على شخص واحد على ما جزمتم به؛ فهو يدل على أنَّ أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة؛ لأنَّ ذا اليدين الذي هو ذو الشمالين قتل ببدر وأبو هريرة أسلم عام خيبر وهو متأخر بزمان كثير، ومع هذا فأبو هريرة يقول: (صلى بنا رسول الله
…
)؛ الحديث، وفيه:(فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله)، أخرجه مسلم وغيره، وفي رواية: (صلى لنا رسول الله
…
)؛ الحديث.
قلت: أجاب الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي: بأنَّ معناه: صلى بالمسلمين وهو ليس منهم، وهذا جائز في اللُّغة كما روي عن النزال بن سبرة قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف
…
»؛ الحديث، والنزال لم ير
(6)
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما أراد بذلك: قال لقومنا، وروي عن طاووس قال: قدم علينا معاذ بن جبل، فلم يأخذ من الخضراوات شيئًا، وإنَّما أراد: قدم بلدنا؛ لأنَّ معاذًا قدم اليمن من عهده عليه السلام قبل أن يولد طاووس، ومثله ما ذكره البيهقي: أنَّ النَّهي مخصوص ببعض الأمكنة عن مجاهد قال: (جاءنا أبو ذر
…
) إلى آخره، قال البيهقي: مجاهد لم يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله:(جاءنا)؛ أي: جاء بلدنا؛ فافهم، انتهى كلام إمام الشَّارحين.
قلت: وعلى هذا فأبو هريرة كان حاضرًا تلك الصلاة، ولم يكن وقتئذٍ مسلمًا، وإطلاق قوله:(صلى لنا) أو (بنا) على قومه وغيرهم دونه شائع في كلام الله تعالى ورسوله عليه السلام وهو معروف في اللُّغة، كما لا يخفى.
وقال القرطبي: (لا يجوز أن يقال: «صلى بنا» وهو كافر ليس من أهل الصلاة، ويكون ذلك كذبًا) انتهى.
قلت: ممنوع، فإنَّه إن أراد غير جائز في اللُّغة، فما قدمنا صريح في الرد عليه، وأنَّه جائز، وإن أراد في غيرها؛ فجائز أيضًا، فإنَّ المجاز في الكلام لم ينكره أحد من أولي الألباب، ولا مانع من كونه كان كافرًا؛ لأنَّه لعله قد اهتدى بتلك الصلاة وأسلم بعدها.
وكونه كذبًا لعله كان جائزًا في دينهم؛ لأنَّ الإخبار به صحيح، وأراد به: قومه لا نفسه، فإنَّ الكفار لا يبالون بالكذب؛ لأنَّه غير حرام عندهم، فما زعمه هذا باطل.
فإن قلت: روي في بعض روايات «مسلم» : أنَّ أبا هريرة قال في قصة ذي اليدين: (بينا أنا أصلي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا صريح في أنَّه حضر تلك الصلاة وكان مسلمًا.
قلت: الروايات المشهورة: (صلى لنا) أو (بنا)، فيحتمل على
(1)
في الأصل: (بسنتين)، وليس بصحيح.
(2)
في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.
(3)
في الأصل: (شعيب)، وهو تصحيف، وكذا في المواضع اللاحقة.
(4)
في الأصل: (وولده)، وليس بصحيح.
(5)
في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.
(6)
في الأصل: (يرد)، ولعل المثبت هو الصواب.
هذه الرواية أنَّ بعض الرواة فَهِم من قوله: (صلى بنا) : أنَّه كان حاضرًا وصلى معهم، فروى الحديث بالمعنى على زعمه، وقال:(بينا أنا أصلي)، والرواية بالمعنى جائزة بالشروط، ويحتمل أن يكون المعنى: بينا أنا أريد الصلاة مع النَّبي عليه السلام والحال هو لم يدخل في الإسلام بل أراده؛ لما رأى من حسن صلاته عليه السلام، فأبو هريرة قد شاهد تلك الصلاة ولم يصلِّ معهم؛ لأنَّه كان كافرًا؛ فافهم.
