الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم قال في «عمدة القاري» : (وفيه ما يدل على أن العدد والتكرار في إفاضة الماء ليس بشرط، والشرط وصول الماء إلى جميع البدن) انتهى.
قلت: فإذا حصل التعميم والوصول بمرة؛ فلا يزاد عليها؛ لأنَّ الأمر لا يقتضي التكرار، على أن الإسراف في الماء مكروه، كما قدمنا، فينبغي أن يراعي حالًا وسطًا من غير إسراف ولا تقتير، ويكره ضرب الماء بجسده؛ لأنَّه خلاف السنة، وهي: الإفاضة، فما يفعله بعض المتعصبين في الحمامين حيث يصب على رأسه عشرة أجران ماء، ثم يذهب إلى المغطس وينغمس عشر مرار أو أكثر مكروه قطعًا؛ لأنَّ فيه إتلاف مال الغير وهو حرام، وفيه إيذاء الناس بانتظارهم فراغه، وفيه جلب الغيبة له، وغير ذلك مما لم يأذن به الشرع، وهذا كله بدع خارجة عن فعل الشارع، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة بالنار؛ فافهم.
(قال أبو عبد الله:) أي: المؤلف: (قال) وفي رواية: (وقال)، وبإسقاط:(قال: أبو عبد الله)، وزيادة واو (يزيد بن هارون) مما هو موصول في «مستخرج أبي نُعيم، وأبي عوانة» ، (وبَهْز)؛ بفتح الموحدة، وسكون الهاء، آخره زاي، هو: ابن أسد أبو الأسود بن سعد البصري، المتوفى بمرو في بضع وتسعين ومئة، وطريقه موصول عند الإسماعيلي، (والجُدِّي)؛ بضمِّ الجيم، وتشديد الدال المهملة، نسبة إلى جُدَّة التي في ساحل البحر من ناحية مكة، وهو: عبد الملك بن إبراهيم، ونسب إليها؛ لأنَّ أصله منها، لكنه سكن البصرة، مات سنة خمس ومئتين، وأما طريقه؛ فقال إمام الشارحين صاحب «عمدة القاري» :(فلم أقف عليه) انتهى، وهؤلاء الثلاثة روَوا (عن شعبة)؛ هو: ابن الحجاج، هذا الحديث، فقوله:(عن شعبة) متعلق بهؤلاء الثلاثة، وهذه متابعة ناقصة ذكرها المؤلف تعليقًا، ولفظ الحديث:(قدر صاع)؛ بدل (نحو من صاع)؛ تقديره: فدعت بإناء قدر صاع، ويجوز الوجهان المذكوران في (نحو من صاع) ههنا أيضًا، كذا قاله إمام الشارحين.
قلت: فالجر يجوز أن يكون صفة لـ (إناء) كما مر، ويجوز أن يكون بيانًا لـ (إناء)، والنصب ظاهر، والأولى الصفة لا البيان، كما لا يخفى.
وزعم ابن حجر وتبعه العجلوني أن المراد من الروايتين أن الاغتسال وقع على الصاع من الماء تقريبًا لا تحديدًا، واعترضه صاحب «عمدة القاري» فقال: (هذا القائل ذكر في الباب السابق في حديث مُجَاهِد عن عائشة: أنه حزر الإناء ثمانية أرطال، إن الحزر لا يعارض التحديد، ونقض كلامه هذا بقوله: والمراد من الروايتين
…
إلى آخره) انتهى.
قلت: فالتناقض في كلامه ظاهر، وما اعترض ابن حجر به وقع فيه، وقدمنا أن المراد بالحزر التقدير، وأن مُجَاهِد لم يشك في الثمانية كما رواه النسائي والحافظ الطحاوي، وعليه أهل اللغة؛ فليحفظ.
[حديث: كان يكفي من هو أوفى منك]
252 -
وبه قال: (حدثنا عبد الله بن محمَّد)؛ هو الجعفي المسندي المتقدم (قال: حدثنا يحيى بن آدم)؛ هو الكوفي المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومئتين، قال الغساني: وقد سقط ذكر (يحيى) في بعض النسخ، وهو خطأ؛ إذ لا يتصل الإسناد إلا به، كذا في «عمدة القاري» (قال: حدثنا زُهَير)؛ بضمِّ الزاي بالتصغير، هو ابن معاوية الكوفي الجزري، وفي رواية:(أخبرنا زهير)، (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الكوفي السَّبيعي؛ بفتح السين المهملة (قال: حدثنا أبو جعفر)؛ هو محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر، دفن بالبقيع في القبة المشهورة بالعباس:(أنه كان عند جابر بن عبد الله) الصحابي المشهور (هو) أي: محمَّد بن علي (وأبوه)؛ أي: علي بن الحسين زين العابدين (وعنده) أي: جابر (قوم) قال في «عمدة القاري» : (هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: (وعنده قومه)، وكذا وقع في «العمدة» ) انتهى.
ومثله في «ابن حجر» قال: (وجعل شرَّاحها الضمير يعود على جابر، وفيه ما فيه، وليست هذه الرواية في «مسلم» أصلًا، وذلك وارد على قول صاحب «العمدة» : إنه لا يخرج إلا المتفق عليه) انتهى.
