الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شاهده بنفسه)، وقال الكرماني:(ولفظ: «قال حميد» و «قال أبو هريرة» يحتمل أن يكون كل منهما تعليقًا من البخاري، ويحتمل أن يكونا داخلين تحت الإسناد، لكن الظاهر من مسألة الإرداف أنه لم يسندها حميد)، وقال في «التوضيح» :(وقول حميد يحتمل أن يكون تلقاه من أبي هريرة، ويكون الزهري رواه عنه موصولًا عند البخاري)، ورده إمام الشَّارحين فقال:(الوجه الذي ذكرناه هو الوجه، كما نص عليه المزي وغيره) انتهى.
قلت: يعني: إنه مرسل من قبيل مراسيل التابعين
…
إلى آخر، ما ذكرناه عنه قريبًا؛ فافهم.
(قال: أبو هريرة) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي: (فأذَّن)؛ بتشديد الذال المعجمة، (معنا) بفتح العين المهملة وسكونها (علي) : هو ابن أبي طالب؛ أي: مع الرهط الذين يؤذنون في الناس (في أهل مِنًى)؛ بكسر الميم، والقصر (يوم النحر) : هو يوم العاشر من ذي الحجة، فقالوا:(لا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوفُ بالبيت عريان)؛ بالرفع في (يحج) و (يطوف) فقط، والحكمة في إعطاء علي براءة؛ لأنَّ براءة تضمنت نقض العهد، وكانت سيرة العرب؛ إذ لا يحل العقد إلا الذي عقده أو رجل من أهل بيته، فأراد عليه [الصَّلاة و] السَّلام أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، وأرسل ابن عمه الهاشمي حتى لا يبقى
(1)
لهم متكلم، وقيل: لأنَّ في سورة براءة ذكر الصديق؛ يعني: قوله تعالى: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ} [التوبة: 40]، فأراد عليه [الصَّلاة و] السَّلام أن غيره يقرؤها.
فإن قلت: كان علي مأمورًا بالتأذين ببراءة، فكيف قال:(فأذن معنا بأنه لا يحج)؟
قلت: إمَّا لأنَّ ذلك داخل في سورة براءة، وإمَّا أن معناه: أنه أذن فيه أيضًا معنا بعد تأذينه ببراءة، كذا في «عمدة القاري» .
قلت: والثاني أوجه؛ فتأمل.
وقال ابن عبد البر: (أمر النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه بالخروج إلى الحج، وإقامته للناس، فخرج أبو بكر، ونزل صدر براءة بعده، فقيل: يا رسول الله؛ لو بعثت بها إلى أبي بكر؛ يقرؤها على الناس في الموسم، فقال: «إنه لا يؤديها عني إلا رجل من أهل بيتي»، ثم دعا عليًّا رضي الله عنه، فقال: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن بها في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا في منًى»، فخرج على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن علي رضي الله عنه، فقال أبو بكر: استعملك رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أن أقرأ براءة على الناس، فقال أبو بكر: أميرًا أو مأمور؟ فقال: بل مأمور)، وذكر أحمد في (فضائل علي) :(لما بلغ أبو بكر ذا الحليفة، وفي لفظ: «بالجحفة»؛ بعث النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر، فرده، وقال: «لا يذهب بها إلا رجل من أهل بيتي»، وفي لفظ: (فرجع أبو بكر، فقال: يا رسول الله؛ نزل فيَّ شيء؟ قال: «لا، ولكن جبريل عليه السلام جاءني، فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك»)، انتهى.
قلت: وفي هذا بيان حكمة إعطاء علي براءة أيضًا؛ فليحفظ.
وفي «عمدة القاري» : (ويستنبط منه أنه عليه السلام أبطل ما كانت الجاهلية عليه من الطواف عراة، واستدل بهذا الحديث على أن ستر العورة واجب في الصلاة وخارجها، وهو الموافق لترجمة الباب) انتهى.
وزعم الكرماني أنه استدل به على أن الطواف يشترط له ستر العورة، قال إمام الشَّارحين:(قلت: إذا طاف الحاج عريانًا؛ لا يعتد به عندهم، وعندنا يعتد به، ولكنه يكره) انتهى.