والحاصل بل الصَّواب: أنَّ ذا اليدين المذكور في هذا الحديث هو ذو الشمالين، فهما لقبان لواحد على الصَّحيح، والله تعالى أعلم.
(قال) وفي رواية: (فقال)؛ أي: الرجل: (يا رسول الله؛ أنَسِيت) بفتح النُّون وكسر السين المهملة المخففة (أم قَصُرت الصلاة؟)؛ بفتح القاف وضم الصَّاد المهملة؛ لأنَّه من باب (فَعُل يَفعُل)؛ بالضم فيهما، فما زعمه العجلوني من أنَّه بفتح القاف وكسر الصَّاد غير ظاهر كما لا يخفى؛ أي: هل خفَّت من الأربع إلى الركعتين في الرُّباعي أم نسيت؟
(قال) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم له: (لم أَنْسَ) بفتح الهمزة وسكون النُّون مجزوم بحذف الألف (ولم تُقصر)؛ بِضَمِّ الفوقية أوله مبنيًّا للمفعول؛ أي: الصلاة، وفي رواية مسلم:(كل ذلك لم يكن)، وفي رواية أبي داود:(وكل ذلك لم أفعل)، وزعم النَّووي أنَّ معناه: لم يكن المجموع ولا ينفي أحدهما، والصَّواب: أنَّ معناه: لم يكن لا ذاك ولا ذا في ظني، بل ظني أنِّي أكملت الصلاة أربعًا، ويدل عليه قوله:(لم تُقصر ولم أنس).
ويقال: (لم أنس) : يرجع إلى السَّلام؛ أي: لم أنسه فيهإنَّما سلمت قصدًا، أو لم أنسه في نفس السَّلاموإنَّما سهوت عن العدد.
واعترضه القرطبي بأنَّه فاسد؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون جوابًا عما سئل عنه، ويقال: بين السَّهو والنِّسيان فرق
(1)
.
وقيل: كان عليه السلام يسهو ولا ينسى، فلذلك نفى عن نفسه النِّسيان؛ لأنَّ فيه غفلة ولم يغفل، قاله القاضي.
وقال القشيري: (الفرق بين السَّهو والنِّسيان في الاستعمال ظاهر في اللُّغة، وكان يلوح من اللَّفظ أنَّ النِّسيان: عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسَّهو: عدم الذكر لأمر يتعلق بها، ويكون النِّسيان: الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر، والسَّهو: عدم الذكر لا لأجل الإعراض).
واعترضه القرطبي بأنَّا لا نسلم الفرق، ولئن سلم؛ فقد أضاف عليه السلام النِّسيان إلى نفسه في غير ما موضع بقوله:«إنَّما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني» .
وقال القاضي عياض: إنَّما أنكر عليه السلام (نسيتُ) المضافة إلى نفسه، وهو قد نهى عن هذا بقوله:«بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت كذا، ولكنه نُسِّي» ، وقال أيضًا:«لا أنسى» على النَّفي «ولكن أُنَسَّى» ، وقد شك بعض الرواة، فقال:(أنسى أو أُنسَّى)، وأن (أو) للشك أو للتقسيم، وأنَّ هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يغلب ويجبر عليه، فلما سأله السائل بذلك؛ أنكره وقال:«كل ذلك لم يكن» ، وفي الأخرى:«لم أنس ولم تقصر» ، أمَّا القصر؛ فبيِّن، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسي ولكنَّ الله أنساني.
قال إمام الشَّارحين: (ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي: أنَّ النَّهي في الحديث عن إضافة «نسيت» إلى الآية الكريمة؛ لأنَّه يقبح للمؤمن أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام الله تعالى، ولا يلزم من هذا النَّهي الخاص النَّهي عن إضافته إلى كل شيء)؛ فافهم.
