الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجسم من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى ما فوق العرش في مقدار ثلث الليل مما لا يقبله العقل، وكذا استحاله أهل الفلك والحكماء؛ بناء على أنَّ السماء جرم من الأجرام مركب على قوائم بالأرض، فبالصعود إليها ينخرق منها موضع لعروجه، والجرم متى انخرق؛ سقط، وهذا مردود.
قال الإمام: ومما يدل على جواز الإسراء عقلًا أنه ثبت في الهندسة: أن قرص الشمس يساوي كرة الأرض مئة ونيفًا وستين مرة، ثم إنا نشاهد أن طلوع القرص يحصل في زمان لطيف سريع، وذلك يدل على أن بلوغ الحركة في السرعة إلى الحد المذكور أمر ممكن في نفسه غاية ما في الباب أنه يبقى التعجب إلا أن مثله لا يختص بهذا المقام، بل هو حاصل في جميع المعجزات، فمجرد التعجب لا يستلزم الإنكار والبطلان، وأيضًا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة ممتنعًا؛ كان القول بنزول جبريل عليه السلام من العرش إلى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعًا، ولو حكمنا بهذا الامتناع؛ كان ذلك طعنًا في نبوة جميع الأنبياء عليهم السلام، والقول بثبوت المعراج متفرع على تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أنَّ القائلين: بامتناع حصول حركة جسمانية سريعة إلى هذا الحد؛ يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل عليه السلام في لحظة واحدة من العرش إلى مكة، ولما كان ذلك باطلًا؛ كان ما ذكر أيضًا باطلًا.
فإن قالوا: نحن لا نقول: أنَّ الحجب الجسمانية عن روح النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرًا منجليًا في ذات جبريل عليه السلام.
قلنا: تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، وأما جمهور المفسرين؛ فهم يقرون بأن جبريل عليه السلام جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأملاك إلى مكة، وإذا كان كذلك؛ كان الإلزام المذكور قويًّا، وهذا تقرير ما ذهب إليه الأكثرون، والله تعالى أعلم.
وقال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: ما وجه ذكره هذا الباب بعد قوله: «كتاب الصلاة» ، وما وجه تتويج الأبواب الآتية بهذا الباب؟
قلت: لأنَّ هذا الكتاب مشتمل على أمور الصلاة وأحوالها، ومن جملتها معرفة كيفية فرضيتها؛ لأنَّها هي الأصل، والباقي عارض، فما بالذات مقدم على ما بالصفات) انتهى.
(وقال ابن عباس) هو عبد الله، حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن، وهذا تعليق من البخاري، وقطعة من حديث طويل مسند ذكره في أول الكتاب:(حدثني)؛ بالإفراد (أبو سفيان) : هو صخر بن حرب؛ بصاد مهملة، وخاء معجمة، آخره راء، وفي الثاني: بحاء مهملة، وراء، وموحدة، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، وهو والد سيدنا معاوية الكبير وإخوته
(1)
، أسلم ليلة الفتح، ومات بالمدينة سنة إحدى وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم (في حديث هِرَقل)؛ بكسر الهاء، وفتح الراء على المشهور، وحكى جماعة: إسكان الراء، وكسر القاف؛ كخندف؛ منهم الجوهري؛ وهو اسم أعجمي تكلمت به العرب علم غير منصرف؛ للعلمية والعجمة، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه توفي النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، ولقبه قيصر، وهو ملك الروم، كما أن من ملك الفرس؛ يقال له: كسرى، ومن ملك الترك؛ يقال له: خاقان.
قال المؤلف في أول الكتاب: حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن عبد الله بن عباس أخبره: (أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش
…
) إلى أن قال: (وسألتك بما يأمركم، فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان
…
)؛ الحديث، وفيه قوله:(فقال)؛ أي: أبو سفيان لهرقل (يأمرنا) : وفي رواية المؤلف: (ويأمرنا)؛ بالواو (يعني) أي: يقصد ويريد (النبيَّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم : فلفظة (النبي) منصوبة؛ لأنَّه مفعول لقوله: (يعني)، ومرفوعة فاعل لقوله:(يأمرنا)(بالصلاة)؛ أي: بإقامة العبادة المخصوصة، والأفعال المعلومة، المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، فيفعلونها سالمة عن الاعوجاج، والميل عن الحالة التي شرعت عليها، ويواظبون عليها ويؤدونها على أحسن الحالات، (والصدق)؛ أي: القول المطابق للواقع، وفي رواية للمؤلف:(ويأمرنا بالصلاة والصدقة)؛ يعني: الزكاة والنافلة، وفي رواية مسلم:(ويأمرنا بالصلاة والزكاة)(والعفاف)؛ أي: الانكفاف عن المحرمات وخوارم المروءات، وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في أربعة عشر موضعًا، وأخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، ووجه مناسبته هنا في مطابقته للترجمة هو ما قاله إمام الشَّارحين: إن معرفة كيفية الشيء بالشيء تستدعي معرفة ذاته قبلها
(2)
، فأشار بهذا أولًا إلى ذات الصلاة من حيث الفرضية، ثم أشار إلى كيفية فرضيتهما بذكر حديث الإسراء، فصار ذكر قول ابن عباس المذكور توطئةً وتمهيدًا لبيان كيفيتها، فدخل فيها، فبهذا الوجه دخل تحت الترجمة، وهذا مما سنح به خاطري من الأنوار الإلهية، ولم يسبقني بهذا أحد من الشراح) انتهى.
وزعم ابن حجر أن وجه المناسبة في هذا للترجمة أن فيه الإشارة إلى أنَّ الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة؛ لأنَّ أبا سفيان لم يلق النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون أمرًا له بطريق الحقيقة، والإسراء كان قبل الهجرة بلا خلاف، فظهرت المناسبة، ورده إمام الشَّارحين، فقال: قلت: الترجمة في كيفية الفرضية؛ يعني: كيف فرضت؟ لا في بيان وقت الفرض، فكيف تظهر المناسبة حتى يقول هذا القائل: فظهرت المناسبة، وليس في هذا الحديث الذي رواه ابن عباس مطولًا ما يشعر بكيفية فرضية الصلاة بل يذكر ذلك في حديث الإسراء الآتي؟ ولكن يمكن أن يوجه لذكر هذا ههنا وجه؛ وهو أن معرفة
…
إلى آخر ما ذكرناه عن إمام الشَّارحين، انتهى.
قلت: وقول ابن حجر: (لأن أبا سفيان لم يلق النبيَّ صلى الله عليه وسلم : ممنوع؛ لأنَّه لا دليل عليه.
وقوله: (لقاء يتهيأ
…
) إلخ: كلام متناقض
(1)
في الأصل: (وأخواته)، ولعل المثبت هو الصواب.
(2)
في الأصل: (قبلهما)، ولعل المثبت هو الصواب.
لا دليل عليه؛ فافهم.
قلت: ويستنبط من هذا الحديث أمور؛ الأول: افتراض الصلاة، الثاني: وجوب الصدق فيما يقوله المطابق للواقع، الثالث: فيه وجوب العفاف، الرابع: فيه وجوب الزكاة، الخامس: فيه
…
(1)
[حديث: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري]
349 -
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا يحيى ابن بكير)؛ بضم الموحدة: هو أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري، ونسبه لجده؛ لشهرته به (قال: حدثنا الليث)؛ بالمثلثة: هو ابن سعد الفهمي الحنفي، (عن يونس) : هو ابن يزيد، وفي رواية:(حدثني يونس)(عن ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم الزهري، (عن أنس بن مالك) : الصحابي الجليل رضي الله عنه، (قال: كان أبو ذر)؛ بالذال المعجمة المفتوحة، وتشديد الراء: هو جندب -بضم الجيم، والدال المهملة- ابن جنادة -بضم الجيم- الغفاري، وكان يقول: يحرم على الإنسان ما زاد على حاجته من المال رضي الله تعالى عنه (يحدث)؛ بضم التحتية أوله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فُرِج)؛ بضم الفاء، وكسر الراء، وبالجيم؛ أي: فتح (عن سقف بيتي)؛ يعني: فتح فيه فتح، وروي:(فشق).
فإن قلت: كان البيت لأم هانئ، فكيف قال:(بيتي) بإضافته لنفسه؟
قلت: إضافته إليه لأدنى ملابسة، وهذا كثير في كلام العرب كما يقول أحد حاملي الخشبة للآخر: خذ طرفك، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وأم هانئ: هي بنت أبي طالب، وأخت علي، تزوجها هبيرة بن أبي المغيرة المخزومي، فإنه عليه السلام كان تلك الليلة نائمًا في دارها رضي الله عنها.
وفي «عمدة القاري» : (فإن قلت: روي أيضًا أنه كان في الحطيم، فكيف الجمع بينهما؟
قلت: أما على كون العروج مرتين؛ فظاهر، وأما على كونه مرة واحدة؛ فلعله عليه الصلاة والسلام بعد غسل صدره دخل بيت أم هانئ، ومنه عرج به إلى السماء، والحكمة في دخول الملائكة من وسط السقف ولم يدخلوا من الباب كونُ ذلك أوقع صدقًا في القلب فيما جاؤوا به) انتهى.
(وأنا بمكة) : جملة اسمية محلها نصب؛ لأنَّها وقعت حالًا، (فنزل جبريل عليه السلام؛ أي: من الموضع المفروج في السقف مبالغة في المفاجأة، (ففرج عن) : وفي رواية بإسقاط لفظة: (عن)(صدري)؛ بفتح الفاء، والراء، والجيم، وهو فعل ماض؛ أي: شقه، وفي رواية:(شرح صدري)، ومنه:{شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ} [الزمر: 22]، فالشرح: التوسعة، ومكان فسيح؛ أي: واسع، وقد شرح الله صدره عليه [الصَّلاة] والسَّلام بحيث وسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق بعد ما ضاق عنهما جميعًا، فإن مقام حضور الحق سبحانه ومناجاته مقام شهود الحق أو لغيبته عن الخلق، ومن كان غائبًا عن الخلق؛ كيف يتأتى له دعوة الخلق ومعاناتهم؟! فإن دعوتهم تستلزم الحضور معهم، والحضور مع المخلوق ينافي الحضور مع الخالق ظاهرًا فيضيق الصدر عن الجمع بينهما، فكان حاضرًا مع الحق، مستغرقًا في مقام مناجاته دائمًا، وهو غائب عنه، مشتغل بدعوة الخلق ظاهرًا، فكان غائبًا حاضرًا.
فإن قلت: ذكر ابن إسحاق أنه عليه السلام شق صدره وهو مسترضع في بني سعد عند حليمة، ورجحه القاضي عياض؟
قلت: أجيب: بأن ذلك وقع مرتين والحكمة في الشق؛ الأول: نزع العلقة التي قيل له عليه السلام عند نزعها: هذا حظ الشيطان منك، وفي الثاني: ليكون مستعدًّا للتلقي؛ لما حصل له في تلك الليلة، قاله السهيلي، وقد روى الطيالسي والحارث في «مسنديهما» من حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّ الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل عليه السلام إليه بالوحي في غار حراء، وفي «الدلائل» لأبي نعيم:(أن صدره عليه السلام شق وعمره عشر سنين)، ومثله في «الأحاديث الجياد» لمحمد بن عبد الواحد، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» .