قلت: وقوله: (وفيه ما فيه) ممنوع، فإن قوم جابر هم الأنصار، كما لا يخفى، فعود الضمير إليه صحيح.
وقوله: (وليست هذه
…
) إلخ هذا لا يقدح فيما روي هنا من هذه الرواية، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ، ومراده بهذا الرد على المؤلف، وهو غير وارد، بل رده مردود عليه، كما لا يخفى.
وقوله: (وذلك وارد
…
) إلخ ممنوع فإن مراد صاحب «العمدة» بقوله: (إنه لا يخرِّج
…
) إلخ أنه ويزيد المختلف فيه، لا أنه يخرج المختلف به فقط، بل يذكر المتفق عليه، والمختلف به؛ فافهم، فهذا لا يرد عليه، كما لا يخفى.
(فسألوه عن الغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة؛ أي: عن مقدار ماء الغسل والسائل هو: أبو جعفر كما في «مسند إسحاق بان راهويه» ، (فقال) أي: جابر رضي الله عنه: (يكفيك صاع)؛ أي: ملء صاع من الماء.
قال في «عمدة القاري» : (فإن قلت: القوم هم السائلون، فلم أفرد الكاف حيث قال: يكفيك صاع، والظاهر يقتضي أن يقال: يكفي كل واحد منكم صاع؟
قلت: السائل كان شخصًا واحدًا من القوم، وأضيف السؤال إليهم؛ لأنَّه منهم، كما يقال: النبوة في قريش وإن كان النبيُّ عليه السلام واحدًا منهم، أو يراد بالخطاب العموم، كما في قوله تعالى:{وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ} [السجدة: 12]، وكقوله عليه السلام:«بشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام» ؛ أي: يكفي لكل من يصح الخطاب له صاع) انتهى.
(فقال رجل)؛ المراد به: الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب الذي يعرف أبوه بابن الحنفية، مات سنة مئة أو نحوها، واسم الحنفية: خولة بنت جعفر، وفي رواية الإسماعيلي:(فقال رجل منهم)؛ أي: من القوم: (ما يكفيني) أي: لا يكفيني ملء صاع من الماء، (فقال جابر) أي: ابن عبد الله: (كان) أي: الصاع، والمراد: الماء الذي فيه (يكفي من هو أوفى منك) أي: أكثر منك (شعَرًا)؛ بفتح العين المهملة، وارتفاعه بالجبرية، و (شَعَرًا) منصوب على التمييز، وأراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم (وخير منك) روي بالرفع والنصب، أما الرفع؛ فبكونه عطفًا على (أوفى)، وأما النصب؛ فبكونه عطفًا على الموصول؛ أعني قوله:(من)، فإنه منصوب؛ لأنَّه مفعول (يكفي)، وفي رواية الأَصيلي: (أوخيرًا
(1)
)؛ بالنصب، كذا في «عمدة القاري» ، وقال الزركشي: بنصب (خير) عطفًا على (شعر)؛ لأنَّ (أوفى) بمعنى أكثر، ورده في «المصابيح» : بأنه إنَّما يتأتى إذا أريد بخير واحد الخيور، لا ما يقصد به التفضيل، والتفضيل فيه مراد لاقترانه بـ (مَن)، فالصواب عطفه على (مَن)، ثم أشكله بأن العطف يقتضي المغايرة مع أن المراد واحد، وأجاب: بأنه كعطف الصفات والموصوف واحد، قال: وجعل (مَن) الثانية مؤكدة للأولى حتى لا يكون (خير) للتفضيل بعده ظاهر، انتهى.
وزعم العجلوني فقال: (دعواه أن المراد واحد فيه نظر؛ لأنَّ الأول أكثر من جهة الشعر، والثاني من جهة الخيرية، وكأنه جعل الخيرية باعتبار الشعر).
قلت: وهذا مردود، فإنه عليه السلام خير من جميع الوجوه والاعتبارات، ومهما وصفته بالخيرية؛ فهو أعظم وأبلغ، والإشكال غير وارد، فالصواب عطفه على (مَن)، كما قدمناه عن «عمدة القاري» ، فلله دره ما أفطنه، وأغزر علمه، وأوفر فهمه! رضي الله تعالى عنه.
(ثم أمَّنا) أي: صلى بنا جابر إمامًا (في ثوب)؛ أي: واحد ليس عليه غيره، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى جابر، وهو من مقول أبي جعفر، وقال الكرماني: قوله: (ثم أمَّنا)، إما مقول جابر؛ فهو معطوف على قوله:(كان يكفي)، فالإمام رسول الله عليه السلام، وإما مقول أبي جعفر؛ فهو عطف على (فقال جابر)، والإمام جابر رضي الله عنه.
وزعم ابن حجر أن فاعل (أمنا) جابر، كما سيأتي ذلك موضحًا في كتاب (الصَّلاة)، ولا التفات إلى من جعله من مقول جابر، والفاعل رسول الله عليه السلام.