وقال إمام الشَّارحين: (تحقيق الكلام في هذا المقام أنَّ قوله: «لم أنس ولم تقصر» مثل قوله: «كل ذلك لم يكن» ؛ والمعنى: كل من القصر والنِّسيان لم يكن، فيكون في معنى: لا شيء منهما بكائن على شمول النَّفي وعمومه؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّ السؤال عن أحد الأمرين بـ «أم» يكون لطلب التَّعيين بعد ثبوت أحدهما عند التكلم لا على التَّعيين، غير أنَّه إمَّا بالتَّعيين أو بنفيهما جميعًا تخطئة للمستفهم، لا بنفي الجمع بينهما حتى يكون نفي العموم؛ لأنَّه عارف بأنَّ الكائن أحدهما.
والثاني: لما قال عليه السلام: «كل ذلك لم يكن» ؛ قال له ذو اليدين: «قد كان بعض ذلك» ، ومعلوم أنَّ الثبوت للبعض إنَّما ينافي النَّفي عن كل فرد لا النَّفي عن المجموع، وقوله:«قد كان بعض ذلك» موجبة جزئية، ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أنَّ ذا اليدين فهم السلب الكلي؛ لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي.
وههنا قاعدة أخرى: وهي أنَّ لفظة «كل» إذا وقعت في حيز النَّفي؛ كان النَّفي يوجبها خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد؛ كقولك: ما جاء كل القوم ولم آخذ كل الدراهم، وقوله:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه....
وإن وقع النَّفي في حيزها؛ اقتضى السلب عن كل فرد؛ كقوله عليه السلام: «كل ذلك لم يكن» ) انتهى كلام إمام الشَّارحين.
وهو الصَّواب الموافق للخطاب؛ فافهم، وكل ما قاله هؤلاء خارج عن المقام، وبعيد عن الأفهام إلا إمامنا الشَّارح، فإنَّه قد فهم موقع الخطاب، وتكلم بالصَّواب، فلله دره من إمام.
وقال الخطابي: («لم أنس ولم تقصر» : يتضمن أمرين: أحدهما: حكم في الدين، وهو لم تقصر -عصمه الله من الغلط فيه-؛ لئلا يعرض في أمر الدين إشكال، والآخر: حكاية عن فعل نفسه وقد جرى الخطأ فيه؛ إذ كان غير معصوم مما يدفع إليه البشر من الخطأ والنِّسيان، والأمر موضوع عن الناسي، وتلافي الأمر في المنسي سهل غير متعذر) انتهى.
قال العجلوني: (ومقتضاه: أنَّه «لم أنس» كذب، لكن محذور فيه، والأنزه أن يقال: لم أنس بحسب ظني فلا كذب؛ لأنَّ الظن هو الواقع والخبر مطابق له، فهو صدق) انتهى.
قلت: وهذا كله خارج عن المقام ولا يليق بهذا النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه وإن كان يجوز عليه الخطأ والنِّسيان لكن لا يقر عليه، بل يأتيه الوحي على الصَّواب، والأمر موضوع عن الناسي بالنسبة للأمة؛ لأنَّه عليه السلام قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنِّسيان
…
»؛ الحديث؛ أي: رفع إثم ذلك، أمَّا هو عليه السلام؛ فليس كذلك؛ لأنَّه وإن وقع منه، لكن لا يقره الله عليه، بل يوحي إليه بخلافه، ومع هذا فهو عليه السلام لم يقع في ظنه الخطأ والنِّسيان؛ لقوله:«كل ذلك لم يكن» ، فإخباره عليه السلام كان موافقًا للواقع في ظنه، لكن لما كان الأمر على خلافه؛ يوهم أنَّه خطأ ونسيان بحسب الواقع، وهو لا يوصف بأنَّه كذب؛ لأنَّه كان على غير قصد، والكذب: ما أخبر به عن قصد على خلاف الواقع، ومن الواجب الاعتقاد بأنَّه عليه السلام معصوم من الكذب ألبتة، فما زعمه الخطابي والعجلوني غير صواب، كما لا يخفى على أولي الألباب؛ فافهم.
ولهذا قال ابن حجر: (إنَّ العصمة ثابتة في الإخبار عن الله تعالى، وأمَّا إخباره عن الأمور الوجودية؛ فيجوز فيها النِّسيان) انتهى.