(ثم غسله بماء زمزم) : والغسل طهور، والطهور شطر الإيمان، و (زمزم) غير منصرف؛ اسم للبئر الذي في المسجد الحرام، إنَّما خصه؛ لفضله على غيره؛ أو لأنَّه يقوي القلب، (ثم جاء بطَسْت)؛ بفتح الطاء، وسكون السين المهملة، آخره مثناة فوقية، قال ابن سيده:(الطس، والطست، والطسة معروف)، وجمع الطس: أطساس، وطسوس، وطسيس، وجمع الطسة والطسة: طساس، ولا يمنع أن يجمع طسة على طسيس، بل ذلك قياسه، والطساس: بائع الطسوس، والطساسة: حرفته، وعن أبي عبيد:(الطست فارسي).
قلت: هو في الفارسية بالشين المعجمة، وقال الفراء:(طيِّئ تقول: طست، وغيرهم يقول: طس)، وهذا يرد ما حكاه ابن دحية، قال الفراء:(يقال: الطسة أكثر في كلام العرب من الطس، ولم يسمع من العرب: الطست)، وقال ابن الأنباري:(يقال: الطست؛ بفتح الطاء وكسرها، قاله أبو زيد)، وقال ابن قرقول:(طَس؛ بالفتح والكسر، والفتح أفصح، وهي مؤنثة، وخص الطست بذلك دون بقية الأواني؛ لأنَّه آلة الغسل عرفًا)، كذا في «عمدة القاري» .
(من ذهب) : وكلمة (من) بيانية؛ وهو اسم للحجر الرزين المعلوم، وليس فيه ما يوهم استعمال آنية الذهب، فإن ذلك فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا، أو لأنَّ ذلك كان أول الأمر قبل استعمال الأواني من النقدين؛ لأنَّه كان على أصل الإباحة، والتحريم إنَّما كان بالمدينة، وإنما كان الطست من ذهب؛ لأنَّه أعلى أواني الجنة وهو رأس الأثمان وله خواص؛ منها: أنه لا تأكله النار في حال التعليق، ولا تأكله الأرض، ولا تغيره، وهو أنقى شيء وأصفاه، وقال في المثل:(أنقى من الذهب)، وهو بيت الفرح والسرور، قال الشاعر:
صفرًا لا تتنزل الأحزان ساحتها
…
لو مسها حجر مسته ضراء
وهو أثقل الأشياء، فيجعل في الزيبق الذي هو أثقل الأشياء، فيرسب وهو موافق لثقل الوحي وهو عزيز، وبه يتم الملك، كذا في «عمدة القاري» .
قلت: وإنما كان الذهب أعز الأشياء؛ لأنَّه حين كان في الجنة آدم ووقع منه ما وقع من أكل الشجرة فجميع الأشياء فرحت حتى تنزل إلى الدنيا إلا الذهب، فإنه حزن على مفارقة الجنة، وكذلك الفضة، فإنها أيضًا حزنت على ذلك، فأبدلهما سبحانه بأن جعلهما أعز الأشياء، والله أعلم.
(ممتلئ)؛ بالجر صفة لـ (طست)، وتذكيره باعتبار الإناء؛ لأنَّ الـ (طست) مؤنثة (حكمةً وإيمانًا) : منصوبان على التمييز، وجعل الحكمة والإيمان في الإناء، وإفراغهما فيه مع أنَّهما معنيان، وهذه صفة الأجسام من أحسن المجازات، أو أنه من باب التمثيل، أو تمثيلله النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها، ومعنى المجاز فيه: كأنه جعل في الطست شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسمَّى ذلك الشيء حكمة وإيمانًا؛ لكونه سببًا لهما، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (والحكمة: اسم من حكُم؛ بضم
(1)
بياض في الأصل
عين الفعل؛ أي: صار حكيمًا، وصاحب الحكمة: المتقن للأمور، وأما حكَم؛ بفتح عين الفعل؛ فمعناه: قضى، ومصدره حُكم؛ بالضم، والحكم أيضًا: الحكمة من العلم، والحكيم: العالم).
وقال ابن دريد: (كل كلمة وعظتك، أو زجرتك، أو دعتك إلى تكرمة، أو نهتك عن قبيح؛ فهي حكمة)، وقيل: الحكمة: المانعة من الجهل، وقيل: هي النبوة، وقيل: الفهم عن الله تعالى، وقال ابن سيده:(القرآن كفى به حكمة؛ لأنَّ الأمة صارت علماء بعد جهل)، وزعم النووي أنَّ الحكمة فيها أقوال مضطربة، وصفي لنا منها: أنَّ الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق، والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل، فالحكيم من حاز ذلك كله) انتهى.
قلت: وهذا قول في معنى الحكمة ملفق من أقوال متباينة، فقوله: (وصفي لنا فيها
…
) إلخ: غير صحيح، بل هذا مجموع الأقوال في معناها، والأخصر أن يقال: الحكمة: هي امتثال أوامر الله تعالى ونبيه عليه السلام، واجتناب نواهي الله تعالى ونبيه عليه السلام، قال تعالى:{وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]، ولا ريب أن من امتثل الأوامر واجتنب النواهي؛ فقد جمع له بين خيري الدنيا والآخرة، فلهذا وصفه سبحانه من أوتيها بالخير الكثير؛ فليحفظ.
وقال في «التوضيح» : (وفي هذا الحديث دلالة صريحة على أن شرح صدره عليه السلام كان ليلة المعراج، وفعل به ذلك؛ لزيادة طمأنينة لما يرى من عظم الملكوت، أو لأنَّه عليه السلام يصلي بالملائكة عليهم السلام انتهى.
(فأفرغه) : من الإفراغ؛ أي: أفرغ كل واحد من الحكمة والإيمان اللذين كانا في الطست (في صدري)؛ فيمتلئ حكمةً وإيمانًا، ولهذا غسله بماء زمزم، والمراد بالصدر: القلب.
فإن قلت: تقدم أنه ذكر في هذا الحديث أنه غسل صدره بماء زمزم وقلبه.
قلت: إنَّما غسله بالثلج أولًا؛ ليثلج اليقين في قلبه، وإنما كان ذلك؛ لأجل دخوله الحضرة القدسية، وقيل: فعل به ذلك في حال صغره؛ ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء عليهم السلام في الانشراح، والثانية؛ لتصير حالته مثل حال الملائكة، انتهى ذكره إمام الشَّارحين.
قلت: ويدل عليه: ما ذكره القرطبي في «تفسيره» : روى الضحاك عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله؛ انشرح صدرك؟ قال: «نعم؛ وتفتح» ، قالوا: يا رسول الله؛ وهل لذلك علامة؟ قال: «نعم؛ التجافي عن دار الغرور، والإبانة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت» ، وفي «الصحيح» عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة: أنَّ النبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا عند البيت بين النائم واليقظان؛ إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة
…
، فأتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا»، قال قتادة: يعني: قال إلى أسفل بطني، قال:«فاستخرج قلبي، فغسله بماء زمزم، ثم أعيد مكانه؛ ثم حشي إيمانًا وحكمةً» ، وروي عن النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم قال:«جاءني ملكان في صورة طائر معهما ماء وثلج، فشرح أحدهما صدري، وفتح الآخر منقاره، فغسله» ، وفي حديث آخر: «جاءني ملك فشق عن قلبي، فاستخرج منه عذرة
…
»؛ الحديث، انتهى.
قلت: وهذا يدل على تعدد القصة، وأنه في هذه القصة لم يكن جبريل الجائي، بل غيره، وفيها أيضًا أنه شق قلبه، وهو يدل على أنَّ المراد بالصدر: القلب؛ لأنَّ غسل القلب وتنقيته مما ينافي النبوة يسلتزم شرح الصدر، وفيه أنَّ الذي جاءه ثلاثة من الملائكة، وصرح في هذه الرواية أن شرح صدره كان من أعلى الصدر إلى أسفل البطن حتى يدخل القلب في الغسل، ولا ريب أنَّ هذا دالٌّ على تعدد القصة، والله تعالى أعلم.
(ثم أطبقه)؛ أي: ثم أطبق صدره، يقال: أطبقت الشيء؛ إذا غطيته وجعلته مطبقًا، وفي «التوضيح» :(لما فعل به ذلك؛ ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء، فجمع الله له أجزاء النبوة وختمها؛ فهو خاتم النبيين، وختم عليه فلم يجد عدوه إليه سبيلًا من أجل ذلك؛ لأنَّ الشيء المختوم محروس، وقد جاء أنه استخرج منه علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك).
وذكر القاضي عياض: (أن موضع الخاتم إنَّما هو شق الملكين بين كتفيه)، ذكره القرطبي وقال:(هذه غفلة؛ لأنَّ الشق إنَّما كان في صغره حين لم يبلغ في السن حتى نفذ إلى ظهره)، وروى أبو داود الطيالسي، والبزار، وغيرهما من حديث عروة عن أبي ذر رضي الله عنه ولم يسمع منه في حديث الملكين:«قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم خاط بطني، وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن» ، وهذا دال مع حديث البخاري كما نبه عليه القرطبي، وأنه في الصدر دون الظهر، وإنما كان الخاتم في ظهره؛ ليدل على ختم النبوة به، وأنه لا نبي بعده، وكان تحت بعض كتفه؛ لأنَّ ذلك الموضع منه يوسوس الشيطان، ذكره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» ، وذكر الإمام حافظ النسفي نقلًا عن الكلبي:(أن جبريل عليه السلام أتاه عليه السلام، فشق صدره، وأبدى عن قلبه، ثم جاء بدلو من ماء زمزم فغسله وأنقاه مما فيه، ثم جاء بطست من ذهب قد ملئ علمًا وإيمانًا، فوضعه فيه، ثم قال: كان هذا حين جاءه بالبراق ليلة المعراج، أو حين كان عند حليمة في السنة التي أعادته فيها إلى عبد المطلب) انتهى.
قلت: وهذا تأييد لقول من قال بتعدد القصة كما سبق، لكن القاضي عبد الجبار قد طعن في هذه الرواية من وجوه؛ أحدها: أنه قد روى أن هذه الواقعة وقعت في حال صغره عليه السلام، وهي من المعجزات، فلا يجوز أن تتقدم نبوته، وثانيهما: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام ولا شك أنَّ الأخلاق والمعاصي ليسا من قبيل الأجسام، فلا يؤثر فيهما الغسل، وثالثهما: أنَّ القلب لا يصح أن يملأ علمًا وإيمانًا، بل الله تعالى يخلقهما في القلب.
وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزة عن البعثة يجوز عندنا، وذلك هو المسمى بالإرهاص، ومثله كثير في حقه عليه السلام.
وعن الثاني في قوله: (أن الغسل له تأثير في إزالة
الأجسام) : بأن ما في القلب من الدم الأسود لا يبعد أن يكون حصوله فيه علامة مؤذية للقلب إلى ميله إلى المعاصي، وإبعاده عن الطاعات، وتكون إزالته عنه سببًا لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن الشهوات المنبعثة عن توجه القوة الطبيعية إليها، فتكون إزالته عنه مسلتزمة؛ لامتلائه بالعلم والإيمان، فصح أن يعبر عن تطهير قلبه عليه السلام من ذلك الدم بامتلائه بالعلم والإيمان، فالمراد بما روي ظاهره هذا، بل هو رمز إلى توسيع الصدر وتفسيحه.