واعترضه إمام الشارحين فقال: (قلت: أراد بهذا الرد على الكرماني فيما ذكرنا عنه، وجزم بقوله: (إن الإمام جابر)، واحتج عليه بما روي مما جاء في كتاب (الصَّلاة)، وهو ما رُوِيَ عن محمَّد بن المنكدر، قال: رأيت جابرًا
(1)
في الأصل: (وخيرًا)، والمثبت موافق لما في «الصحيح» .
يصلى في ثوب، فإن كان استدل بهذا الحديث في رده على الكرماني؛ فلا وجه له، وهو ظاهر لا يخفى) انتهى كلام صاحب «عمدة القاري» .
قلت: وظاهره أنَّ مراده الرد على الكرماني مستدلًّا بهذا الحديث، وليس له وجه كما ذكره؛ لاحتمال أنَّ جابرًا كان يصلي خلف رسول الله عليه السلام، فإنَّه ليس فيه ما يدل على أنَّ جابرًا هو الإمام؛ فليحفظ.
قال في «عمدة القاري» : (وفي الحديث بيان ما كان السلف عليه من الاحتجاج بفعل النبيِّ صلى الله عليه وسلم والانقياد إلى ذلك، وفيه: جواز الرد على من تمادى بغير علم؛ إذ القصد من ذلك إيضاح الحق، والإرشاد إلى من لا يعلم، وفيه: كراهية الإسراف في استعمال الماء، وفيه: استحباب قدر الصاع في الاغتسال، وفيه: جواز الصَّلاة في الثوب الواحد) انتهى.
قلت: والسنة في الغسل ملء الصاع، وفي الوضوء ملء المُدِّ، كذا قدره مجتهد المذهب الإمام محمَّد بن الحسن في «ظاهر الرواية» عن الإمام الأعظم رضي الله عنهما، وهو تقدير أدنى الكفاية عادة، وليس بلازم حتى إنَّ من أسبغ بدون ذلك أجزأه، وإن لم يكفه؛ زاد عليه؛ لأنَّ طباع الناس وأحوالهم تختلف، كذا في «البدائع» .
وقال في «الخلاصة» : (والتقدير في الوضوء بالمد إذا كان لا يحتاج إلى الاستنجاء، فإن احتاج إليه؛ لا يكفيه، بل يستنجي برطل أو يتوضأ بالمد، فإن كان لابس الخفين؛ يتوضأ برطل.
فالحاصل: أنَّ الرطل للاستنجاء، والرطل للقدمين، والرطل لسائر الأعضاء) انتهى.
واعلم: أنَّ الوضوء على أربعة أوجه: إما ألَّا يستنجي ويمسح على الخفين، أو يستنجي ويمسح على الخفين، أو لا يستنجي ويغسل الرجلين، أو يستنجي ويغسل الرجلين، أمَّا الأول؛ فيكفيه رطل، وأمَّا الثاني؛ فاثنان: واحد للاستنجاء، وآخر للوضوء، وأمَّا الثالث؛ فكذلك: واحد للرجلين، وواحد للبقية، وأمَّا الرابع؛ فثلاثة أرطال: واحد للاستنجاء، وواحد للرجلين، وواحد للبقية، وأدنى مايكفي من الماء في الغسل في الغالب صاع، وفي الوضوء ربعه، وهو: المد، وللاستنجاء ثمنه؛ وهو: الرطل، وإن أراد أن يمسح على خفيه؛ كفاه في الوضوء رطل، كذا في «منهل الطلاب» ، والله أعلم.
وقال ابن عبد البر في «شرح موطأ مالك» : (غسل الأعضاء في الوضوء وسائر الجسم إنَّما يكون بمباشرة الماء لذلك، وأمَّا ما أمر الله بغسله؛ فلا يجزئ فيه المسح، فمن قدر على أن يتوضأ بمد أو أقل ويغتسل بصاع أو دونه بعد أن يسبغ ويعم؛ فذاك حسن عند جمهور العلماء بالعراق والحجاز، ولا يخالف في ذلك إلا ضال مبتدع) انتهى.
وفي يوم الثاني جماد الثاني سنة سبع وسبعين شرعوا في عدد الأنفس بدار رستم أفندي والله تعالى المهدي.
[حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد]
253 -
وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضمِّ النون؛ هو: الفضل بن دُكين؛ بضمِّ الدال المهملة (قال: حدثنا ابن عُيينة)؛ بضمِّ العين المهملة؛ هو: سفيان (عن عَمرو)؛ بفتح العين المهملة؛ هو: ابن دينار، (عن جابر بن زيد) : هو أبو: الشَعْثاء- بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، بعدها مثلثة، وبالمد- الأزدي البصري المتوفَّى سنة ثلاث ومئة، (عن ابن عباس) عبد الله رضي الله عنهما (أنَّ النبيَّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم ومَيمُونة)؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية؛ بنت الحارث زوجة النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، وخالة ابن عباس (كانا يغتسلان)؛ أي: من الجنابة (من) ولأبي الوقت (في) وهي بمعنى (من)(إناء واحد)؛ أي: في وقت واحد، كما يظهر من السياق، وتعبيره بـ (كان) يدل على أنَّ عادتهما ذلك على الدوام والاستمرار.