قلت: يعني: لكنَّه لا يقر عليه لوقوع الغلط في أمور الدين وهو محال؛ فليحفظ.
(فقال) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم للقوم الحاضرين: (أكما)؛ بهمزة الاستفهام؛ أي: هل الأمر واقع كما (يقول ذو اليدين)؛ أي: من أنَّي صليت ركعتين في الفرض الرُّباعي؛ وهي صلاة القصر، ولهذا قال: أقصرت؟ (فقالوا) أي: القوم: (نعم)؛ أي: الأمر كما يقول، وفي رواية للبخاري:(فقال الناس: نعم)، وفي رواية أبي داود:(فأومؤوا أي نعم).
قال إمام الشَّارحين: (ويمكن الجمع بينهما بأنَّ بعضهم أومأ وبعضهم تكلم.
فإن قلت: كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم في الصلاة؟
قلت: لأنَّهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة؛ لأنَّهم كانوا مجوزين نسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح:«أنَّ الجماعة أومؤوا -أي: أشاروا- أي نعم» ، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا) انتهى.
وقال النَّووي: (هذا كان خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم وجوابًا، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا) انتهى.
قلت: هذا بعيد عن النَّظر؛ لأنَّه ولو كان خطابًا فهو مبطل، بل إنَّما المبطل
(1)
في الأصل: (فرقًا)، وليس بصحيح.
ما كان عن قصد خطاب، والظَّاهر أنَّ قول الراوي:(فقالوا: نعم)؛ أي: أشاروا برؤوسهم أي نعم، ويدل عليه رواية أبي داود:(فأومؤوا)، فيكون الرواي روى ذلك بالمعنى على أنَّه يحتمل أنَّ الذي تكلم أمره عليه السلام بالإعادة بعده، وهو غير بعيد، هذا وسيأتي أنَّ الكلام في الصلاة كان مباحًا ثم مُنِع منها؛ لحديث:«إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنَّما هي التسبيح وقراءة القرآن» ، فهذا كله منسوخ، ويدل له قوله تعالى:{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، كما سيأتي تحقيقه.
(فتقدم) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم لمكانه الأول أو غيره على القوم، (فصلى ما ترك)؛ أي: الذي تركه من الركعتين (ثم سلَّم)؛ أي: من صلاته؛ لكونها قد تمت، (ثم كبر)؛ أي: لسجود السَّهو، وقول العجلوني؛ أي: للإحرام؛ غير ظاهر كما لا يخفى، (وسجد مثل سجوده) أي: للصلاة (أو أطول) أي: منه، (ثم رفع رأسه)؛ أي: من السُّجود مكبرًا، (ثم كبر)؛ أي: للسجود ثانيًا، وسقط لابن عساكر:(ثم كبر)، (وسجد مثل سجوده) أي: للصلاة (أو أطول)؛ أي: منه، فالسُّجود وقع منه مرتين؛ لأنَّ سجود السَّهو سجدتان، ففيه دليل على الاجتزاء بسجدتين عن السَّهوات؛ لأنَّه عليه السلام سها عن الركعتين وتكلم ناسيًا، واقتصر على السجدتين، وفيه دليل على أنَّ سجود السَّهو
(1)
سجدتان، وفيه: دليل وحجة للإمام الأعظم ومن قال بقوله: إنَّ سجدتي السَّهو
(2)
بعد السَّلام، وهو حجة على الشَّافعي في أنها قبل السَّلام، وكأنَّه لم يبلغه هذا الحديث؛ فافهم.
(ثم رفع رأسه وكبَّر)؛ أي: للرفع من السُّجود؛ أي: وسلم، كما سيأتي، وإنَّما فعل هذا؛ لأنَّه قد رجع إلى قول القوم في أنَّه صلى ركعتين، فأتمها، وهو دليل واضح لمذهب الإمام الأعظم في أنَّ الساهي يرجع إلى كلام القوم ويبني على غالب ظنه، وهو المرجح عن مالك.