قلت: ويجاب عن الثالث: بأن إملاءه العلم والإيمان يصح أن يكون بواسطة جبريل عليه السلام، ويدل عليه: أن جبريل كان ينزل على النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم بالوحي من الله عز وجل، فلو لم يصح هذا يلزم التعطيل في النبوة، وهو محال، ويؤيده قوله تعالى:{وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7]؛ يعني: وجدك ضالًّا عن الحكم والإحكام، فعلمك بالوحي والإلهام، والمراد: وجدك غافلًا عن علوم النبوة والأحكام الشرعية، فهداك إليها؛ كقوله تعالى:{مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ} [الشورى: 52]، ولا ريب أن معرفة هذا يحتاج إلى واسطة جبريل عليه السلام، والله تعالى أعلم بالصواب.
(ثم أخذ بيدي)؛ أي: جبريل، ويحتمل أنه أخذه من اليدين جميعًا، ويحتمل أنه أخذه من اليد الواحدة، فإن لفظ (بيدي) يحتمل المعنيين، لكن الظاهر الثاني؛ لأنَّه المتعارف في اللغة؛ فافهم، (فعرج بي) وفي رواية:(فعرج به)؛ بضمير الغائب، وهو من باب التجريد، فكأنه عليه السلام جرد من نفسه شخصًا، وأشار إليه، وفيه وجه آخر: وهو أنَّ الراوي نقل كلامه بالمعنى لا بلفظه بعينه، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: ونقل الراوي بالمعنى صحيح جائز لمن كان متقنًا لاسيما الراوي المذكور، وزعم ابن حجر أن فيه التفاتًا، ورده إمام الشَّارحين: بأنه غير صحيح، وإنما هذا من التجريد، كما ذكرناه، والعروج: الصعود، يقال: عرَج يعرُج عروجًا، من باب (نصر ينصر)، وقال ابن سيده:(عرج في الشيء، وعليه يعرُج، ويعرِج عروجًا: رقى، وعرج الشيء وهو عريج: ارتفع وعلا، والمعراج؛ بالكسر: شبه مفعال، من العروج؛ كأنه آلة له، فالمعراج: شبه سلَّم تعرج عليه الأرواح، وقيل: هو حيث تصعد عليه أعمال بني آدم) انتهى.
(إلى السماء) : وهي كل ما علاك فأظلك، وهذا يدل على رسالة نبينا النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، وكذا نزول جبريل عليه السلام وعلى خصوصية بأمور لم يعطها أحد غيره عليه السلام، فجبريل هو الذي ينزل عليه عليه السلام من عند الله، وبأمره عز وجل، فإنه كان واسطة الوحي، ويفهم من قوله:(ثم أخذ بيدي) : أنَّ المعراج وقع غير مرة؛ لكون الإسراء إلى بيت المقدس لم يذكر ههنا، كذا قاله بعضهم، وزعم ابن حجر أنه يمكن أن يقال: هو من باب اختصار الراوي، ورده إمام الشَّارحين فقال:(هذا غير مقنع؛ لأنَّ الراوي لا يختصر ما سمعه عمدًا) انتهى.
ثم قال إمام الشَّارحين: (والذي يفهم من ترتيب البخاري ههنا أنَّ الإسراء والمعراج واحد؛ لأنَّه قال أولًا: كيف فرضت الصلاة في الإسراء؟ ثم أورد الحديث، وفيه: «ثم عرج بي إلى السماء»، وظاهر إيراده في «أحاديث الأنبياء» عليهم السلام يقتضي أنَّ الإسراء غير المعراج، فإنه ترجم للإسراء ترجمة، وأخرج فيها حديثًا، ثم ترجم للمعراج ترجمة، وأخرج فيها حديثًا) انتهى.
(فلما جئت) أي: وصلت (إلى السماء الدنيا) وهي السماء الأولى، و (الدُّنيا)؛ بضم الدال المهملة، من الدنوِّ، أوهو القرب، وسميت بذلك؛ لدنوها؛ أي: قربها من الآخرة، وروى ابن حبان في «صحيحه» مرفوعًا:«بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام» ، وذكر في كتاب «العظمة» لأبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي، عن عبد الله قال:«ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مئة عام، وبين السماء إلى السماء التي تليها مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي كذلك، والماء على الكرسي، والعرش على الماء» .
وقال ابن أبي شيبة أبو جعفر محمد بن عثمان في كتابه «العرش» بإسناده إلى العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون كم بين السماء والأرض؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال:«بينهما خمس مئة عام، وكثف كل سماء خمس مئة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض» ، وروي أيضًا عن أبي ذر مرفوعًا مثله، كذا في «عمدة القاري» .
(قال جبريل لخازن السماء)؛ أي: حافظها الموكل بها.
فإن قلت: كيف يتصور الصعود إلى السموات وما فوقها بالجسم الإنساني؟
قلت: أجيب: بأن الأرواح أربعة أقسام:
الأول: الأرواح الكدرة بالصفات البشرية، وهي أرواح العوام غلبت عليها القوى الحيوانية، فلا تقبل العروج أصلًا.
والثاني: الأرواح التي لها كمال القوة النظرية للبدن باكتساب العلم، وهذه أرواح العلماء.
والثالث: الأرواح التي لها كمال القوة المدبرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة، وهذه أرواح المرتاضين إذا كسروا؛ قوَّى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة.
والرابع: الأرواح التي حصل لها كمال القوتين، وهذه غاية الأرواح البشرية، وهي الأنبياء عليهم السلام الصديقون، فكلما ازدادت
(1)
قوة أرواحهم؛ ازداد ارتفاع أبدانهم من الأرض، ولهذا لما كان الأنبياء عليهم السلام قويت فيهم هذه الأرواح؛ عرج بهم إلى السماء، وأكملهم قوة نبينا النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(افتح)؛ أي: افتح الباب، وفي رواية شريك عند المؤلف:(فضرب بابًا من أبوابها)، وهذا يدل على أنَّ الباب كان مغلقًا، والحكمة أنَّ السماء لم تفتح إلا لأجله بخلاف ما لو وجده مفتوحًا، وهذا يدل أيضًا على أن عروجه عليه السلام كان بجسده؛ إذ لو لم يكن بجسده؛ لما استفتح، قاله إمام الشَّارحين، ففي الحديث أن للسماء أبوابًا حقيقية، وحفظة موكلين بها، (قال)؛ أي: الخازن (من هذا)؛ بفتح الميم؛ أي: من هذا الذي يقرع الباب؟ (قال: جبريل) ولغير أبي ذر: (قال: هذا جبريل)، ففيه إثبات الاستئذان، وأن يقول: فلان، ولا يقول: أنا، كما نهي عنه في حديث جابر، ولأنه لا فائدة فيه؛ لبقاء الإبهام، فإذا استأذن أحد بدق الباب ونحوه، فإذا قيل له: من أنت؟؛ يقول:
(1)
في الأصل: (ازداد)، وهو تحريف.
زيد الكاتب الفلاني، ولا يقتصر على زيد مثلًا؛ لأنَّ المسمى بزيد كثير، فيشتبه عليه، بل يذكر الشيء الذي هو مشهور به بين الناس، أفاده إمام الشَّارحين.
(قال) أي: الخازن: (هل معك أحد)؛ أي: من الأنبياء عليهم السلام، وهذا يدل على أنَّ الخازن عنده علم وعادة في مجيء نبي من الأنبياء عليهم السلام مع جبريل، وأن عادة جبريل هذه، وهذا يدل على أن عروجه عليه السلام كان بروحه؛ إذ لو لم يكن بروحه؛ لما قال: هل معك أحد؟ فإنَّ هذا يدل على أن عادة جبريل المجيء للخازن ومعه أحد من الأنبياء عليهم السلام، لكن قد يقال: إن مجيئهم ليس لأجل المعراج، بل تأتي روحهم لأجل دخول الجنة، فالمعراج خاص بنبينا عليه السلام؛ فتأمل.
(قال) جبريل للخازن: (نعم) معي (محمد)؛ أي: النبي الأعظم سيد الأنبياء ورئيسهم صلى الله تعالى عليه وسلم، (قال) أي: الخازن: (أأرسل إليه؟)؛ بهمزتين؛ أولاهما: للاستفهام، وهي مفتوحة، والثانية: همزة التعدية، وهي مضمومة، وفي رواية الكشميهني:(أوَأرسل؟)؛ بواو مفتوحة بين الهمزتين، وهذا السؤال من الملك الذي هو خازن السماء، يحتمل وجهين؛ أحدهما: الاستعجاب بما أنعم الله تعالى عليه من هذا التعظيم والإجلال حتى أصعده إلى السماوات، والثاني: الاستبشار بعروجه؛ إذ كان من اليقين
(1)
عندهم أن أحدًا من البشر لا يرتقي إلى أسباب السماء من غير أن يأذن الله له ويأمر ملائكته بإصعاده، أفاده في «عمدة القاري» ، وزعم ابن حجر: أنه يحتمل أن يكون قد خفي عليه أصل إرساله؛ لاشتغاله بعبادته، ورده إمام الشَّارحين فقال: كيف يخفى عليه ذلك؛ لاشتغاله بعبادته، وقد قال أولًا: من هذا؟ حين قال جبريل: افتح، وقال أيضًا: هل معك أحد؟ قال جبريل: نعم؛ معي محمد، وأين الخفاء بعد ذلك، وأين الاشتغال بالعبادة في هذا الوقت وهو وقت المحاورة والسؤال، وأمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت؛ لأنَّها لا تخفى على خزان السماوات وحراسها؟! فحينئذٍ لا يكون السؤال عن أصل الرسالة، وإنما كان سؤالًا عن أنه أرسل إليه للعروج والإسراء، فحينئذٍ احتمل سؤالهم الوجهين المذكورين.
فإن قلت: جاء في رواية شريك: (أو قد بعث إليه؟)، وهذا يؤيد ما قاله هذا القائل.
قلت: معنى (أرسل) و (بعث) سواء على أنَّ المعنى هنا أيضًا: أو قد بعث إلى هذا المكان؟! وذلك استعجاب منه واستعظام لأمره) انتهى كلامه.
قلت: وقوله: (لاشتغاله بعبادته) : لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم أن عبادته حراسته لباب السماء، وقعوده عند بابها، وذلك بأمر من الله عز وجل، فأمره سبحانه وتعالى لا ريب أنه عبادة، وهذه العبادة عظيمة، ويفهم من قول الخازن: أأرسل إليه؟ أنه إذا لم يكن قد أرسل إليه لا يفتح الباب له، وهو كذلك؛ لأنَّ الأنبياء معصومون من المعاصي، والسماء لم يعص فيها أحد قط، فإذا كان نبيًّا؛ فتح له، وإلا؛ فلا، وهذا يدل على بطلان قول من يقول: إن غير الأنبياء عليهم السلام يفتح لهم كالمتصوفة، والمتزندقة، وزعموا العصمة لهم، فهذا الحديث يدل صريحًا على أن غير المرسلين عليهم السلام لا يفتح له الخازن الباب، وأنَّهم غير معصومين، والأنبياء عليهم السلام معصومون، ولا تجوز العصمة إلا لهم عليهم السلام، وهذا قول أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة؛ فليحفظ.