قال إمام الشارحين في «عمدة القاري» : ومطابقة هذا الحديث للترجمة غير ظاهرة، ووجه الكرماني في ذلك بثلاثة أوجه بالتعسف؛ الأول: أن يراد بالإناء الفرق المذكور، الثاني: الإناء كان معهودًا عندهم أنَّه هو: الذي يسع الصاع والأكثر، فنزل تعريفه اعتمادًا على العرف والعادة، الثالث: أنَّه من باب الاختصار في الحديث، وفي تمامه ما يدل عليه كما في حديث عائشة رضي الله عنها، ووجَّهه بعضهم بأن مناسبة الترجمة تستفاد من مقدمة أخرى، وهو أنَّ أوانيهم كانت صغارًا، فيدخل هذا الحديث تحت قوله:«ونحوه» ؛ أي: نحو الصاع، أو يحمل المطلق فيه على المقيَّد في حديث عائشة وهو الفرق؛ لكون كل منهما زوجة له، واغتسلت معه، فتكون حصة كل منهما أزيد من صاع، فتدخل تحت الترجمة تقريبًا، قال: قلت: قول هذا القائل أكثر تعسفًا وأبعد وجهًا من كلام الكرماني؛ لأنَّ المراد من هذا الحديث: جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وهذا هو مورد الحديث، وليس المراد: منه بيان مقدار الإناء، والباب في بيان المقدار، فمن أين يلتئم وجه التطابق بينه وبين الباب؟
وقوله: (لكون كل منهما زوجة)؛ كلام من لم يمس شيئًا من الأصول، وكون كل واحدة منهما امرأة له، كيف يكون وجهًا لحمل المطلق على المقيد؟ مع أنَّ الأصل أن يجري المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده، والحمل له مواضع، كما عرفت في موضعها) انتهى كلام «عمدة القاري» .
وأراد بقوله: (بعضهم) : ابن حجر العسقلاني، فإنَّه ذكر هذا الكلام في «شرحه» ، ولا يخفى ما فيه من الركاكة، والتعسف، والبعد، وزعم العجلوني فقال:(إذا كان كلام كل منهما متعسفًا وأحدهما أكثر تعسفًا؛ فينبغي له أن يبدي ولو وجهًا سالمًا عن ذلك).
قلت: ولا يخفى عليك أنَّ الحديث إذا كان غير مطابق للترجمة، فكيف إبداء الوجه السالم من التعسف؟ وما هذا إلا كلام من ليس له ذكاء وفطنة، وهو نظير المثل المشهور بين الناس يقولون: احلبه، فيجيبه: إنه ثور، فيعيد عليه قوله: احلبه، وهكذا، فلو كان للحديث وجه صحيح؛ لكان ذكره إمام الشارحين، وأقول وبالله التوفيق: الظاهر: أنَّ المؤلف وضع هذا الحديث؛ لنكتة أخرى وهي: الاختلاف في السند، وفيه خلاف: فبعضهم لم يفرق بينهما، وبعضهم فرق، وإليه ذهب المؤلف،؛ فذكر الحديث، ثم أعقبه بالمتابعة للإشارة إلى هذا الاختلاف، وعدم مطابقته للترجمة لا يضر؛ لأنَّ المؤلف ذكر الترجمة وذكر حديثين مطابقتُهما للترجمة ظاهرة، ومناسبة الحديث لهما في أنَّه له تعلق بأحكام الغسل، والله أعلم.
(قال أبو عبد الله) أي: المؤلف: (كان ابن عيينة) أي: سفيان (يقول أخيرًا)؛ بالتحتية بعد الخاء المعجمة؛ أي: في آخر عمره: (عن ابن عباس عن ميمونة) وهذا تعليق من المؤلف، ولم يقل:(وقال ابن عيينة)، بل قال: وكان
…
؛ ليدل على أنه في آخر عمره كان مستقرًّا على هذه الرواية، فعلى هذا التقدير: التحديث من مسانيد ميمونة، وعلى الأول: من مسانيد ابن عباس (والصحيح)؛ أي: من الروايتين (ما روى) أي: الذي رواه (أبو نعيم) المذكور، وهو: أنَّه من مسانيد ابن عباس، وهذا من كلام البخاري، وهو المصحح له، وصححه الدارقطني أيضًا، ورجح الإسماعيلي أيضًا ما صححه البخاري باعتبار أنَّ هذا الأمر لا يطلع عليه من النبيِّ عليه السلام إلا ميمونة، فدل على أنَّه أخذ عن ميمونة خالته، وأخرجه مسلم، وابن أبي شيبة، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم في (الطهارة) عن ابن عباس عن ميمونة رضي الله عنهما، واللفظ:(كنت أغتسل أنا والنبيُّ صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة)، كذا في «عمدة القاري» ، ثم قال:(والمستفاد من الحديث جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد) انتهى.
(4)
[باب من أفاض على رأسه ثلاثًا]
هذا (باب) بيان (من أفاض) أي: أسال الماء (على رأسه) في الغسل من الجنابة (ثلاثًا)؛ أي: ثلاث مرَّات.