قلت: يعني: أنه في مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه لا تشترط ستر العورة في الطواف، فلو طاف عريانًا؛ يصح، ولكنه يكره، وعند الشافعي يشترط سترها فيه، ولو طاف عريانًا؛ لا يصح، واستدل بالحديث المذكور، فاستدل الإمام الأعظم بقوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ} [الحج: 29]، وهو مطلق، فيشمل العاري وغيره، ولا دلالة للشافعي في هذا الحديث؛ لأنَّه خبر واحد، وزيادة على النص، وهو نسخ، فلا يثبت به الحكم، ولأنه لا يشترط في الطواف الاستقبال، ولا عدم المشي إجماعًا، فعدم اشتراط ستر العورة أولى وأجدر على أن المراد بهذا الحديث النهي، وهو يقتضي الكراهة لا عدم الصحة، فما قاله الإمام الأعظم هو الصواب، والله تعالى أعلم.
(11)
[باب الصلاة بغير رداء]
هذا (باب) : حكم (الصلاة بغير رداء)؛ بكسر الراء، وفتح الدال المهملتين، وبالمد: هو ثوب يستر النصف الأعلى من الإنسان بخلاف الإزار؛ فإنه يستر النصف الأسفل.
[حديث: دخلت على جابر وهو يصلي في ثوب ملتحفًا به]
370 -
وبالسند إليه قال: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) هو الأويسي (قال: حدثنا ابن أبي الموالي) : هو عبد الرحمن بن زيد بن أبي المَوالي؛ بفتح الميم على وزن (الحواري)(عن محمد بن المنكدر) : هو التابعي المشهور (قال: دخلت على جابر بن عبد الله) : هو الأنصاري؛ أي: في بيته، كما يقتضيه السياق (وهو يصلي) جملة حالية؛ أي: صلاة نافلة؛ لأنَّ الفرائض يصليها مع النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم بالجماعة في المسجد (في ثوب) أي: واحد (ملتحفًا)؛ بالنصب على الحال (به)؛ أي: بالثوب، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي:(ملتحفٌ)؛ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو ملتحف، كذا في «عمدة القاري» .
قلت: ويجوز فيه الجر صفة لـ (ثوب) المجرور، وقيل: على الجوار، وما زعمه ابن حجر رده إمام الشَّارحين.
(ورداؤه موضوع) : جملة اسمية وقعت حالًا؛ أي: موضوع على الشيء، وهناك موضوع على المشجب، كذا في «عمدة القاري» .
قلت: فمعنى أنه موضوع؛ يعني: عن جسده يحتمل على الأرض أو غيرها، وقوله:(وهناك)؛ يعني في باب (عقد الإزار على القفا)، والمِشْجَب؛ بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الجيم، آخره موحدة: وهو ثلاث عيدان تعقد رؤوسها، ويفرج بين قوائمها، يعلق عليها الثياب، ويقال لها: السِّيْبَه؛ بكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وفتح الموحدة، آخره هاء.
(فلما انصرف)؛ أي: فرغ جابر من صلاته؛ (قلنا) أي: قال له أصحابه، ومنهم ابن المنكدر:(يا با عبد الله) أصله: يا أبا عبد الله؛ بالهمزة، فحذفت الهمزة تخفيفًا، وهو كنية جابر رضي الله عنه، (تصلي)؛ أي: في ثوب واحد؛ والتقدير: أتصلي؛ بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار (ورداؤك موضوع) عنك على الأرض أو المشجب؟ (قال)؛ أي: جابر لهم: (نعم) أي: أصلي في ثوب واحد وردائي موضوع؛ (أحببت أن يراني الجهال) وفي الرواية السابقة: (ليراني أحمق)(مثلكم)؛ بالرفع صفة لـ (الجُهَّال)، وهو بضم الجيم، وتشديد الهاء، جمع جاهل، وقدمنا هناك أن (مثل) متوغل في التنكير، فلا يتعرف وإن أضيف إلى المعرفة، فلذلك وقع صفة لنكرة، وهو قوله:(أحمق)، وأمَّا هنا؛ فإنه وقع صفة للمعرفة، فوجهه أنه إذا أضيف إلى ما هو مشهور بالمماثلة؛ تعرَّف، وههنا كذلك، على أن التعريف في (الجهال) للجنس، وهو في حكم النكرة، والمثل؛ يعني: المثيل على وزن (فعيل)، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، فلذلك لم يطابق (الجهال) مع أن التطابق بين الصفة والموصوف في الإفراد والجمع شرط، أو تقول: هو قد اكتسب الجمعية في المضاف إليه، أو هو جنس يطلق على المفرد والمثنى والجمع، كذا قرره إمام الشَّارحين،
(1)
في الأصل: (يبق)، والمثبت هو الصواب.