(قال) أي: جبريل: (نعم) أرسل إليه، ففتح لهما، (فلما فتح) أي: الخازن الباب؛ (علونا السماء الدنيا) : ضمير الجمع فيه يدل على أنه كان معهما ملائكة آخرون، فكأنَّهما كلما عديا سماء؛ تشيعها الملائكة إلى أن يصلا إلى سماء أخرى، و (الدنيا) صفة (السماء) في محل النصب بمعنى: أنه لا يظهر النصب، كذا قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» ، وتبعه الشراح منهم القسطلاني.
قلت: والمراد بضمير الجمع هو (نا) في (علونا)، فإنها للمتكلم، ومعه غيره، كما هو معلوم، فالنبي الأعظم، والثاني: جبريل، والثالث: الخازن، وغيره، ولا ريب أن ذلك جمع، فصدق عليه أنه ضمير جمع، وإنما لم يظهر النصب في (الدنيا)؛ لوجود الألف التي هي أخت الفتحة، فاشتركا في مخرج واحد، فلم يظهر النصب؛ فليحفظ.
وفي «عمدة القاري» : (وفي الحديث: أن رسول الرجل يقوم مقام إذنه؛ لأنَّ الخازن لم يتوقف عن الفتح له على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإرسال إليه) انتهى.
قلت: فإن كان قد أرسل إليه؛ يفتح له، وإلا؛ فلا؛ فليحفظ.
(فإذا رجل قاعد) وفي رواية: (إذا)؛ بدون الفاء، وكلمة (إذا) للمفاجأة، وتختص بالجملة الاسمية؛ للمفاجأة، ولا تحتاج إلى جواب، وهي حرف عند الأخفش، وظرف مكان عند المبرد، وظرف زمان عند الزجاج، (على يمينه أَسودة)؛ بفتح الهمزة، جمع سواد؛ كالأزمنة جمع زمان، والسواد: الشخص، وقيل: الجماعات، وسواد الناس: عوامهم، وكل عدد كثير، ويقال: هي الأشخاص من كل شيء، وقال أبو عبيد: هو شخص كل شيء من متاع أو غيره، والجمع أسودة، وأساود جمع الجمع، كذا في «عمدة القاري» .
(وعلى يساره أسودة) كذلك، (إذا نظر قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (يمينه) كلام إضافي، منصوب بقوله:(نظر)(ضحك) جواب (إذا) فرحًا مسرورًا، (وإذا) للمفاجأة أيضًا كما سبق (نظر قِبَل)؛ بكسر القاف، وفتح الموحدة؛ أي: جهة (شماله) وللأربعة: (يساره) كلام إضافي، منصوب بقوله:(نظر)(بكى) حزنًا وتأسفًا، (قال)؛ أي: هذا الرجل (مَرحبًا)؛ بفتح الميم، منصوب بأنه مفعول مطلق؛ أي: أصبت سعة لا ضيقًا، والنصب فيه كما في قولهم: أهلًا وسهلًا؛ ومعناه: أصبت رحبًا وسهلًا، فاستأنس ولا تتوحش، وهي وأمثالها كلمة تقال عند تأنيس القادم (بالنبي الصالح، والابن الصالح) ومعنى (الصالح) : هو القائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد، وكلهم قالوا له:(بالنبي الصالح)؛ لشموله على سائر الخلال المحمودة الممدوحة من الصدق، والأمانة،
(1)
في الأصل: (التين)، وهو تحريف.
والعفاف، والفضل، ولم يقل له أحد: مرحبًا بالنبي الصادق، ولا: بالنبي الأمين؛ لما ذكرنا أنَّ الصلاح شامل لسائر أنواع الخير، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(قلت) أي: قال النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم قلت (لجبريل: مَن) بفتح الميم (هذا)؛ أي: الرجل القاعد على يمينه أسودة وعلى يساره كذلك؟ (قال) أي: جبريل: (هذا آدم)؛ أي: أبو البشر، قيل: إن اسم آدم سرياني، وقيل: مشتق، فقيل: أفعل من الأدمة، وقيل: من لفظ الأديم؛ لأنَّه خلق من أديم الأرض، قال النضر بن شميل:(سمي آدم؛ لبياضه)، وذكر محمد بن علي:(إن الآدم من الظباء الطويل القوائم)، وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا:«إن الله خلق آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة على صورته وطوله، وولد له أربعون ولدًا في عشرين بطنًا، في كل بطن ذكر وأنثى، إلا شيثًا، فإنه ولد وحده» ، وعاش عليه السلام ألف سنة، وكنيته: أبو البشر، كما ذكرنا، وأبو الأنبياء المرسلين، وقيل: أبو محمد، وروى ابن عساكر من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا:«أهل الجنة ليس لهم كنى إلا آدم، فإنه يكنى أبا محمد» ، وفي حديث كعب الأحبار:(ليس لأحد من أهل الجنة لحية إلا آدم، فإن له لحية سوداء إلى سرته)، وذلك؛ لأنَّه لم يكن له لحية في الدنيا، وإنما كانت اللحى بعد آدم، ولما أهبط من الجنة؛ هبط بسرنديب من الهند على جبل يقال له: نَوَد، ولما حضرته الوفاة؛ اشتهى قطف عنب، فانطلق بنوه ليطلبوه، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: إن أبانا اشتهى قطفًا، فقالوا: ارجعوا قد كفيتموه فرجعوا؛ فوجدوه قد قبض، فغسلوه، وحنطوه، وكفنوه، وصلى عليه جبريل عليه السلام، والملائكة خلفه، وبنوه خلفهم، ودفنوه، وقالوا: هذه سنتكم في موتاكم، ودفن في غار يقال له الكنز في أبي قبيس، فاستخرجه نوح عليه السلام في الطوفان وأخذه، وجعله في تابوت معه في السفينة، فلما نضب الماء؛ رده نوح عليه السلام إلى مكانه، كذا في «عمدة القاري» .
(وهذه الأسودة)؛ أي: التي (عن يمينه وشماله نَسَم)؛ بفتح النون والسين المهملة، والنسمة: نفس الروح، وما بها نسمة؛ أي: نفس، والجمع نسم، قاله ابن سيده، وزعم الخطابي هي النفس (بنيه) والمراد: أرواح بني آدم، وزعم ابن التين ورويناه:(شيم) بني آدم، والأولى أشبه، قاله إمام الشَّارحين.
(فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار) فإن الجنة فوق السماء السابعة في جهة يمين آدم، والنار في الأرض السابعة في جهة يساره، فيكشف الله له عنهما، كما سيأتي، (فإذا نظر عن يمينه؛ ضحك، وإذا نظر قبل شماله؛ بكى) ففيه دلالة على أن نسم أهل النار في السماء، وقد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، فكيف تكون مجتمعة في السماء؟!
وأجيب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فصادف وقت عروضها مرور النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: لا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار كما هو نص القرآن.
قلت: يحتمل أنَّ الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله، وكانت يكشف له عنهما، ويحتمل أن يقال: إنَّ النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلمه الله تعالى بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، قاله إمام الشَّارحين.
(حتى عَرَجَ)؛ بفتحات؛ أي: صعد (بي)؛ أي: جبريل، ولابن عساكر:(به)، وهو من باب التجريد، كما سبق (إلى السماء الثانية، فقال) أي: جبريل (لخازنها)؛ أي: الملك الموكل بحفظها: (مثل ما قال الأول)؛ يعني: قال لخازنها: افتح الباب، قال الخازن: من هذا الذي يقرع الباب؟ قال: جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم؛ معي محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: أأرسل إليه؟ قال جبريل: نعم؛ أرسل إليه، (ففتح)؛ أي: الخازن لهما باب السماء الثانية، (قال) وفي رواية:(فقال)(أنس) : هو ابن مالك رضي الله عنه، (فذكر)؛ أي: أبو ذر جندب ابن جنادة الغفاري (أنه)؛ أي: النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم (وجد في السماوات)؛ أي: السبع (آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم صلوات الله عليهم).
فإن قلت: كيف رأى النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم الأنبياء في السماوات، ومقرهم في الأرض؟
أجيب: بأن الله تعالى شكل أرواحهم على هيئة صور أجسادهم، ذكره ابن عقيل، وكذا ذكره ابن التين، وقال:(وإنما تعود أرواحهم إلى الأجساد يوم البعث إلا عيسى بن مريم عليه السلام، فإنه لم يمت وهو ينزل إلى الأرض) انتهى.
واعترضهما إمام الشَّارحين فقال: (الأنبياء أحياء، فقد رآهم عليه السلام حقيقة، وقد مر على موسى عليه السلام وهو قائم في قبره يصلي، ورآه في السماء السادسة) انتهى.
قلت: يعني: أنَّ الأنبياء عليهم [السلام] أحياء حقيقة، يدل عليه قوله عليه السلام في هذا الحديث: (وجد
…
إلى آخره)، وهو يدل على أنه رآهم أحياء حقيقة، وكيف وقد قال تعالى في حق الشهداء:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]
(1)
، فالمراد بقوله:{عِندَ رَبِّهِمْ} ؛ يعني: في الجنة، والجنة فوق السماوات، وإنَّهم أحياء حقيقة، كما نطق به الكتاب العزيز، فلا يكون الشهداء أرقى من الأنبياء، بل الأنبياء عليهم السلام أرقى حالًا منهم، كما لا يخفى؛ لأنَّه ليس فوق درجة النبوة شيء، خلافًا للمتصوفة الزاعمين ذلك، وهو كفر وزندقة؛ فليحفظ.
(ولم يثبت) : من الإثبات (كيف منازلهم)؛ أي: لم يعين أبو ذر لكل نبي منهم سماء معينًا (غير أنه)؛ أي: أبا ذر (ذكر أنه)؛ أي: النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم (وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة) نعم في «الصحيحين» من حديث أنس، عن مالك بن صعصعة:(أنه وجد آدم في السماء الدنيا)، كما سلف في حديث أبي ذر، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وهو مخالف لرواية أنس عن أبي ذر:(أنه وجد إبراهيم في السماء السادسة)، وكذا جاء في «صحيح مسلم» .
وأجيب: بأن الإسراء إن كان وقع مرتين؛ فيكون رأى إبراهيم في أحدهما؛ أي: أحد السماءين، ويكون استقراره ووطنه بها، والثانية في سماء غير وطنه، وإن كان الإسراء وقع مرة واحدة؛ فيكون رآه أولًا في السماء السادسة، ثم ارتقى معه إلى السماء السابعة، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(1)
في الأصل: (ألم تر إلى الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء عند ربهم يرزقون).