وزعم الشَّافعية أنَّ الساهي يعمل بيقينه ولا يرجع إلى قول القوم، وهو رواية عن مالك، والحديث حجة عليهم، وأجاب النَّووي: بأنَّه عليه السلام سألهم؛ ليتذكر، فلما ذكَّروه؛ تذكر بعلم السَّهو، فبنى عليه لا أنَّه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره؛ لرجع ذو
(3)
اليدين حين قال عليه السلام: «لم أنس ولم تقصر» .
وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ هذا ليس بجواب مخلص؛ لأنَّه لا يخلو من الرجوع إليهم سواء كان رجوعه للتذكير أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لا لأجل يقين نفسه) انتهى.
قلت: وعلى كل حال فالرجوع إلى قول القوم موجود يدل عليه أنَّه عليه السلام سأل القوم عما يقوله ذو اليدين، فحين قالوا: نعم؛ أخذ بقولهم وتقدم وتمم صلاته، فلو كان ذلك لأجل التذكير؛ لكان اقتصر على سؤال ذي اليدين ولم يسأل القوم؛ فافهم.
قال ابن عون: (فربما سألوه)؛ أي: ابن سيرين: هل في الحديث: (ثم سلم؟)؛ يعني: سألوا ابن سيرين: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا السُّجود هل سلم مرة أخرى أو اكتفى بالسَّلام الأول؟ وكلمة (رُبَّ) أصلها للتقليل، وكثر استعمالها في التكثير، ويلحقها كلمة (ما) فتدخل على الجمل، قاله إمام الشَّارحين.
ولم يبين أحد من الشراح السائل له عن ذلك، والظَّاهر أنَّه من دونه من الرواة؛ فافهم.
(فيقول)؛ أي: ابن سيرين، وللأصيلي:(يقول) : (نُبئت)؛ بِضَمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول؛ أي: أخبرت (أنَّ عمران بن حُصَين) بضم الحاء المهملة وفتح الصاد
(4)
(قال) أي: في روايته: (ثم سلم)؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بعد هذا السُّجود مرة أخرى، وهذا يدل على أنَّ ابن سيرين لم يسمع:(ثم سلم) من عمران.
وقد بيَّن أبو داود في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران، فقال: حدثنا محمَّد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن المثنى قال: حدثني الأشعث بن محمَّد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهلب، عن عمران بن حصين:(أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلَّم).
ورواية ابن سيرين عن خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر، وكذا رواه النسائي، والترمذي وقال:(حسن غريب)، ورواه الطَّحاوي من حديث شعبة عن خالد الحذاء قال: سمعت أبا قلابة يحدِّث عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظُّهر ثلاث ركعات، ثم سلم وانصرف، فقال له الخِرباق: يا رسول الله؛ إنَّك صليت ثلاثًا، قال: فجاء فصلى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلَّم).
وأبو قلابة: اسمه عبد الله بن زيد الحرمي، واسم عمه أبي المهلب عمرو بن معاوية، قاله النسائي، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النَّضر بن عمرو، قاله إمامنا الشَّارح.
قلت: ولا يقدح هذا الاختلاف؛ لأنَّه قد اشتهر بأبي المهلب؛ فافهم.
وفي الحديث: دليل على جواز تشبيك الأصابع في المسجد على ما ترجم عليه الباب.
وفيه دليل على أنَّ من قال ناسيًا: لم أفعل كذا، وكان قد فعله؛ أنَّه غير كاذب.
وفيه: جواز التلقيب الذي سبيله التعريف دون التهجين.