وقيل: ويجوز النصب على الحال.
(رأيت النبيَّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم وجملة (يصلي) : محلها نصب مفعول ثان
(1)
لـ (رأيت)(كذا) وفي رواية الكشميهني: (هكذا)، والإشارة إلى الصلاة في ثوب واحد، وسبب تغليظه القول فيه كونه فهم من كلام السائلين الإنكار عليه، والغرض في محبته لرؤية الجهال؛ ليقع السؤال والجواب، فيستفاد منه بيان الجواز، كذا في «عمدة القاري» .
فإن قلت: اللام في (ليراني)؛ للتعليل والغرض، فكيف وجه إراءته الجهال غرضًا؟
قلت: الغرض بيان الجواز في ذلك الفعل، فكأنه قال: صنعته محبة لأن يراني الجهال، فينكرون علي بجهلهم، فأظهر لهم جوازه، وإغلاظه عليهم؛ لإنكارهم على فعله؛ لقولهم:(تصلي)؛ لأنَّ الهمزة فيه للإنكار، وهي مقدرة، كما ذكرنا، وقد أسند فعله إلى ما تقرر في صلاته صلى الله عليه وسلم حيث كان يصلي هكذا، والله أعلم.
(12)
[باب مَا يُذْكَرُ فِي الْفَخِذِ
.]
هذا (باب: ما يُذكَر)؛ بضم التحتية أوله، وفتح الكاف (في) حكم (الفخِذ) وفي رواية الكشميهني:(من الفخذ)، ويجوز في الخاء المعجمة الكسر والسكون، ووجه مناسبته بما قبله: هو أن المذكور في الباب قبله هو الصلاة في ثوب ملتحفًا به لستر العورة، والمذكور في هذا الباب حكم الفخذ، وهو أنه عورة، فإذا كان عورة؛ يجب ستره، والستر إنَّما يكون بالثياب، فتحققت المناسبة بينهما.
(قال أبو عبد الله)؛ أي: المؤلف نفسه، كذا هو ثابت في رواية أبوي ذر والوقت، ساقط في غيرهما:(ويُروى)؛ بضم التحتية أوله مبنيًّا للمفعول، وهو تعليق بصيغة التمريض، وذكره المؤلف عن ثلاثة أنفس:
الأول: (عن ابن عباس) : هو عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وقد وصله الترمذي وأحمد، فقال الترمذي:(حدثنا واصل بن عبد الأعلى، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن النبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم قال: «الفخذ عورة»، وقال: هذا حديث حسن غريب)، وأبو يحيى القتات ضعيف، وهو مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على سبعة أقوال؛ قيل: عبد الرحمن بن دينار، وقيل: مسلم، وقيل: زاذان، وقيل: ديان، وقيل: عمران، وقيل: دينار، والقَتَّات: بفتح القاف، وتشديد المثناة الفوقية.