وزعم ابن حجر أنَّ المعراج إن كان وقع مرة واحدة، فالأرجح رواية الجماعة؛ لقوله فيها: إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وهو في السماء السابعة بلا خلاف، ورده إمام الشَّارحين فقال: وقول هذا القائل: (بلا خلاف) غير صحيح؛ لأنَّ فيه خلافًا، فقد روي عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع:(أنه في السماء الدنيا)، وروي عن علي:(أنه عند شجرة طوبى في السماء السادسة)، وروي عن الضحاك ومجاهد:(أنه في السماء السابعة).
فإن قلت: كيف يجمع بين هذه الأقوال وفيها منافاة؟
قلت: لا منافاة بينها؛ لأنَّه يحتمل أنَّ الله تعالى رفعه ليلة المعراج إلى السماء السادسة عند سدرة المنتهى، ثم إلى السماء السابعة تعظيمًا للنبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم حتى يراه في أماكن، ثم أعاده إلى السماء الدنيا.
وفي «تفسير» الحافظ النسفي: البيت المعمور: حذاء العرش بحيال الكعبة، يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحُرمة
(1)
الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يطوفون به، ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدًا، وخادمه ملك يقال له: رزين، وقيل: كان في الجنة، فحمل إلى الأرض؛ لأجل آدم، ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان.
قلت: الضُّراح؛ بضم الضاد المعجمة، وبالحاء المهملة، وقال الصاغاني: ويقال له: الضريح أيضًا، انتهى كلام إمامنا في «عمدة القاري» .
(قال أنس) : هو ابن مالك، وظاهره أن أنسًا لم يسمع من أبي ذر هذه القطعة الآتية، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: وهي قوله: (فلما مَرَّ)؛ بفتح الميم، وتشديد الراء المفتوحة، من المرور (جبريل بالنبي) الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ يعني: في السماوات مصاحبًا لنبينا عليه السلام (بإدريس) والجار والمجرور في الموضعين يتعلقان كلاهما بقوله: (مر)، فالأولى للمصاحبة كما ذكرنا، والثانية للإلصاق، أو بمعنى: على، وجاز تعلق حرفين من جنس واحد بمتعلق واحد وإن كانا ليسا من جنس واحد؛ لصحة المعنى في ذلك، خلافًا لمن منعه، بل هذا يدفعه، أفاده إمام الشَّارحين.
(قال)؛ أي: إدريس حين رأى النبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم: (مرحبًا)؛ بالنصب على المفعولية المطلقة؛ يعني: أتيت مكانًا رحبًا واسعًا سهلًا (بالنبي الصالح)؛ أي: القائم بحقوق الله، وحقوق عباده (والأخ الصالح) وإنما لم يقل: والابن كما قال آدم؛ لأنَّ إدريس لم يكن من آبائه عليه السلام، كذا قاله القسطلاني.
قلت: وكان ينبغي لإدريس أن يقول: والابن؛ لأنَّه أكبر سنًّا منه، لكنه لما علم أنه أفضل منه حيث جاء إلى مكان لم يجئه أحد قبله عليه السلام؛ علم بالقرينة أنه أفضل منه قدرًا عند الله عز وجل، فوصفه بالأخوة، وهي تقتضي المشاركة في النبوة فقط؛ فليحفظ.
(فقلت)؛ أي: قال النبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم فقلت: (مَن)؛ بفتح الميم (هذا؟)؛ أي: يا جبريل الذي قال هذا القول، (قال) : وللأصيلي: (فقال)؛ أي: جبريل (هذا إدريس) عليه السلام، وسمي به؛ لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلت
(2)
عليه، فقيل: إنه خنوخ، ويقال: أحنوخ، ويقال: أخنخ، ويقال: أهنخ بن برد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم عليه السلام، واسم أمه: بره، وخنوخ اسم سرياني؛ ومعناه بالعربية: إدريس، قال وهب: هو جد نوح عليه السلام، وقد قيل: إنه إلياس، وإنه ليس بجد نوح، ولا هو في عمود هذا النسب، ونقله السهيلي عن ابن العربي، ويشهد له حديث الإسراء حيث قال فيه:(مرحبًا بالأخ الصالح)، ولو كان في عمود هذا النسب؛ لقال له كما قال إبراهيم:(والابن الصالح)، وزعم ابن حجر أن إدريس كان نبيًّا في بني إسرائيل، فإن كان كذلك؛ فلا اعتراض عليه، وزعم النووي يحتمل أنه قاله تلطفًا وتأدبًا، وهو أخ وإن كان ابنًا، والأبناء إخوة، والمؤمنون إخوة، وزعم ابن المنير أكثر الطرق على أنه خاطبه بالأخ، قال: وقال لي ابن أبي الفضل صحت لي طريق أنه خاطبه فيها: (بالابن الصالح)، وقال المارزي: ذكر المؤرخون: أن إدريس أرسل إليه، ولم يصح قول النسابين: إنه نوح؛ لأخبار نبينا عليه السلام في الحديث الصحيح: «ائتوا نوحًا، فإنه أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض» ، وإن لم يقم دليل جازم، وقال: وصح أن إدريس كان نبيًّا، ولم يرسل إليه، قال السهيلي:(وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان).
قلت: حديث أبي ذر أخرجه ابن حبان في «صحيحه» رفع إلى السماء الرابعة، ورآه عليه السلام فيها، ورفع وهو ابن ثلاث مئة وخمس وستين سنة)، كذا في «عمدة القاري» .
(ثم مررت بموسى) : هو ابن عمران عليه السلام صاحب الخضر، نبي بني إسرائيل، المتوفى في التيه في سابع إدار لمضي ألف سنة وست مئة وعشرين سنة من الطوفان عن مئة وستين سنة؛ يعني: قال النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم: «ثم مررت بموسى» ، ففي الكلام حذف؛ تقديره هكذا؛ لأنَّه قال أولًا:(فلما مر جبريل)، فما وجه قوله بعد:(ثم مررت بموسى)؟
فالذي قدرناه هو وجهه، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون الأول نقلًا بالمعنى، والثاني يكون نقلًا باللفظ بعينه، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(فقال)؛ أي: موسى له (مرحبًا بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح) وسقط قوله: (والأخ الصالح) في رواية الأربعة، (قلت)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم: «قلت» ، وفي رواية:(فقلت)(من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا موسى) بني إسرائيل: هو ابن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب عليه السلام، (ثم مررت بعيسى)؛ أي: صاحب الإنجيل، (فقال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح) قال عليه السلام (فقلت) : وفي رواية: (قلت)(من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا عيسى) : هو ابن مريم، وسقط لفظة (هذا) عند أبي ذر، ومريم بنت عمران بن أسهم من ولد سليمان بن داود عليه السلام، وليس عمران هذا عمران والد موسى وهارون؛ لأنَّ عمران والد مريم كان بعد والد موسى بألف وثمان مئة سنة، والمراد بالـ (كلمة) في قوله تعالى:{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ} [آل عمران: 39] : هو عيسى عليه السلام، وهو قول الجمهور، وكان يحيى عليه السلام أول من صدق بعيسى وآمن به.
وقال السدي: (لقيت أم يحيى أم عيسى، وهذه حاملة بعيسى وتلك بيحيى، فقالت: يا مريم؛ شعرت أني حبلى، فقالت مريم: وأنا أيضًا حبلى، قالت امرأة زكريا: وإني
(3)
وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذاك قوله تعالى:{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ} ).
قال ابن عباس: (إن يحيى كان أكبر سنًّا من عيسى بستة أشهر)، وكان يحيى أول من صدق وآمن بأنه كلمة الله وروحه، ثم قتل يحيى عليه السلام قبل أن يرفع
(4)
عيسى عليه السلام، وإنما سمي روحًا؛ لأنَّه أحيا الله به من الضلالة كما يحيي الإنسان
(1)
في الأصل: (كحرمته)، ولعل المثبت هو الصواب.
(2)
في الأصل: (أنزلت على عليه).
(3)
في الأصل: (وفإني)، وليس بصحيح.
(4)
في الأصل: (رفع)، ولعله تحريف.
بالروح، وإنما سمي كلمة؛ لأنَّه بها تكون، والمسيح لقبه، وهو من الألقاب المشرفة؛ كالصديق، وأصله بالعبرانية مشيحا؛ ومعناه: المبارك، وعيسى اسمه معرب أيشوع، وابن مريم كنيته، وإنما قيل: ابن مريمتنبيهًا إلى أنه يولد من غير أب؛ لأنَّ الأولاد تنسب إلى الآباء، ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب، والمسيح مشتق من المسح؛ لأنَّه مسح الأرض، ولم يقم في موضع، وقيل: لأنَّه مسح بالبركة، أو بما طهره من الذنوب، وعيسى مشتق من العيس؛ وهو بياض يعلوه حمرة، وقد أخبر نبينا عليه السلام: بأنَّ وجهه كأنَّه خرج من ديماس؛ أي: حمام.
(ثم مررت)؛ أي: في السماء (بإبراهيم)؛ ومعناه: أب راحم، وكنيته أبو الضيفان، قيل: إنه ولد بغوطة دمشق ببرزة في جبل قاسيون، والصحيح: أنه ولد بكوثا من إقليم بابل من العراق، وكان بينه وبين نوح عدة قرون، وقيل: ولد على رأس ألفي سنة من خلق آدم عليه السلام، وذكر الطبري:(أن إبراهيم إنَّما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فارًّا من نمرود اللعين، فقال نمرود للذين أرسلهم في طلبه: إذا وجدتم فتَى يتكلم بالسريانية؛ فردوه، فلما أدركوه؛ استنطقوه، فحول الله لسانه عبرانيًّا، وذلك حين عبر النهر، فسميت العبرانية بذلك).
قلت: والمراد من هذا النهر هو الفرات، وبلغ إبراهيم مئتي سنة، وقيل: ينقص خمسة وعشرين، ودفن بالبلد المعروفة بالخليل صلى الله عليه وسلم، قاله إمام الشَّارحين.
(فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح) إنَّما وصفه بالبنوة؛ لأنَّه عليه السلام من أولاده، ولأنه أبو الأنبياء، فإن يعقوب عليه السلام من ذريته، وهو جده، وهو أول بني إسرائيل، وآخرهم عيسى عليه السلام، فالأنبياء بينهما كثير، فهو الأب الثاني كما قيل، (قلت: من هذا) يا جبريل؟ (قال: هذا إبراهيم)؛ أي: خليل الرحمن عليه السلام، وإنما عين النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم من الأنبياء آدم، وإدريس، وإبراهيم، وموسى، وعيسى في حديث هذا الباب، وفي غيره ذكر أيضًا يحيى، ويوسف، وهارون، وهم ثمانية.