وفي الحديث: دليل على أنَّ الذي عليه السَّهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد، وقضى ما عليه؛ أنَّه يصح ذلك؛ لأنَّه عليه السلام تقدم فصلى، وفي رواية:(فرجع إلى مقامه)، وفي رواية عمران:(فجاء فصلى ركعة)، وهذا مجمل، وقد فصله الفقهاء رضي الله عنهم:
فذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين أنَّه إذا سلم ساهيًا على الركعتين وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ولم يتكلم؛ عاد إلى القضاء لما عليه، ولو اقتدى به رجل؛ يصح اقتداؤه، أمَّا إذا صرف وجهه عن القبلة، فإن كان في المسجد ولم يتكلم؛ فكذلك؛ لأنَّ المسجد كله في حكم مكان واحد؛ لأنَّه مكان الصلاة، وإن كان خرج من المسجد ثم تذكر؛ لا يعود إليه، وتفسد صلاته، وأمَّا إذا كان في الصحراء، فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمين أو اليسار؛ عاد إلى القضاء لما عليه، وإن جاوزها؛ فلا يعود وتفسد صلاته، وإن مشى أمامه، فإن كان مشى قدر الصفوف التي خلفه؛ تفسد صلاته، وإن كان أقل؛ فلا تفسد، وعليه القضاء لما عليه، وهو مروي عن الإمام أبي يوسف؛ اعتبارًا لأحد الجانبين بالآخر، وقيل: إذا جاوز موضع سجوده؛ تفسد صلاته، وإن لم يجاوزه؛ لا تفسد، وعليه قضاء ما تركه، وهو الأصح.
وعند الشَّافعي وجهان؛ أحدهما: أنَّ الذي عليه السَّهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد وقضى ما عليه؛ أنَّه يصح؛ لأنَّه ثبت في رواية مسلم: أنَّه عليه السلام مشى إلى الجذع وخرج السرعان، وفي رواية:(دخل منزله)، وفي رواية:(دخل الحجرة، ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته).
والوجه الثاني وهو المشهور عنده: أنَّ الصلاة تبطل بذلك، وقال النَّووي:(وهذا مشكل، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها) انتهى.
قلت: وكأنَّه استشكله هو وإمامه، واستصعبا التأويل؛ لأنَّ ما ذكره مخالف للحديث ومصادم له، كما لا يخفى.
أمَّا على مذهب الإمام الأعظم؛ فالأمر ظاهر بلا إشكال؛ لأنَّه صريح الحديث
(1)
في الأصل: (السَّهوي).
(2)
في الأصل: (السَّهوي).
(3)
في الأصل: (ذي)، وليس بصحيح.
(4)
في الأصل: (بفتح المهملتين)، والمثبت موافق لما في المصادر.
وموافق له، كما لا يخفى.
وعن مالك: أنَّه ما لم ينتقض وضوءه؛ يجوز له ذلك وإن طال الزمن، وكذا روي عن ربيعة مستدلين بحديث عمران.
قلت: هو مخالف للحديث؛ لأنَّه ليس فيه عدم نقض الوضوء، ولا تعرض إليه ولا إشارة إليه، بل الذي فيه أنَّه ما لم يخرج من المسجد؛ لأنَّه عليه السلام لم يخرج منه، وخروجه إلى منزله أو حجرته ليس بمنافٍ؛ لأنَّ منزله من المسجد وفنائه، بدليل صحة الاعتكاف فيه كما قدمناه؛ فافهم.
واستدل بالحديث قوم على أنَّ الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة؛ لا يقطع الصلاة، وأنَّ الكلام من الإمام والمأمومين فيها على السَّهو؛ لا يقطع الصلاة، وهو قول مالك، وربيعة، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق.
قال ابن عبد البر: ذهب الشَّافعي إلى أنَّ الكلام والسَّلام ساهيًا في الصلاة لا يبطلها كقول مالك، وإنَّما الخلاف أنَّ مالكًا كان يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم، وأنَّ الشَّافعي يقول: من تعمد الكلام وهو يعلم أنَّه لم يتم صلاته وأنَّه فيها؛ فسدت صلاته، فإن تكلم ناسيًا أو تكلم وهو يظن أنَّه ليس في الصلاة؛ لا يبطلها.
وقال أحمد ابن حنبل: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها؛ لم تفسد، فإن تكلم لغير ذلك؛ فسدت، ذكره الأشرم، وقال الخرقي عنه: أنَّ من تكلم عامدًا أو ساهيًا؛ بطلت صلاته إلا الإمام خاصة، فإنَّه إذا تكلم لمصلحة صلاته؛ لم تبطل صلاته.