[حديث: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا]
254 -
وبالسَّند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضمِّ النون؛ هو الفضل بن دُكين؛ بالدال المهملة المضمومة (قال: حدثنا زُهير)؛ بضمِّ الزاي؛ هو ابن معاوية الجعفي، (عن أبي إسحاق) : هو عمرو بن عبد الله السَّبيعي- بفتح السين المهملة- الكوفي (قال: حدثني) بالإفراد (سُليمان)؛ بضمِّ السين المهملة
(ابن صُرَد)؛ بضمِّ الصاد المهملة، وفتح الراء، بعدها دال مهملات، من أفاضل الصحابة، الخزاعي الصحابي ابن الصحابي، سكن الكوفة أول ما نزل بها المسلمون، خرج أميرًا في أربعة آلاف يطالبون
(1)
بدم الحسين رضي الله عنه سموا: بالتوابيين، وهو أميرهم، فقتله عسكر عبيد الله بن زياد بالجزيرة سنة خمس وستين (قال: حدثني) بالإفراد (جُبَيْر)؛ بضمِّ الجيم، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، آخره راء (بن مُطعِم)؛ بلفظ الفاعل من الإطعام، القرشي النوفلي من سادات قريش، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين (قال) أي: جبير (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمَّا»)؛ بفتح الهمزة، وتشديد الميم، حرف شرط وتفصيل وتوكيد، والدليل على الشرط لزوم الفاعل بعدها؛ نحو قوله تعالى:{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 26]، والتفصيل نحو قوله تعالى:{أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} [الكهف: 79]، {وَأَمَّا الغُلامُ} [الكهف: 80]، {وَأَمَّا الجِدَارُ} [الكهف: 82]، وأمَّا التوكيد؛ فقد ذكره جار الله الزمخشري، فإنَّه قال:(فائدة: «أمَّا» في الكلام للتوكيد، تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت ذلك، وأنَّه -لا محالة- ذاهب، وأنَّه بصدد الذهاب، وأنَّه منه عزيمة).
قلت: أمَّا زيد؛ فذاهب، وههنا هي أيضًا للتأكيد، فإذا كانت للتأكيد؛ فلا يحتاج إلى التقسيم، ولا يحتاج أن يقال: إنَّه محذوف، كذا حققه في «عمدة القاري» .
وزعم الكرماني: أنَّ (أمَّا) للتفصيل، فأين قسيمه؟
قلت: اقتضاء التقسيم غير واجب، ولئن سلمنا؛ فهو محذوف يدل عليه السياق، روى مسلم في «صحيحه» : أنَّ الصحابة تماروا في صفة الغسل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم:«أمَّا أنا؛ فأفيض» ؛ أي: وأمَّا غيري؛ فلا يفيض، أو فلا أعلم حاله كيف يعمل.
ورده في «عمدة القاري» بأنَّه كلام من غير تحقيق، والتحقيق ما قدمناه، وأمَّا الذي رواه مسلم؛ فإنَّه من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق: تماروا في الغسل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعض القوم: (أمَّا أنا؛ فاغسل رأسي بكذا وكذا
…
)؛ فذكر الحديث.
وقال بعضهم: هذا هو القسيم المحذوف.
قلت: لا يحتاج إلى هذا؛ لأنَّ الواجب أن يعطى حق كل كلام بما يقتضيه الحال، فلا يحتاج إلى تقدير شيء من حديث روي من طريق لأجل حديث آخر في باب من طريق آخر) انتهى كلام «عمدة القاري» .
والمراد بقوله: (بعضهم) : ابن حجر، فإنَّه تبع الكرماني في ذلك، ولا يخفى ما في كلامهما من عدم الاحتياج إليه؛ لأنَّه متعسف كما علمت (أنا فأُفيض)؛ بضمِّ الهمزة من الإفاضة؛ وهي الإسالة (على رأسي ثلاثًا)؛ أي: ثلاث أكف، وهكذا في رواية مسلم؛ والمعنى: ثلاث حفنات؛ كل واحدة منهن بملء الكفين، ويدل عليه ما رواه أحمد في «مسنده» :(فآخذ ملء كفي، فأصب على رأسي).
وما رواه أيضًا عن أبي هريرة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب بيديه على رأسه ثلاثًا)، وفي «معجم الإسماعيلي» : أنَّ وفد ثَقيف سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنَّ أرضنا باردة، فكيف نفعل في الغسل؟ فقال:«أمَّا أنا؛ فأفرغ على رأسي ثلاثًا» ، وفي «الأوسط» للطبراني مرفوعًا:«تفرغ بيمينك على شمالك، ثم تدخل يدك في الإناء، فتغسل فرجك، وما أصابك، ثم تتوضأ وضوءك للصلاة، ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات تدلك رأسك كل مرة» ، وقال الداودي:(الحفنة باليد الواحدة)، وقال غيره: باليدين جميعًا، والحديث المذكور يدل عليه، والحفنة باليد الواحدة، وبما ذكرنا سقط قول بعضهم: إنَّ لفظة (ثلاثًا) محتملة للتكرار، ومحتملة أن تكون للتوزيع على جميع البدن، كذا قرره صاحب «عمدة القاري» .
قلت: وقوله: (بعضهم) : المراد به: ابن حجر، فإنَّه ذكر في «شرحه» الاحتمالين، والذي دلت عليه الأحاديث إنَّما هو التكرار لا التوزيع، فإنَّ حديث الطبراني المتقدم صريح في الدلالة على التكرار فقط، فاحتمال التوزيع بعيد جدًّا، كما لا يخفى.