وأجيب: أما آدم عليه السلام؛ فإنه خرج من الجنة بعداوة إبليس عليه اللعنة له وتحيله، وكذلك نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم خرج من مكة بأذى قومه له ولمن أسلم معه، وأيضًا فإن الله تعالى أراد أن يعرض على نبيه عليه السلام نسم بنيه من أهل اليمين وأهل الشمال؛ ليعلم بذلك أهل الجنة وأهل النار، وأما إدريس عليه السلام؛ فإنه كان أول من كتب بالقلم وانتشر منه بعده في أهل الدنيا، فكذلك نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم كتب إلى الآفاق، وأما موسى عليه السلام؛ فإن أمره آل إلى قهر الجبابرة وإخراجهم من أرضهم، فكذلك نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم، فإن اليهود أرادوا قتله حين سمُّوا له الشاة، فنجاه الله تعالى من ذلك، وأما إبراهيم عليه السلام؛ فإن نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وكذلك حال نبينا عليه السلام كان في حجة البيت العتيق، واختتام عمره بذلك نظير لقائه إبراهيم في آخر السماوات، وأما عيسى عليه السلام؛ فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وكذلك نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، وتنطق له الغزالة، والجمل، والكتف المسموم، وأما يحيى عليه السلام؛ فإن نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم رآه مع عيسى في السماء، وإنه رأى من اليهود ما لا يوصف حتى ذبحوه، فكذلك صلى الله عليه وسلم رأى من قريش ما لا يوصف، ولكن الله تعالى نجاه منهم، وأما يوسف عليه السلام؛ فإنه لما عفا عن إخوته حيث قال: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ
…
}؛ الآية [يوسف: 92]؛ فكذلك نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم عفى عن قريش يوم فتح مكة، وأما هارون عليه السلام؛ فإنه كان محببًا إلى بني إسرائيل حتى إن قومه كانوا يؤثرونه على موسى عليه السلام، فكذلك نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم صار محببًا عند سائر الخلق الإنس، والجن، والوحوش، والطيور.
فإن قلت: قوله في الحديث: (ولم يثبت كيف منازلهم) يخالفه كلمة (ثم) التي هي للترتيب.
قلت: أجيب: بأن أنسًاإما لم يرو هذا عن أبي ذر، وإما أن يقال: لا يلزم منه تعيين منازلهم لبقاء الإبهام فيه؛ لأنَّ إبراهيم بينه وبين آدم ثلاثة من الأنبياء، وأربعة من السماوات، أو خمسة؛ لأنَّه جاء في بعض الروايات:(أن إبراهيم في السماء السابعة)، كذا قاله إمام الشَّارحين.
قلت: يعني: إن (ثم) هنا للترتيب الذكري، وليست على بابها من الترتيب في المنازل، وقد يقال: إنَّ هذا جارٍ على القول بتعدد المعراج؛ لأنَّ الروايات قد اتفقت على أنَّ المرور بإبراهيم كان قبل المرور بموسى عليهما السلام؛ فليحفظ.
(قال ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم الزهري: (فأخبرني)؛ بالإفراد (ابن حَزْم)؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الزاي: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، وأبوه محمد، وله في عهد النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، وأمر عليه السلام أباه أن يكنيه بأبي عبد الملك، وكان فقيهًا فاضلًا، قتل يوم الحرة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وهو تابعي، وذكره ابن الأثير في الصحابة، ولم يسمع الزهري منه؛ لتقدم موته، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقول القسطلاني:(إنه مات سنة عشرين ومئة عن أربع وثمانين سنة) : فيه نظر؛ لأنَّ صوابه أنه عن ثلاث وخمسين سنة؛ فافهم.
(أن) بفتح الهمزة (ابن عباس) : هو عبد الله رضي الله عنهما (وأبا حَبَّة)؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة، وهو المشهور، وقال القابسي:(بالمثناة التحتية)، وغلطوه في ذلك، وقال الواقدي:(بالنون)(الأنصاري) البدري، واختلف في اسمه، فقال أبو زرعة:(إنه عامر)، وقيل: عمرو، وقيل: ثابت، وقال الواقدي:(إنه مالك).
فإن قلت: في هذا الإسناد وهم؛ لأنَّ رواية أبي بكر عن أبي حبة منقطعة؛ لأنَّه استشهد يوم أحد قبل مولد أبي بكر بدهر، بل قبل مولد أبيه محمد أيضًا، ففي هذه الرواية وهم؛ لأنَّه إن كان المراد بـ (ابن حزم) أبا بكر؛ فهو لم يدرك أبا حبة، وإن كان محمد؛ فهو لم يدركه الزهري.
قلت: أجيب: بأن ابن حزم رواه عنه مرسلًا؛ حيث قال: (إن ابن عباس وأبا حبة)، ولم يقل: سمعت، وأخبرني،
ونحوهما، فلا وهم فيه، وهكذا أيضًا في «صحيح مسلم» ، كذا قاله إمام الشَّارحين؟
قلت: وقول أبي زرعة إن اسمه عامر هو ابن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، وأنكر الواحدي أن يكون في البدرين من يكنى أبا حبة؛ بالموحدة، وقال في «الإصابة» : وروى عنه أيضًا عمار بن أبي عمار، وحديثه عنه في «مسند» ابن أبي شيبة، وأحمد ابن حنبل، وصححه الحاكم، وصرح بسماعه منه، وعلى هذا؛ فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق: أنه استشهد بأحد، وله في الطبراني حديث آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قوي إلا أن عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، انتهى.
قال ابن حزم: (كانا)؛ أي: ابن عباس، وأبو حبة (يقولان: قال النبيُّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم: ثم عَرَجَ)؛ بفتحات، أو بضم الأول، وكسر الثاني؛ أي: صعِد (بي)؛ أي: جبريل (حتى ظهرت)؛ أي: علوت وارتفعت، ومنه قوله: والشمس في حجرتها لم تظهر (لمستوَى)؛ بفتح الواو، المراد به: المصعد، وقيل: هو المكان المستوي، وقال أبو ربيعة:(أستوي: أصعد)، واللام فيه للتعليل؛ أي: علوت لأجل استعلاء مستوى، أو لأجل رؤيته، أو تكون بمعنى: إلى، كما في قوله تعالى:{أَوْحَى لَهَا} [الزلزلة: 5]؛ أي: إليها، ويجوز أن يكون متعلقًا بالمصدر؛ أي: ظهرت ظهور المستوي.
قلت: فإذا كانت (اللام) بمعنى: إلى؛ يكون المعنى: إني أقمت مقامًا بلغت فيه من رفعة المحل إلى حيث اضطلعت على الكوائن، وظهر لي ما يراد من أمر الله عز وجل وتدبيره في خلقه، وهذا هو المنتهى الذي لا يقدر أحد عليه، ويقال: لام القرض، وإلى الغاية يلتقيان في المعنى.
قلت: قال المحقق الزمخشري في قوله تعالى: {كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [لقمان: 29] : فإن قلت: يجري لأجل مسمًّى ويجري إلى أجل مسمَّى: أهو من تعاقب الحرفية؟
قلت: كلا، ولن يسلك هذه الطريقة إلا بليد الطبع ضيق العطن، ولكن المعنيين-أعني: الانتهاء والاختصاص- كل واحد منهما ملائم لصحة الغرض؛ لأنَّ قولك: يجري إلى أجل مسمًّى؛ معناه: يبلغه وينتهي إليه، وقولك: يجري لأجل مسمًّى؛ يريد يجري لإدراك أجل مسمًّى، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(أسمع فيه صَريف الأقلام)؛ بفتح الصاد المهملة، وهو تصويتها حال الكتابة، والمراد به: صوت ما يكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء الله من ذلك أن يكتب ويرفع لما أراده من أمره وتدبيره في خلقه سبحانه، لا يعلم الغيب إلا هو الغني عن الاستذكار بتدوين الكتب والاستثبات بالصحف، وأحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، قاله إمام الشَّارحين.
فإن قلت: ما الحكمة في الإسراء؟
قلت: أجيب: بأنه إنَّما كان للمفاجأة، ولهذا كان عن غير مواعدة، وهذا أوقع وأعظم، وكان التكلم مع موسى عن مواعدة وموافاة، فأين ذاك من هذا، وشتان ما بين المقامين، وبين من كلم على الطور، وبين من دعي إلى أعالي البيت المعمور، وبين من سخرت له الريح مسيرة شهر، وبين من ارتقى من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية؟!
فإن قلت: فما الحكمة في كون الإسراء كان ليلًا بالنص؟
قلت: أجيب بأوجه:
الأول: أنه وقت الخلوة والاختصاص، ومجالسة الملوك، وهو أشرف من مجالستهم نهارًا، وهو وقت مناجاة الأحبة.
الثاني: أنَّ الله تعالى أكرم جماعة من أنبيائه بأنواع الكرامات، فقال تعالى في حق إبراهيم:{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} [الأنعام: 76]، وفي قصة لوط عليه السلام:{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ} [هود: 81]، وفي قصة يعقوب عليه السلام:{سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: 98]، وكان آخر دعائه وقت السحر من ليلة الجمعة، وقرب موسى عليه السلام نجيًّا ليلًا، وذلك قوله:{فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [طه: 10]
(1)
، وقال:{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142]، وقال له لما أمره بخروجه من مصر ببني إسرائيل:{فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} [الدخان: 23]، وأكرم نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم أيضًا ليلًا بأمور؛ منها: انشقاق القمر، وإيمان الجن به، ورأى الصحابة آثار نيرانهم كما ثبت في «صحيح مسلم» ، وخرج إلى الغار ليلًا.
الثالث: أنَّ الله تعالى قدم ذكر الليل على النهار في غير ما آية، فقال:{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ} [الإسراء: 12]، وقوله:{وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يس: 40]، وليلة النحر تغني عن الوقوف نهارًا.
الرابع: أنَّ الليل أصل، ولهذا كان أول الشهور وسواده يجمع ضوء البصر، ويحد كليل النظر، ويسلتذ فيه بالسمر، ويجتلى فيه وجه القمر.
الخامس: أنه لا ليل إلا ومعه نهار، وقد يكون نهار بلا ليل، وهو يوم القيامة الذي مقداره خمسين ألف سنة.
السادس: أنَّ الليل محل إجابة الدعاء والغفران والعطاء.
فإن قلت: ورد في الحديث: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة، ويوم الجمعة» .
قلت: قالوا ذاك بالنسبة إلى الأيام.
قلت: ليلة القدر خير من ألف شهر، وقد دخل في هذه الليلة أربعة آلاف جمعة بالحساب الجلي؛ فتأمل هذا الفضل الخفي.
السابع: أن أكثر أسفاره عليه السلام كان ليلًا، وقال:«عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل» .
الثامن: لينفي عنه ما ادعته النصارى في عيسى عليه السلام لما رفع نهارًا من البنوة تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
التاسع: لأنَّ الليل وقت الاجتهاد للعبادة، وكان عليه السلام يقوم حتى تورمت قدماه، وكان قيام الليل في حقه واجبًا، وقال في حقه:{يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ*قُمِ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلًا} [المزمل: 1 - 2]، فلما كانت عبادته ليلًا أكثر؛ أكد بالإسراء فيه، وأمره بقوله:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} [الإسراء: 79].
العاشر: ليكون أجر المصدق به أكثر؛ ليدخل فيمن آمن بالغيب دون من عاينه نهارًا، كذا قرره إمام الشَّارحين أيضًا رضي الله عنه.
قلت: وفي هذا دليل على أنَّ الليل أفضل من النهار؛ فليحفظ.