وأجمع المسلمون على أنَّ الكلام عامدًا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنَّه في الصلاةولم يكن ذلك في إصلاح صلاته؛ أنَّه يفسد الصلاة إلا ما روي عن الأوزاعي أنَّه قال: من تكلم لإحياء نَفْسٍ أو مثله من الأمور الجسام؛ لا تفسد صلاته بذلك، انتهى.
قلت: وهذا الاستدلال فاسد، ولا سلف ولا خلف لهم في ذلك، والصَّواب من القول ما ذهب إليه الإمام الأعظم رأس المجتهدين وأصحابه والجمهور أنَّ الكلام في الصلاة يبطلها سواء كان ناسيًا أو جاهلًا، لإصلاحها أو لا، كيفما كان، وهو قول سفيان الثَّوري، وإبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن البصري، وحمَّاد بن سليمان، وقتادة، وغيرهم.
قال الحارث بن مسكين: (أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليدين إلا ابن القاسم وحده؛ فإنَّه يقول بقوله، وأمَّا أصحابه؛ فيأبونه ويقولون: إنَّما كان هذا في صدر الإسلام، فأمَّا الآن؛ فقد عرف الناس صلاتهم، فمن تكلم فيها؛ أعادها، وهو قول العراقيين، والثَّوري، والنخعي، وعطاء، والحسن، وحمَّاد، وقتادة، فإنَّهم ذهبوا إلى أنَّ الكلام في الصلاة يفسدها على أيِّ حال كان، وقالوا: إنَّ حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن الأرقم، قالوا: وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام؛ فإنَّه أرسل حديث ذي اليدين، كما أرسل حديث: «من أدركه الفجر جُنبًا؛ فلا صوم له»، وكان كثير الإرسال) انتهى.
قلت: أمَّا حديث ابن مسعود؛ فرواه المؤلف ومسلم في «صحيحيهما» في (المناقب) في باب (هجرة الحبشة) وغيره: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نُسلِّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي؛ سلمنا عليه، فلم يرد علينا، قلنا: يا رسول الله؛ كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي؛ سلمنا، فلم ترد علينا، فقال عليه السلام:«إنَّ في الصلاة لشغلًا» .
وأمَّا حديث زيد؛ فرواه أبو داود في «سننه» وغيره: عن زيد بن أرقم قال: (كنا نتكلم في الصلاة؛ يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238]، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام)، وقال جماعة: معنى قوله تعالى: {قَانِتِينَ} : ساكتين، وهو قول السدي؛ لأنَّ الآية نزلت في المنع عن الكلام في الصلاة، وكان مباحًا في صدر الإسلام.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه كما رواه أصحاب السنن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ الله أحدث من أمره ألَّا تكلموا في الصلاة» .
وقال إمام الشَّارحين: والدليل على أنَّ الحديث منسوخ أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما كان عليه السلام عمله يوم ذي اليدين، والحال أنَّه كان في من حضر يوم ذي اليدين، فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك؛ لما عمل بخلاف ما عمل به النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.
وأيضًا فإنَّ عمر رضي الله عنه قد فعل ذلك بحضرة الصَّحابةرضي الله عنه، ولم ينكر عليه منهم أحد، فصار ذلك منهم إجماعًا على النَّسخ.
وروى الحافظ الطَّحاوي ذلك عن ابن مرزوق قال: حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود قال: سمعت عطاء يقول: (صلى عمر بن الخطاب بأصحابه، فسلَّم في ركعتين، ثم انصرف، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي جهزت عِيرًا من العراق بأجمالها وأحقابها حتى وَرَدت المدينة، قال: فصلى بهم أربع ركعات) انتهى.