وزعم العجلوني (أنَّ السياق أشعر أنَّه عليه السلام لا يفيض إلَّا ثلاثًا، وأنَّ غيره المذكور كان يفيض أكثر منها أو أقل) انتهى.
قلت: وليس كذلك، فإنَّ السياق مشعر بأنَّه عليه السلام كان يفيض ثلاثًا فقط، وقوله: (وإنَّ غيره
…
) إلخ هذا ليس يفهم من الحديث أصلًا، فإنَّ معنى (أمَّا) التأكيد، كما علمت، ويدل لهذا ما تقدم عند أحمد، والإسماعيلي، والطبراني، فإنَّه يدل على أنَّه لا يشعر الحديث بما ادَّعاه، ورواية مسلم السابقة لا تدل على ما ادَّعاه أيضًا؛ لأنَّ المراد من قول بعض القوم (أمَّا أنا
…
) إلخ غسل الرأس فقط بدون إفاضة عليه وعلى جميع البدن، فهو خاص بالرأس، فعمَّم لهم عليه السلام بأنَّه يفيض على رأسه ثلاثًا وعلى سائر بدنه وهذا ظاهر، كما لا يخفى.
وقوله: (وأشار) أي: النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم (بيديه) الشريفتين بلفظ التثنية (كلتيهما) من كلام جبير بن مطعم، وفي رواية الكشميهني:(كلاهما)، وحكى ابن التين في بعض الروايات:(كلتاهما)، والأولى رواية الأكثرين.
قال صاحب «عمدة القاري» : كون كلتا وكلا عند إضافتهما إلى المضمر في الأحوال الثلاثة بالألف لغة من يراها تثنية، وأنَّ التثنية لا تتعين، كما في قول الشاعر:
إنَّ أباها وأبا أباها
…
. . . . . . . . .
وأمَّا وجه رواية الكشمهني: (كلاهما)؛ بدون الياء؛ فبالنظر إلى اللفظ دون المعنى)؛ انتهى.
وزعم ابن حجر: أنَّه يجوز الرفع فيها على القطع.
قلت: وهو فاسد، فإنَّ النحاة صرَّحوا بأنَّ ألفاظ التوكيد لا يجوز قطعها، بخلاف النعوت، فإنَّها يجوز فيها القطع إذا علم المنعوت، وهنا ليس كذلك؛ فافهم، وتمامه في «إيضاح المرام» فيما وقع في «الفتح» من الأوهام؛ فيراجع.
قال في «عمدة القاري» : (ويستنبط من الحديث: أنَّه يكون الغسل ثلاث مرات، وعليه إجماع العلماء، وأمَّا الفرض فيه؛ فغسل سائر البدن بالإجماع، وفي المضمضة والاستنشاق خلاف، والجمهور على أنَّهما فرضان)، وقال النووي:(لا نعلم خلافًا في استحباب التكرار في الغسل إلا ما تفرد به الماوردي، وهو شاذٌّ، ورد عليه: بأنَّ أبا علي السنجي قاله أيضًا، ذكره في «شرح الفروع»، فلم يتفرد به، وتمامه فيه).
قلت: وقال علماؤنا: ثم يفيض الماء باديًا بالصبِّ على رأسه ثلاثًا مستوعبات، ويفيض الماء على سائر بدنه ثلاثًا يستوعب الجسد بكل واحدة منها، وهو سنة؛ للحديث، فإن لم يستوعب في كل واحدة؛ لم تحصل سنة التثليث، والأولى فرض، والثنتان بعدها سنتان على الصحيح كما في «الهندية» ، و «السراج» .
وقال في «الجوهرة» : (الثنتان سنة على الصحيح حتى لو لم يحصل بالثلاث استيعاب؛ يجب أن يغسل مرة بعد أخرى حتى يحصل، وإلا؛ فلم يخرج عن الجنابة، كما في «مجمع الأنَهر»، وما علمت من أنَّه يبتدأ بالرأس هو ما مشى عليه الإمام أبو الحسن القدوري، وهو ظاهر الرواية عن الإمام الأعظم، وهو الأصح؛ كما في أكثر المعتبرات، وهو ظاهر الأحاديث الصحيحة، وتمامه في «منهل الطلاب»، والله تعالى يلهمنا الصواب).
[حديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفرغ على رأسه ثلاثًا]
255 -
وبه قال: (حدثنا) وفي رواية: (حدثني)؛ بالإفراد (محمَّد بن بَشَّار)؛ بفتح الموحدة، وتشديد الشين المعجمة، الملقب ببندار، قال في «عمدة القاري» :(وليس في «الصحيحين» محمَّد بن بشار غيره، وضبط بعضهم له بالمثناة، والسين المهملة؛ فخطأ ظاهر؛ فليحفظ)(قال: حدثنا غُنْدَر)؛ بضمِّ الغين المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة على الأصح، واسمه: محمَّد بن جعفر البصري، وكان شعبة زوج أمه (قال: حدثنا شعبة) : هو ابن الحجاج، (عن مُخَوَّل)؛ بلفظ اسم المفعول من التخويل؛ بالخاء المعجمة، ويروى: بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وهاتان الروايتان عن أبي ذر، ورواية الأكثرين: بكسر الميم، ورواية ابن عساكر: بضمِّ الميم، ابن راشد -بالشين المعجمة- النهدي -بالنون-
(1)
في الأصل: (يطلبون)، ولعل المثبت هو الصواب.