(قال ابن حزم) : المذكور عن شيخيه (و) قال (أنس بن مالك)؛ أي: عن أبي ذر الغفاري، كذا جزم به صاحب «الأطراف» ، والظاهر: أنه من جملة مقول ابن شهاب، ويحتمل أن يكون تعليقًا من البخاري، وليس بين أنس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أبي ذر، ولا بين ابن حزم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ابن عباس وأبي حبة، فهو إما من قبيل المرسل، وإما أنه ترك الواسطة اعتمادًا على ما تقدم آنفًا، مع أنَّ الظاهر من حال الصحابي أنه إذا قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يكون بدون الواسطة، فلعل أنسًا رضي الله عنه سمع هذا البعض من الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والباقي سمعه من أبي ذر، كذا قرره في «عمدة القاري» .
(قال النبيُّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم:
(1)
في الأصل: (إذ قال لأهله امكثوا إني آنست نارًا).
ففرض الله) زاد الأصيلي: عز وجل (على أمتي خمسين صلاة) وعند مسلم من رواية أنس: (ففرض الله علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة)، ونحوه من رواية مالك بن صعصعة عند المؤلف، فيحتمل أن يقال: في كل من رواية الباب، والرواية الأخرى اختصارًا، ويقال: ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على أمته وبالعكس إلا ما يستثنى من خصائصه، كذا في «عمدة القاري» ، (فرجعت بذلك)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم: فرجعت من المكان الذي عرجت منه مصاحبًا للصلوات المفروضات عليَّ وعلى أمتي (حتى مررت على موسى) : هو ابن عمران عليه السلام صاحب الخضر عليه السلام، (فقال: ما فرض الله لك على أمتك)؛ يعني: ما فرض الله على أمتك بمصاحبتك من الصلوات؟ أو ما فرض الله لأجلك على أمتك من الصلوات؟ (قلت)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم: قلت لموسى: (فرض)؛ أي: الله علي وعلى أمتي (خمسين صلاة) في كل يوم وليلة، (قال موسى: فارجع إلى ربك)؛ أي: إلى الموضع الذي ناجيت فيه ربك أولًا، (فإن أمتك لا تطيق) وقوله:(ذلك)؛ أي: إقامة خمسين صلاة في كل يوم وليلة ثابت في رواية، ساقط في أخرى.
فإن قلت: ما وجه اعتناء موسى عليه السلام بهذه الأمة من بين سائر الأنبياء عليهم السلام الذين رآهم النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء؟
قلت: أجيب: بأنه قد ورد عن موسى أنه قال: يارب؛ اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لما رأى من كرامتهم على ربهم، فكان اعتناؤه بأمرهم وإشفاقه عليهم كما يعتني بالقوم من هو منهم، وقال الداودي: (إنما كان ذلك من موسى عليه السلام؛ لأنَّه أول من سبق إليه حين فرضت الصلاة فجعل الله في قلب موسى من ذلك؛ ليتم ما سبق من علمه عز وجل، كذا في «عمدة القاري» .
قلت: ويحتمل أنه عليه السلام لما عالج بني إسرائيل، وحصل له منهم ما وقع، وعلم أنَّ الفرائض خمسون كثيرة لا يستطاع أداؤها في كل يوم وليلة، وعلم أن أمة نبينا عليه السلام أضعف الأمم من حيث إنه عليه السلام قال:«بعثت بالدين الحنيفية السمحة» ، وأنَّهم خير أمة من حيث كثرة الثواب، فخاف ألَّا تقبل الأمة الخبر المرقوم، ولا يستطيعون لفعله، وأنه عليه السلام قام مقامًا يغبطه فيه الأولون والآخرون، فخاف أن يكون مقامه عبثًا، فأخبره بعدم الإطاقة حتى يكون مقامه معمولًا بمقتضاه مستوجبًا للفوز في الآخرة، فلهذا قال نبينا عليه السلام:(فراجعت)؛ أي: ربي في تخفيفها، وفي رواية:(فراجعني)، والمعنى واحد، والرواية الأولى للأربعة، وعزاها إمام الشَّارحين للكشميهني، والثانية لغيره، (فوضع)؛ أي: حط ربي عني، وعن أمتي (شطرها) وفي رواية مالك بن صعصعة:(فوضع عني عشرًا)، ومثله لشريك، وفي رواية ثابت:(فحط عني خمسًا)، والشَّطْر؛ بفتح الشين المعجمة، وسكون الطاء المهملة، قال الكرماني:(هو النصف).
قلت: وهو بعيد لم يرد في كلام العرب، وإنما الذي ورد في كلام العرب: أنَّ الشطر: هو البعض، وقد جاء بمعنى: الجهة أيضًا، ورواية مالك وثابت المذكورتان تدلان على أنَّ المراد بالشطر: هو البعض؛ فليحفظ.
وزاد ثابت في روايته: أن التخفيف كان خمسًا خمسًا، ولا يخفى أن هذه زيادة من ثقة وهي مقبولة معتمدة، فينبغي حمل ما في الروايات عليها، كما سيأتي.
(فرجعت إلى موسى) عليه السلام؛ أي: المكان الذي فيه موسى (فقلت) : وفي رواية: (قلت)؛ يعني: لموسى (وضع) أي: حط عني، وعن أمتي ربي (شطرها) أيضًا، (فقال) : وفي رواية: (قال)؛ أي: موسى (راجع ربك)، وفي رواية:(ارجع إلى ربك)؛ يعني: فاسأله التخفيف، (فإن أمتك لا تطيق)؛ أي: لا تستطيع العمل بذلك، (فراجعت) ولابن عساكر:(فرجعت)؛ أي: إلى ربي، (فوضع) أي: حط عني، وعن أمتي (شطرها) أيضًا، قال الكرماني: (الشطر: هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا
(1)
وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر؛ يعني: بتكميل المنكسر؛ إذ لا معنى لوضع بعض صلاة، وفي الثالثة سبعًا
(2)
).
ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا كلام لا يتجه، وهو يخالف ظاهر عبارة حديث الباب؛ لأنَّ المراجعة المذكورة فيه ثلاث مرات، ولم يجعل الوضع إلا في المرتين الأوليين، وفي المرة الثالثة قال: «هن خمس وهن خمسون»، فلم يحصل الوضع ههنا، ويلزم من كلامه أن تكون المراجعة أربع مرات؛ في الأولى الشطر، وفي الثانية ثلاثة عشر، وفي الثالثة سبعة، وفي الرابعة قال: «هن خمس»، وليس الأمر كذلك).
وزعم ابن المنير أن ذكر الشطر أعم من كونه وضع دفعة واحدة، وزعم ابن حجر قلت: وكذا العشر، فكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا يكون سبع دفعات، ففي المراجعة الأولى دفعتان، وهما عشرون كل دفعة عشرة، وفي الثانية يكون خمس دفعات كل دفعة خمس، فيصير خمسة وعشرين، ولكن هل كل دفعة في مراجعة، فيصير سبع مراجعات؟ أو دفعتان في المراجعة الأولى، وخمس دفعات في الثانية؟ ولكل منهما وجه بالاحتمال، ولكن ظواهر الروايات لا تساعد شيئًا من ذلك إلا بالتأويل، وهو أن يكون المراد من الشطر: البعض، وقد جاء ذلك في كلام العرب، وجاء أيضًا بمعنى: الجهة؛ كما في قوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144]؛ أي: جهته، وإذا كان كذلك؛ يكون المراد من الشطر في المراجعة الأولى: العشر مرتين، وفي الثانية: الخمس خمس مرات، فتكون الجملة خمسة وأربعين.
فإن قلت: إذا كان الفرض أولًا هو الخمسون؛ كيف جاز
(1)
في الأصل: (خمس)، ولعل المثبت هو الصواب.
(2)
في الأصل: (سبعة)، ولعل المثبت هو الصواب.
وقوع هذا التردد والمراجعة من النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم وبين موسى كليم الله عليه السلام؟
قلت: كانا يعرفان أنَّ الأولى غير واجب قطعًا، فلو كان واجبًا قطعًا؛ ما كان يقبل التخفيف، ولا كان النبيان العظيمان يفعلان ذلك) انتهى كلامه.
(فرجعت إليه)؛ أي: إلى موسى عليه السلام، وفي الكلام حذف؛ تقديره: فقلت لموسى: وضع ربي شطرها عني وعن أمتي، (فقال)؛ أي: موسى: (ارجع إلى ربك)؛ أي: إلى الموضع الذي ناجيته فيه، (فإن أمتك لا تطيق ذلك)، فاسأله التخفيف، (فراجعته)؛ أي: ربي سبحانه وتعالى، (فقال) الله عز وجل:(هن) وفي رواية: (هي)(خمس)؛ يعني: خمس صلوات مفروضات في العمل من جهة العدد في الفعل، والضمير فيه وفي تاليه مبهم يفسره الخبر؛ كقوله:
هي النفس ما حملتها تتحمل
…
. . . . . . . . . . . . .
(وهن) وفي رواية أبي ذر كالأولى: (هي)(خمسون)؛ يعني: باعتبار الثواب؛ لأنَّ كل حسنة بعشرة أمثالها، كما في النص القرآني، وكان الفرض في الأول خمسين، ثم إنَّ الله تعالى رحم عباده وجعله خمسًا
(1)
؛ تخفيفًا لنا، ورحمة علينا، ثم هذا هل هو نسخ أم لا؟ فاستدل قوم بالنقص على أنه يجوز نسخ العبادة قبل العمل بها، وأنكر النحاس هذا القول من وجهين:
أحدهما: البناء على أصله، ومذهبه: أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها؛ لأنَّ ذلك عنده من البداء، والبداء على الله محال.
الثاني: أن العبادة وإن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يراه؛ فليس يجوز عند أحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض ووصولها إلى المخاطبين، قال: وإنما ادعى النسخ فيها الكاشاني؛ ليصح بذلك مذهبه في أن البيان لا يتأخر، قال النحاس:(وهذا إنَّما يسمى شفاعة شفعها النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم لأمته، ومراجعته التي راجعها ربَّه؛ ليخفف عن أمته، ولا يسمى نسخًا) انتهى.
واعترضه السهيلي فقال: وقول النحاس: (وذلك بداء) : ليس بصحيح؛ لأنَّ حقيقة البداء أن يبدو للآمر رأي يتبين الصواب فيه بعد إن لم يكن تبينه، وهذا محال في حق الله عز وجل، والذي يظهر أنه نسخ ما وجب على النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم من أدائها، ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب، وهذا نسخ على الحقيقة نسخ عنه ما وجب عليه من التبليغ، فقد كان في كل مرة عازمًا على تبليغ ما أمر به، ومراجعته وشفاعته لا تنفي النسخ؛ لأنَّ النسخ قد يكون عن سبب معلوم، فشفاعته عليه السلام كانت سببًا للنسخ لا مبطلة لحقيقته، ولكن المنسوخ ما ذكرناه من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ وحكم الصلوات في خاصته، وأما أمته؛ فلم ينسخ عنهم حكم؛ إذ لا يتصور نسخ الحكم قبل وصوله إلى المأمور، والوجه الثاني: أن يكون هذا خبرًا لا تعبدًا، فإذا كان خبرًا؛ لا يدخله النسخ، ومعنى الخبر: أنه عليه السلام أخبره ربه أن على أمته خمسين صلاة؛ ومعناه: أنها في اللوح المحفوظ خمسون، فتأولها عليه السلام على أنها خمسون بالفعل، فبينها له ربه عز وجل عند مراجعته أنها في الثواب لا في العمل) انتهى ذكره إمام الشَّارحين.