(و) الثاني: عن (جَرْهَد)؛ بفتح الجيم، وسكون الراء، وفتح الهاء، آخره دال مهملة: هو ابن رزاح بن عدي الأسلمي، له صحبة عديدة في أهل المدينة، وقال أبو عمرو:(جعل ابن أبي حاتم جرهد بن خويلد غير جرهد بن رزاح)، وهذا وهم، وهو رجل واحد من أسلم لا يكاد يسلم له صحبة، ويقال: إنه مات سنة إحدى وستين، وفي إسناد حديثه اختلاف كثير، وأخرجه مالك في «الموطأ» عن أبي النضر، عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه، عن جده قال: وكان جدي من أهل الصُّفة، قال: جلس رسول الله عندي وفخذي مكشوفة، فقال:«خمر عليك، أمَا علمت أن الفخذ عورة» ، وقال الدارقطني: (روى هذا الحديث أصحاب «الموطأ» : ابن بكير، وابن وهب، ومعن، وعبد الله بن يوسف، هو عند القعنبي خارج «الموطأ» في الزيادات من مالك، ولم يذكره ابن القاسم في «الموطأ» ولا ابن عفير ولا أبو مصعب
…
إلى آخره) كلامه، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي عاصم عن سفيان، عن أبي الزناد، عن زرعة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده، ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن زرعة بن مسلم بن جرهد الأسلمي، عن جده جرهد قال: مر النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم بجرهد في المسجد وقد انكشف فخذه، فقال:«إن الفخذ عورة» ، هذا حديث حسن ما أرى إسناده بمتصل، وذكره ابن القطان، ثم قال:(وهو معلول بالاضطراب وبجهالة حال الراوي عن جرهد)، وذكره البخاري في «تاريخه» ، ثم قال:(ولا يصح)، قال ابن الحذاء:(وإنما لم يخرجه البخاري في «مصنفه» لهذا الاختلاف) انتهى.
قلت: لكن قد استند فيه لما روي عن ابن عباس وابن جحش، وظاهره الاعتماد عليه؛ لقوله:(وحديث جرهد أحوط)؛ يعني: فينبغي العمل به، فهذا يدل على صحته، وعدم إعلاله؛ فليحفظ.
(و) الثالث: عن (محمد ابن جحش)؛ بالجيم، ثم الحاء المهملة، نسبه لجده؛ لشهرته به، وإلا؛ فهو محمد بن عبد الله بن جحش، له ولأبيه صحبة، وزينب بنت جحش أم المؤمنين هي عمته، وكان محمد صغيرًا في عهد النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقد حفظ عنه، وكان مولده قبل الهجرة بخمس سنين، هاجر إلى المدينة مع
(2)
أبيه، وله صحبة، وحديثه رواه الطبراني عن يحيى بن أيوب، عن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش قال: كنت أصلي مع النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، فمرَّ على معمر بن عبد الله بن نضلة
(3)
العدوي وهو جالس عند داره بالسوق وفخذاه مكشوفتان، فقال:«يا معمر؛ غطِّ فخذيك؛ فإن الفخذين عورة» ، قال ابن حزم: (رواية أبي كثير مجهولة
(4)
)، وذكره البخاري في «تاريخه» ، وأشار إلى الاختلاف فيه، ورواه أحمد في «مسنده» ، والحاكم في «مستدركه» ، كذا قرره إمام الشَّارحين رحمه الله تعالى ثلاثتهم.
(عن النبيِّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الفخذ عورة) : وهو قول الجمهور من التابعين ومن بعدهم؛ منهم: إمامنا الإمام الأعظم، والإمام أبو يوسف، والإمام محمد بن الحسن، والإمام زفر بن الهذيل، وبه قال محمد بن إدريس، وهو الأصح عند مالك، وأصح الروايتين عن أحمد ابن حنبل حتى قال أئمتنا الأعلام:(إن صلاته مكشوف الفخذ فاسدة)، وقال الأوزاعي:(الفخذ عورة إلا في الحمام)، وقال الإمام الوبري:(السرة من العورة عند الإمام الأعظم).
قلت: وهي رواية ضعيفة، والمعتمد: أن السرة ليست من العورة، كما نص عليه المنلاخسرو في «الدرر» ، وتبعه البرهان الحلبي، وصاحب «البحر» و «النهر» ، وقال في «المفيد» :(الركبة مركبة من عظم الفخذ والساق، فاجتمع الحظر والإباحة، فغلب الحظر احتياطًا) انتهى.