الكوفي، روى له الجماعة، وليس له في «البخاري» غير هذا الحديث، وهو عزيز، كذا في «عمدة القاري» ، (عن محمَّد بن علي) : هو أبو جعفر الملقب بالباقر، (عن جابر بن عبد الله) : الصحابي الجليل رضي الله عنه أنه (قال: كان النبيُّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم يُفرِغ)؛ بضمِّ المثناة التحتية، آخره غين معجمة: مضارع أفرغ من الإفراغ؛ أي: يصب (على رأسه ثلاثًا)؛ أي: ثلاث غرفات وزاد، وفي رواية الإسماعيلي:(قال: أظنه من غسل الجنابة)، وفيه: فقال رجل من بني هاشم: إن شعري كثير، فقال جابر: شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر من شعرك وأطيب، وفي الحديث: دلالة على ملازمة النبيِّ صلى الله عليه وسلم على الصب ثلاثًا في الغسل؛ لأنَّ لفظة (كان) تدل على الاستمرار، وفيه: دلالة على فضل جابر رضي الله عنه؛ حيث إنه يلازمه حتى حين غسله عليه السلام.
[حديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ ثلاثة أكف ويفيضها على رأسه]
256 -
وبه قال: (حدثنا أبو نُعيم)؛ بضمِّ النون: هو الفضل بن دكين؛ بالدال المهملة (قال: حدثنا مَعْمَر)؛ بفتح الميم، وسكون العين المهملة في أكثر الروايات، وبه جزم الحافظ المزِّيُّ، وفي رواية القابسي: بضمِّ الميم الأولى، وتشديد الميم الثانية على وزن (مُحَمَّد)، وبه جزم الحاكم (بن يحيى بن سام)؛ بالسين المهملة، وتخفيف الميم، وقد ينسب إلى جده، فيقال: معمر ابن سام، وليس له في «البخاري» إلا هذا الحديث، وقول القسطلاني والعجلوني: وجوَّز الغساني الوجهين؛ لا معنى له بعد ثبوت رواية الأكثرين ورواية القابسي، فإذا كانت الروايتان ثابتتين؛ فما معنى جواز الوجهين، فإنَّ الحافظ المزِّيَّ لا ينكر رواية القابسي؛ بل يسلمها، لكن رواية الأكثرين عنده أرجح، وكذلك الحاكم لا ينكر الرواية الأولى، ولكن عنده الثانية أرجح؛ فافهم.
(قال: حدثني)؛ بالإفراد، وللأَصيلي: بالجمع (أبو جعفر) : هو محمَّد بن علي الباقر، (قال) أي: أبو جعفر (قال لي جابر) زاد الأَصيلي: (ابن عبد الله) : (أتاني ابن عمك)؛ أي: ابن عم أبيك علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ففيه مسامحة؛ لأنَّ الحسن هو ابن عم أبيه لابن عمه؛ فافهم.
(يعرِّض) : جملة وقعت حالًا من (جابر)، والتعريض خلاف التصريح من حيث اللغة، ومن حيث الاصطلاح: هو عبارة عن كناية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور، وقال في «الكشاف» :(التعريض أن يذكر شيئًا يدل به على شيء لم يذكره)، كذا في «عمدة القاري» (بالحسن) : وسقطت الموحدة من أوله لابن عساكر (بن محمَّد ابن الحَنفية)؛ بالحاء المهملة، واسمها: خولة بنت جعفر، تزوجها علي بن أبي طالب بعد فاطمة الزهراء، فولدت له محمَّدًا هذا، فاشتُهر بها رضي الله عنه (قال) أي: الحسن بن محمَّد: (كيف الغُسل)؛ بضمِّ الغين المعجمة (من الجنابة؟)؛ أي: على أي كيفية يغتسل الجنب، قال في «عمدة القاري» : وههنا سؤال الحسن بن محمَّد عن جابر بن عبد الله عن كيفية الغسل من الجنابة، وفي الحديث المذكور قبل هذا الباب السؤال وقع عن جماعة بغير لفظ:«كيف» ، ووقع جوابه هناك بقوله:«يكفيك صاع» ، وههنا جوابه بقوله: «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يأخذ ثلاث أكف
…
» إلى آخره، والسؤال في الموضعين عن الكيفية غير أنه لم يذكر لفظ «كيف» هناك؛ اختصارًا، والجواب في الموضعين بالكمية؛ لأنَّ هناك قال:«يكفيك صاع» ، وههنا قال:«ثلاثة أكف» ، وكل منهما «كم» ، وقول بعضهم: السؤال في الأول عن الكمية أشعر بذلك، قوله في الجواب:«يكفيك صاع» ليس كذلك؛ لأنَّه اغتر بظاهر قوله: «يكفيك الغسل» ، وقد ذكرنا أن لفظة:«كيف» هناك مطوية؛ لأنَّ السؤال في الموضعين عن حالة الغسل وصفته بلفظ «كيف» ؛ لأنَّها تدل على الحالة، فإن قلت: كيف يقول السؤال في الحالتين عن كيفية الغسل والجواب بالكمية؟ قلت: الحالة هي الكيفية، وللغسل حقيقة وحالة، فحقيقته: إسالة الماء على سائر البدن، وحالته: استعمال ماء نحو صاع أو ثلاثة أكف منه، ولم يكن السؤال عن حقيقة الغسل، وإنما كان عن حالة، فوقع الجواب بالكم في الموضعين؛ لأنَّ (كيف) و (كم) من العوارض المنحصرة في المقولات التسع، فطابق الجواب السؤال والنبيُّ صلى الله عليه وسلم ما بعث لبيان الحقائق، وإنما بعث لبيان الأحكام، والأحكام من عوارض الحقائق) انتهى كلامه رحمه الله تعالى، (فقلت) هذا من كلام جابر للحسن المذكور:(كان النبيُّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم يأخذ ثلاثة أكف) : هي رواية كريمة بالتاء، وفي رواية غيرها:(ثلاث أكف)؛ بغير التاء، و (أكف) : جمع كف، والكف يذكر ويؤنث، فيجوز دخول التاء وتركها على الاعتبارين، كذا قاله إمام الشارحين في «عمدة القاري» .