ثم قال: (فإن قلت: ما معنى نقص الصلاة عشرًا بعد عشر؟
قلت: أجيب: بأنه ليس كل الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها، وقد جاء أنه يكتب له ما حضر قلبه منها، وأنه يصلي فيكتب له نصفها ربعها حتى انتهى إلى عشرها، ووقف، فهي خمس في حق من يكتب له عشرها، وعشر في حق من يكتب له أكثر من ذلك، وخمسون في حق من كملت صلاته بما يلزم من تمام خشوعها، وكمال سجودها وركوعها) انتهى.
ثم قال رحمه الله تعالى: (واستدل الشافعي به على عدم وجوب صلاة الوتر حيث عين الخمس.
قلنا: نحن إنَّما نقول: لم يجب الوتر في ذلك، وإنما كان وجوبه بعد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله زادكم صلاة؛ ألا وهي الوتر
…
»؛ الحديث، فلذلك انحطت درجته عن الفرض؛ لأنَّ ثبوت الفرض الخمس بدليل قطعي) انتهى.
وأما ثبوت الواجب؛ فبدليل ظني لكن قد كثرت الأحاديث الصحاح في صلاة الوتر؛ منها: قوله صلى الله عليه وسلم: «الوتر حق، فمن لم يوتر؛ فليس مني» قالها ثلاثًا، ومواظبة النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، كل ذلك يدل على الوجوب، ويثبت به الواجب، بل هذه الأحاديث تفيد الفرضية، وهو رواية عن إمامنا الأعظم، والصحيح عنه أنه واجب، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمد: إنه سنة، ووفق المتأخرون: بأنه فرضٌ عملًا، واجبٌ اعتقادًا، سنةٌ ثبوتًا، وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب» ، والله أعلم بالصواب.
قال الله تعالى: (لا يبدل القول لدي)؛ يعني: لا يبدل الإخبارات -مثل: أن ثواب الخمس خمسون- لا التكليفات، أو لا يبدل القضاء المبرم لا القضاء المعلق الذي يمحو الله ما يشاء منه ويثبت منه، أو معناه: لا يبدل القول بعد ذلك، كذا قاله إمام الشَّارحين.
(فرجعت إلى موسى) عليه السلام، فأخبرته بما وقع، والظاهر: أنه لم يخبره بقوله تعالى: (لا يبدل القول لدي)، يدل عليه قوله:(فقال)؛ أي: موسى له (راجع ربك) وللأصيلي: (ارجع إلى ربك)؛ لأنَّه لو أخبره بما قال؛ لما قال له: راجع ربك، واسأله التخفيف، ويحتمل أنه أخبره، لكن لما علم أن النبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم مكرم على ربه معظم؛ ظن أن يوضع عنه منها أيضًا؛ فتأمل.
(فقلت) : ولأبي ذر: (قلت)؛ أي: لموسى: إني (استحييت) وللأصيلي: (قد استحييت)(من ربي) ووجه استحيائه من ربه أنه لو سأل الرفع بعد الخمس؛ لكان كأنه قد سأل رفع الخمس بعينها، فلذلك استحى عن أن يراجع ربه بعد ذلك، ولا سيما سمع من ربه:(لا يبدل القول لدي) بعد قوله: (هن خمس، وهن خمسون).
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون معنى قوله تعالى: (لا يبدل القول لدي) : لا ينقص عن الخمس، ولا يبدل إلى أقل من ذلك؟
قلت: أجيب: بأنه لا يناسب لفظ قوله عليه السلام: «استحييت من ربي» ، كذا في «عمدة القاري» ، وزعم ابن حجر أن سبب الاستحياء أن العشرة آخر جمع القلة، وأول جمع الكثرة، فخشي أن يدخل في الإلحاح في السؤال، ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا ليس بجواب في رواية هذا الباب، وأما في رواية مالك بن صعصعة وشريك:«فوضع عني عشرًا» ؛ ففيه إلحاح؛ لأنَّ السؤال قد تكرر، وكيف
(1)
في الأصل: (خمس)، والمثبت هو الصواب.
لا، والإلحاح في الطلب من الله تعالى مطلوب؟) انتهى.
قلت: يدل عليه قوله عليه السلام: «إن الله يحب الملحِّين في الدعاء
…
»؛ الحديث، وقد اختلط على ابن حجر رواية الباب، ورواية مالك، فخبط، وقال ما قال؛ فافهم.
(ثم انطلق بي)؛ بفتح الطاء المهملة واللام، وسقط لفظة (بي) في رواية، والمراد بالفاعل الغائب المستتر في (انطلق) : هو جبريل عليه السلام (حتى انتهى بي)؛ أي: جبريل (إلى السدرة المنتهى) كذا للأربعة، وفي رواية:(إلى سدرة المنتهى)، والسِدْر؛ بكسر السين المهملة، وسكون الدال المهملة: هو شجر النبق، واحدته سدرة، وجمعها سدر وسدور، الأخيرة نادرة، وقال ابن زياد:(السدر: من العضاه، وهو لونان، فمنه عنبري، ضال خف، فأما العنبري؛ فما لا شوك فيه إلا ما لا يضير، وأما الضال خف؛ فهو ذو شوك، وللسدر ورقة عريضة مدورة، وربما كانت السدرة محلالًا، قال: وورق الضال خف صغار، وهو أجود نبق يعلم بأرض العرب نبق بهجر في بقعة واحدة، يحمى للسلطان وهو أشد نبق يعلم حلاوة وأطيبه رائحة، يفوح فم آكله كما يفوح العطر، وفي «نوادر الهجري» : (السدر: يطبخ، ويصبغ به)، وتجمع السدرة على سدْرات؛ بإسكان الدال المهملة، ويقال: بفتحها، ويقال: بكسرها مع كسر السين فيها، كذا في «عمدة القاري» .
قلت: والمراد بها شجرة الصنوبر.
قال إمام الشَّارحين: (وهي فوق السماء السابعة)، وقال الخليل:(هي في السماء السابعة، قد أظلت السموات والجنة)، وفي رواية مسلم:(أنها في السماء السادسة)، والأول أكثر، ويحمل على أن أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة، وزعم عياض أن أصلها في الأرض؛ لخروج النيل والفرات من أصلها، انتهى.
قلت: وليس هذا بلازم، بل معناه: أن الأنهار تخرج من أصلها، ثم تسير حيث أراد الله تعالى حتى تخرج من الأرض، وتسير فيها، وورد:(أن من أصلها يخرج أربعة أنهار؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فالباطنان: السلسبيل والكوثر، والظاهران: النيل والفرات)، وعن ابن عباس:(أنها عن يمين العرش)، وإنما سميت بـ (المنتهى)؛ لأنَّها أسفل العرش، لا يجاوزها ملك ولا نبي؛ يعني: بل ينتهي إليها، وفي الأثر: إليها ينتهي ما يعرج من الأرض، وما ينزل من السماء، فيفيض منها، وقيل: ينتهي إليها علم كل ملك مقرب ونبي مرسل، وقال كعب:(وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله)، وقيل: ينتهي إليها أرواح الشهداء، وقيل: إن أرواح المؤمنين تنتهي بها إليها، فيصلي عليها هناك الملائكة المقربون، انتهى ما قاله إمام الشَّارحين.
(وغشيها)؛ أي: قال النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم: «وغشيها» ؛ يعني: سدرة المنتهى (ألوان، لا أدري ما هي) واختلف فيما يغشاها؛ فقيل: يغشاها الملائكة حتى تغطى السدرة، وقيل: يغشاها فراش من ذهب، أو جراد من ذهب، أو هو الملائكة الذين يعبدون الله عندها، وقيل: بل يغشاها أنوار الله تعالى؛ لأنَّ النبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم لما وصل إليها؛ تجلى ربه لها كما تجلى للجبل، فظهرت الأنوار الإلهية عليها، لكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت، فجعل الجبل دكًّا ولم تتحرك الشجرة، وخر موسى صعقًا، ولم يتزلزل النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، وروي عنه عليه السلام أنه قال: رأيت على كل ورقة من أوراقها ملكًا قائمًا يسبح الله تعالى، وفي إبهام ما يغشاها تعظيم وتكثير لما يغشاها من الخلائق، والغشيان يكون بمعنى: التغطية والستر، ويكون بمعنى: الإتيان أيضًا، قيل: وهو المناسب ههنا؛ فتأمل.
فإن قلت: العالم العلوي ليس فيه شيء مما هو في هذا العالم، فلا يكون فيه شجرة النبق، وهي شجرة الصنوبر، فما وجه قوله:(إلى سدرة المنتهى)؟
قلت: أجيب: بأن شجرة النبق لما كان لها ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة زكية؛ شبهت بها شجرة المنتهى، فأطلق عليها اسم السدرة على سبيل الاستعارة؛ فليحفظ.
وقال مقاتل: (السدرة: هي شجرة طوبى، ولو أن رجلًا ركب هجينه وطاف على ساقها حتى أدركه الهرم؛ لما وصل إلى المكان الذي ركب منه، تحمل لأهل الجنة الحلي والحلل، وجميع ألوان الثمر)، وقيل: هي شجرة غير طوبى ثابتة في يمين العرش فوق السماء السابعة، تخرج أنهار الجنة من أصلها، كما قدمناه، وإضافة السدرة إلى المنتهى يحتمل أن تكون من قبيل إضافة الشيء إلى مكانه؛ كقولك: شجرة بلدة كذا، ومكان كذا، فالمنتهى حينئذٍ موضع لا يتعداه ملك أو نبي، كما ذكرناه؛ فتأمل، وجمهور المفسرين على أن النبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم لما رجع من عند ربه عز وجل ليلة الإسراء؛ رأى جبريل على صورته عند سدرة المنتهى، وقال عليه السلام:«رأيته عند سدرة المنتهى، وعليه ست مئة جناح يتناثر منها الدر والياقوت» ، وهي مقام جبريل عليه السلام، أمَّ فيها النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم ملائكة السماءكلها؛ فكان إمام الأنبياء في بيت المقدس، وإمام الملائكة عند سدرة المنتهى، فظهر بذلك فضله على أهل السماء والأرض، وقالت عائشة رضي الله عنها:(من حدث أن محمدًا رأى ربه؛ فقد كذب، ثم قرأت: {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَاّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51])، وقالت:(إن المرئي في قوله تعالى: {مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى} [النجم: 11] : هو صورة جبريل)؛ حيث قالت: (ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين)، ووافقها ابن مسعود رضي الله عنه، وقال كعب الأحبار:(إن النبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم رأى ربه مرة أخرى، فإن الله كلم موسى مرتين، وأدنى محمدًا صلى الله عليه وسلم مرتين)، وتبعه جماعة كثيرة من المفسرين، وقالوا: إن المرئي هو الله تعالى، وإنه عليه السلام رأى ربه.
واختلفوا في أنه عليه السلام هل رأى ربه بقلبه أو بعين رأسه؟
فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول عبد الله بن عباس، فقال:(رآه بفؤاده مرتين)، ويدل عليه أنه عليه السلام قال: «رأيته بفؤادي، ولم أره