واختلفوا في أن الركبة مع الفخذ عضو واحد، أو كل منهما عضو على حدة؛ ففي «التجنيس» :(الركبة إلى آخر الفخذ عضو واحد حتى لو صلى والركبتان مكشوفتان والفخذ مغطًّى؛ جازت صلاته؛ لأنَّ نفس الركبة من الفخذ، وقيل: إنها بانفرادها عضو)، ولكن الأصح الأول؛ لأنَّه ليس بعضو على حدة في الحقيقة، بل هي ملتقى عظمي الفخذ والساق، وإنما حرم النظر إليها؛ لتعذر التمييز، فعلى الأول:(من) تبعيضية، وعلى الثاني: بيانية، كذا في «العناية» .
وقال في «الخلاصة» : (والركبة لا تعتبر عضوًا على حدة، بل تبع للفخذ هو المختار) انتهى.
وقال في «النهر» : (إنه الأصح)؛ فليحفظ، وعورة الرجل من تحت السرة إلى الركبة، والركبة من العورة، كذا قاله الإمام القدوري؛ لحديث علي بن أبي طالب: قال عليه السلام: «الركبة من العورة» ، وحديث أبي أيوب:«ما فوق الركبتين، وما أسفل من السرة من العورة» ، فتعارض المحرم
(1)
في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.
(2)
في الأصل: (في)، وليس بصحيح.
(3)
في الأصل: (فضلة)، ولعله تحريف.
(4)
في الأصل: (راويه
…
مجهول)، و لعل المثبت هو الصواب.
والمبيح في الركبة، فيقدم المحرم، وروى الدارقطني مرفوعًا:«عورة الرجل ما تحت السرة إلى ركبتيه» ، فإن فيه جعل الركبة غاية، وقد احتمل دخولها وعدمه، والاحتياط في الدخول، فتدخل، كذا في «شرح المنية» .
وبدن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها، كذا في «القدوري» ، فإن وجهها وكفيها وقدميها ليس بعورة بالإجماع لا في حق الصلاة ولا في حق نظر الأجنبي، حتى إن الأجنبي يباح له النظر إلى وجهها وكفيها وقدميها إذا كان بغير شهوة، وأما ذراع الحرة؛ فظاهر الرواية عن أئمتنا الأعلام: أنه عورة، وفي رواية عن الإمام الأعظم: أن ذراعيها ليسا بعورة، فلو انكشف ذراعاها
(1)
في الصلاة؛ لا تفسد، كما في «الاختيار» ، وصحح بعضهم: أنه عورة في الصلاة لا خارجها، كما في «فتح القدير» ، وقال في «المجتبى» :(الذراع لا يمنع الصلاة، لكن يكره كشفه؛ ككشف القدم)، كما في «القهستاني» ، فأفاد أن القدم ليس بعورة، وهو الأصح، كما في «المحيط» و «الهداية» ، وقيل: إنه عورة، وصححه الأقطع، وفي «الاختيار» :(الصحيح أن القدم ليس بعورة في الصلاة، وعورة خارجها)، وفي «الحلية» :(الصحيح أنه عورة مطلقًا)، فالأقوال ثلاثة مصححة، وقال القدوري:(وما كان عورة من الرجل؛ فهو عورة من الأمَة، وبطنها وظهرها عورة، وما سوى ذلك من بدنها؛ فليس بعورة) انتهى.
ومثل الأمَة القنَّة، وأم الولد، والمدبرة، والمكاتبة، والمستسعاة عند الإمام الأعظم، وقال الصاحبان: المستسعاة حرة، والمراد بالمستسعاة: معتقة البعض، وأما المستسعاة المرهونة إذا أعتقها الراهن وهو معسر؛ فهي حرة اتفاقًا، كذا في «البحر الرائق» ، وعورة الرقيق كعورة الحر، والخنثى المشكل الحر كالحرة، والرقيق كالأمَة، قال في «السراج» : الخنثى إذا كان رقيقًا؛ فعورته عورة الأمَة، وإن كان حرًّا؛ فعورته عورة المرأة الحرة، فإن ستر ما بين سرته وصلى؛ قال بعضهم: تلزمه الإعادة؛ لجواز أن يكون امرأة، وقال بعضهم: لا تلزمه الإعادة؛ لجواز أن يكون رجلًا، والإعادة أحوط، كذا في «النهر الفائق» ، وفيه عن «السراج» :(الصغير جدًّا لا عورة له، ولا بأس بالنظر إليها ومسها؛ لأنَّه عليه السلام كان يفعل ذلك في الحسن والحسين)، كذا في «الفتاوى» ، ومثل الصغير الصغيرة، فيباح النظر والمس، كذا في «معراج الدراية» ، والمراد بهما: ما لم يبلغا حد الشهوة، وتمامه في «منهل الطلاب» .