قلت: وكأنَّ المخالف لنا لم يبلغه نزول الآية، ولا حديث ابن مسعود ولا زيد بن الأرقم، ولا صلاة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وهذا ضرب من الإجماع، بل الإجماع كله؛ لأنَّ الذين أجمعوا على منع الكلام في الصلاة من أصحاب النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ثلاثة أفتوا به؛ عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن الأرقم رضي الله عنهم.
ولم يُرْوَ عن أحد من الصَّحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف هؤلاء الثلاثة بعد نزول الآية لا بإسناد متصل ولا منقطع، فكأنَّ الصَّحابة أجمعوا على أنَّ الكلام في الصلاة يفسدها على كل حال، وبه قال سليمان بن داود، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، ومحمَّد بن نصر، ومحمَّد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمَّد بن إسماعيل، وغيرهم من أهل الحديث، والله تعالى أعلم.
وفي «العجلوني» : (وفيه: أنَّ من تكلم ناسيًا؛ لا تفسد صلاته؛ لأنَّه عليه السلام تكلم لظنه أنَّه أكمل الصلاة، وسبيله سبيل الناسي، وأمَّا ذو اليدين؛ فأمره متأول؛ لأنَّ الزمان زمان نسخ، فجرى منه مجرى من هو خارج الصلاة، وأمَّا كلام الشيخين؛ فإنَّه كان واجبًا عليهم إجابته؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24]، فلم يقدح في صلاتهم) انتهى.
قلت: وهذا فاسد؛ لأنَّه عليه السلام وإن كان ظنه أنَّه أكمل صلاته، فليس سبيله سبيل الناسي، فلا دليل فيه لما ذكر؛ لأنَّ بين الناسي وغيره فرقًا بيِّنًا، ولا عذر للناسي؛ لأنَّ قوله عليه السلام:«رُفِع عن أمتي الخطأ والنِّسيان» ؛ معناه: رفع إثمهما، على أنَّه قال:«عن أمتي» ، ولم يقل: عني، والنِّسيان لا يضر عليه من الله تعالى.
وأمَّا ذو اليدين؛ فعلى ما ذكره؛ صلاته فسدت، فهو تناقض في كلامه، كما لا يخفى.
وأمَّا كلام الشيخين
…
إلخ؛ فيه نظر، بل هو قادح في صلاتهم؛ لأنَّ الآية إنَّما هي
(1)
في الدعاء خارج الصلاة لا فيها؛ للقرينة الدَّالة على ذلك؛ لأنَّه
(2)
فيها ممنوع منه، كما لا يخفى.
وظاهر الحديث يدل على أنَّ العمل الكثير والخطوات في الصلاة لا تبطلها، واختلف في ذلك، ومذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين أنَّ العمل الكثير يبطل الصلاة، وكذا المشي فيها خطوات.
واختلف أيضًا في العمل الكثير؛ فظاهر الرواية عن الإمام الأعظم: أنَّه مفوض لرأي المصلي، فإن رآه كثيرًا؛ فكثير، وإن قليلًا؛ فقليل، وقيل: إنَّه ما استكثره الناظر، والقليل ما استقله، وقيل: إنَّه ما فعل ثلاث مرات متواليات في ركن واحد، وقد صححه غير واحد، وعلى هذا فالنَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم رأى أنَّ هذا العمل قليل، وأنَّه غير مفسد، ولذلك بنى على صلاته وأتمها، ونقل النَّووي: أنَّ المشهور عن الشَّافعي أنَّ العمل الكثير يبطل الصلاة، وهو ثلاث حركات.
واعترضه الكرماني بأنَّ الذي رجحه في «التحقيق» أنَّها لا تبطل بذلك، واعترضه العجلوني بأنَّه ضعيف، بل الراجح أنَّها تبطل بالعمل الكثير وإن كان ناسيًا، انتهى.
قلت: قد نص الكرماني كلامه وعزاه إلى «التحقيق» ، وأنَّه المرجح، وهو كتاب معتمد عندهم، ولعله قول
(1)
في الأصل: (هو)، ولعل المثبت هو الصواب.
(2)
زيد في الأصل: (في)، ولعل المثبت هو الصواب.