وزعم الكرماني: فإن قلت: الكف مؤنث، فلم دخلت التاء في الـ (ثلاثة)؟
قلت: المراد من الكف: قدر الكف وما فيها، فباعتباره دخلت أو باعتبار العضو، ورده في «عمدة القاري» فقال: (قلت: في الجواب الأول نظر، والثاني لا بأس به، والأحسن أن يقول
…
) إلى آخر ما علمت، ثم قال إمام الشارحين:(والمراد أن يأخذ في كل مرة كفين؛ لأنَّ الكف اسم جنس فيجوز حمله على الاثنين، والدليل عليه رواية إسحاق ابن راهويه من طريق حسن بن صالح، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه قال في آخر الحديث: «وبسط يديه»، ويؤيده حديث جبير بن مطعم الذي في أول الباب) انتهى؛ أي: فإنه أشار بيديه، فهو مقيد باليدين، فيحمل هذا المطلق على المقيد.
وزعم ابن حجر أنه يحتمل أن تكون هذه الغرفات الثلاث؛ للتكرار، ويحتمل أن تكون لكل جهة من الرأس غرفة؛ كما في حديث القاسم بن محمَّد الآتي.
قلت: إن أراد بقوله هذه الغرفات
…
إلى آخره أنه يأخذ في كل مرة كفًّا واحدًا؛ فممنوع؛ لأنَّه غير مفهوم من الحديث مع ما يدل على ذلك من رواية إسحاق وحديث جبير المتقدم، ويلزم من ذلك تفريق بين اليدين في الفرق، وهو ينافي قوله ويفيضها، فإن الإفاضة: الإسالة، وإذا رفع يده إلى رأسه؛ لا يبقى فيها شيء من الماء، ولا يحصل التعميم، كما لا يخفى، وإن أراد أنه يأخذ في كل مرة كفين كما قاله إمام الشارحين؛ فمسلَّمٌ، وإن أراد غير ذلك؛ فجوابه على الله تعالى.
وقوله: (ويحتمل أن تكون
…
) إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّ ظاهر قوله: (ويفيضها) يقتضي أن يصبها على رأسه من غير ملاحظة جهة من الجهات؛ لأنَّ المراد التعميم، وبما ادَّعاه لا يحصل، فإن الصب في وسط الرأس هو الذي يحصل منه التعميم، كما لا يخفى.
وقوله: (كما في حديث القاسم
…
) إلى آخره: هذا لا يدل على ما ادَّعاه؛ لأنَّ لفظه أنَّه (فأخذ
(1)
بكفه، فبدأ بشق رأسه الأيمن
…
) إلى آخر الحديث، فهو صريح في أنه أخذ بكفٍّ واحد، وهنا ليس كذلك، فكيف يدل على ما ادعاه؟ وكأنه أخذ الاحتمال الأول من هذا الحديث، وهو غير ظاهر كما لا يخفى، وما مثله إلَّا كمثل مَن غرق في بحر عظيم ولم يجد مسلكًا فتعلق بحبال العرمط وهي شرش شجر الصفصاف، ضعيف الحال، لا ينهض الضعيف وينقطع حالًا، والله يحسن الأحوال.
(فيفيضها)؛ بالفاء؛ أي: ثلاثة الأكف، وفي رواية بالواو؛ أي: يصب الماء (على رأسه) وفي بعض النسخ: بدون (على)، كذا في «عمدة القاري» ، وكأنه لتضمنه معنى يوصل، (ثم يفيض)؛ أي: الماء بعد أن أفاض على رأسه.
فإن قلت: لم لا يكون مفعوله المحذوف: ثلاثة أكف، بقرينة عطفه عليه؟
قلت: لأنَّ
(1)
في الأصل: (أخذ)، والمثبت موافق لما في «الصحيح» .