وزعم ابن بطال أن من صلى مكشوف العورة؛ لا إعادة عليه إجماعًا، وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: دعوى الإجماع غير صحيحة، فيكون مراده إجماع أهل مذهبه، انتهى.
قلت: وقد نقل الشراح: أن الفخذ عورة في أصح أقوال مالك، وعليه فلا إجماع
(2)
في أهل مذهبه، ولا يخفى أن ما زعمه ابن بطال غير صحيح؛ لمنافاته الأحاديث الدالة على وجوب الستر في الصلاة؛ فليحفظ.
وقال في «التوضيح» : حاصل ما في عورة الرجل خمسة أوجه؛ أصحها وهو المنصوص: أنها ما بين السرة والركبة، وهما ليسا بعورة، وبه قال زفر ومالك، والأصح عند أحمد، ثانيها: أنَّهما عورة كما روي عن الإمام الأعظم، ثالثها: السرة ومن الركبة، رابعها: عكسه، خامسها: القبل والدبر، وهو قول الإصطخري، وهو شاذ، انتهى.
(وقال أنس) زاد الأصيلي: «ابن مالك» : هو الأنصاري، مما وصله المؤلف قريبًا في هذا الباب:(حَسَرَ)؛ بفتح حروفها المهملات؛ أي: كشف (النبيُّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر الإزار (عن فخذه) فهو دليل على أنه ليس من العورة، وبه قال ابن أبي ذئب، وابن علية، والطبري، وداود، وأحمد في رواية، والإصطخري من الشافعية، قال ابن حزم: العورة المفروض سترها عن الناظر في الصلاة من الرجال الذكر وحلقة الدبر فقط، وليس الفخذ من العورة، وهي من المرأة جميع جسدها حاشا الوجه والكفين فقط، والحر والعبد والحرة والأمَة فيه سواء بلا فرق؛ لحديث أنس الذي أخرجه البخاري: أنه عليه السلام غزا خيبر، وفيه: ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذه عليه السلام، فصح أن الفخذ من الرجل ليس بعورة، ولو كان عورة؛ لما كشفها الله تعالى من رسوله المطهر المعصوم من الناس في حال النبوة والرسالة، ولا أَرَاها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى عصمه من كشف العورة في حال الصبا من قبل النبوة، انتهى.
والجواب عن هذا الحديث: أنه محمول على غير اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم فيه، وذلك بسبب ازدحام الناس حيث إنهم في غزوة، يدل عليه مس ركبة أنس فخذه عليه السلام، وما ذاك إلا بسبب الازدحام
(3)
، فليس للنبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم فيه اختيار، وما زعمه ابن حزم من أنه: لو كان عورة؛ لما كشفها الله من رسوله
…
إلى آخره: ممنوع؛ لأنَّ ذلك غير منافٍ؛ لأنَّه إنَّما كان لأجل التشريع حتى يظهر أن الفخذ عورة، لا سيما وقد قال عليه السلام:«الفخذ عورة» ، فيتعين أن يكون قوله عليه السلام:«الفخذ عورة» بعد حسر الإزار عن فخذه إن كان بغير حاجة، والقول مقدم على الفعل عند المحققين، فحديث جرهد يكون ناسخًا لحديث أنس، وقال القرطبي: ويرجح حديث جرهد أن تلك الأحاديث المعارضة له قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة يتطرق إليها الاحتمال ما لا يتطرق في حديث جرهد، فإنه أعطى حكمًا كليًّا، فكان أولى، وبيان ذلك: أن تلك الوقائع تحتمل الخصوصية للنبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم بذلك، أو البقاء
(4)
على البراءة الأصلية، أو كان لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه بأنه عورة، انتهى.
يعني: فيكون منسوخًا كما قلناه، والدليل متى طرقه الاحتمال؛ سقط الاستدلال به، لا يقال: الخصوصية لا بد لها من دليل والأصل عدمها؛ لأنَّا نقول: الظاهر أن ذلك خصوصية، والدليل عليه أن أنسًا رأى فخذه عليه السلام دون غيره من الصحابة، فلو كان عامًّا؛ لكان جميع الصحابة رأوا فخذه عليه السلام، ولم يثبت ذلك عنهم، فالظاهر أنه خصوصية أو منسوخ؛ فافهم.
فإن قلت: روى الحافظ الطحاوي من حديث حفصة بنت عمر رضي الله عنهما قالت: كان رسول الله
(1)
في الأصل: (ذراعيها)، والمثبت هو الصواب.
(2)
في الأصل: (إجماعًا)، ولعل المثبت هو الصواب.
(3)
في الأصل: (الازدحال)، وهو تحريف.
(4)
في الأصل: (التقاء)، وهو تصحيف.
صلَّى الله عليه وسلَّم ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن، فأذن له والنبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة، ثم جاء أناس من أصحابه والنبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه فأذن له، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه فجلله، فتحدثوا ثم خرجوا، فقلت: يا رسول الله؛ جاء أبو بكر، وعمر، وعلي، وأناس من أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان؛ تجللت ثوبك، فقال:«أولا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟!» ، قالت: وسمعت أبي وغيره يحدثون نحوًا من هذا، وأخرجه أحمد والطبراني أيضًا.
قلت: أجاب الحافظ الطحاوي عنه: بأنَّ هذا الحديث على هذا الوجه غريب؛ لأنَّ جماعة من أهل البيت روَوْه على غير هذا الوجه المذكور، وليس فيه ذكر كشف الفخذين، فحينئذٍ لا تثبت به الحجة.
وقال أبو عمر: وحديث حفصة فيه اضطراب، وقال البيهقي: والذي روي في قصة عثمان من كشف الفخذين مشكوك فيه، وقال الطبري: الأخبار التي رويت عن النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم أنه دخل عليه أبو بكر وعمر وهو كاشف فخذه؛ واهية الأسانيد لا يثبت بمثلها حجة في الدين، ولا الأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ، والأخبار الواردة في النهي عن كشفها أخبار صحاح، انتهى.
يعني: تثبت بها الحجة، والنهي يفيد الحرمة، فثبت أن الفخذ عورة يجب ستره في الصلاة وخارجها.
وقال إمام الشَّارحين: وقول الحافظ الطحاوي: «لأن جماعة من أهل البيت رووه على غير هذا الوجه» : هو حديث عائشة وعثمان، فأخرجه مسلم: أن عائشة رضي الله عنها وعثمان رضي الله عنه قالا: إن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته، ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس، وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، فقضيت إليه حاجته، ثم انصرف، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ قال عليه السلام: «إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال؛ ألَّا يبلغ إلي في حاجته» ، وأخرجه الحافظ الطحاوي أيضًا، وقال: فهذا أصل هذا الحديث، ليس فيه ذكر كشف الفخذين أصلًا.
فإن قلت: قد روى مسلم أيضًا في «صحيحه» ، وأبو يعلى في «مسنده» ، والبيهقي في «سننه» هذا الحديث، وفيه ذكر كشف الفخذين، ولفظ مسلم: أن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا في بيته، كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحالة، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوَّى ثيابه، فلما خرج؛ قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، فلما دخل عثمان؛ جلست وسويت ثيابك؟ فقال:«ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!» .
قلت: لما أخرجه البيهقي؛ قال: لا حجة فيه؛ لأنَّه مشكوك فيه، فإن الراوي قال:«فخذيه أو ساقيه» ، فدل ذلك على أن ما قاله الحافظ الطحاوي: إن أصل الحديث ليس فيه ذكر كشف الفخذين، وقال أبو عمرو: هذا حديث مضطرب، انتهى.
(قال أبو عبد الله) : هو المؤلف نفسه، كذا في رواية ابن عساكر فقط:(وحديث أنس)؛ أي: ابن مالك المذكور (أسند)؛ يعني: أقوى وأحسن سندًا من الحديث السابق (و) هو (حديث جرهد) وما معه، لكن العمل به (أحوط)؛ أي: أكثر احتياطًا في أمر الدين من حديث أنس، (حتى يُخرَج)؛ بضم المثناة التحتية أوله، وفتح الراء، وفي رواية:(حتى يَخرُج)؛ بفتح المثناة التحتية، وضم الراء، كذا في «الفرع» ، قال إمام الشَّارحين: وهو على صيغة جماعة المتكلم من المضارع؛ بفتح النون، وضم الراء، وتبعه ابن حجر (من اختلافهم)؛ أي: العلماء؛ يعني: لما وقع الخلاف في الفخذ هل هو عورة أم لا؟ فذهب قوم: إلى أنه عورة، واحتجوا بحديث جرهد، وبما روي مثله في هذا الباب، وذهب آخرون: إلى أنه ليس بعورة، واحتجوا بحديث أنس كأنَّ قائلًا يقول: إن الأصل أنه إذا روي حديثان في حكم واحد؛ أحدهما أصح من الآخر؛ فالعمل يكون بالأصح، فههنا حديث أنس أصح من حديث جرهد، فكيف وقع الاختلاف؟ فأجاب المؤلف عن هذا بقوله: «وحديث أنس أسند
…
» إلى آخره، وتقريره: أن يقال: نعم؛ حديث أنس أسند من حديث جرهد، إلا أن العمل بحديث جرهد؛ لأنَّه أحوط في أمر الدين، وأقرب إلى التقوى؛ للخروج من اختلاف العلماء، ولأجل هذه النكتة؛ لم يقل المؤلف: باب الفخذ عورة، ولا قال أيضًا: باب الفخذ ليس بعورة، بل قال:(باب ما يذكر في الفخذ)، كذا قرره إمام الشَّارحين.
قلت: يعني: إنَّما قال: (باب ما يذكر في الفخذ)؛ لأجل أن يكون جاريًا على القولين في أن الفخذ عورة أم لا؟ وقد صرح علماؤنا الأعلام: بأنه لا بأس بالعمل بالقول الضعيف.
وقال الإمام أبو بكر محمد بن الفضل: من السرة إلى موضع نبات شعر العانة ليس من العورة؛ لتعامل العمال في ابتداء ذلك الموضع عند الائتزار، وفي ستره نوع حرج، وهذا القول ضعيف؛ لأنَّ التعامل بخلاف النص لا يعتبر، كما صرح به في «البحر» عن السراج، ومراده بتعامل العمال: عموم البلوى، فإن الناس الآن في زماننا في جميع البلدان لا يسعهم إلا هذا القول، فإنَّهم يدخلون الحمامات، ويئتزرون في المآزر، ويقعدون على الأجران لصب الماء، وحين يصبون الماء على أجسادهم؛ يسقط المئزر عن عورتهم من غير صنع على أفخاذهم، فتنكشف السرة وما تحتها وتبقى العانة مستورة، وكلما ستروا ما فوق العانة؛ يسقط المئزر بصب الماء، وهذا مما شوهد كثيرًا وعمت به البلوى، فينبغي العمل بهذا القول وإن كان ضعيفًا؛ لأنَّ العمل بالقول الضعيف أولى وأحسن من عدم العمل بالقول الصحيح، ولا سيما في خاصة نفسه، فإنه جائز كما صرحوا به، كذا في «منهل الطلاب» ، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وقال أبو موسى) : هو عبد الله بن قيس الأشعري، مما هو طرف من حديث ذكره المؤلف في (مناقب عثمان) رضي الله عنه، من رواية عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عنه، وفيه:(غطى)؛ بالغين المعجمة، والطاء المهملة؛ أي: ستر (النبيُّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم ركبتيه)؛ بالتثنية، وفي رواية:(ركبته)؛ بالإفراد (حين دخل عثمان) هو ابن عفان رضي الله عنه، وذلك أدبًا معه واستحياء، وقد بين النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم معناه، كما في «مسلم» و «البيهقي» بقوله:«ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء؟!» ، وقد كان عليه السلام يصف