الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حصير ونحوه، فالحديث محمول على وجود الحائل.
وردَّ بأنَّ الأصل عدم الحائل لغة وعرفًا وشرعًا، وعادتهم الصلاة على الأرض بدون حائل؛ لأنَّه إذ ذاك لم يكن طنافس ولا سجاجيد.
واعترض بأنَّها شهادة نفي، وهي غير مقبولة، على أنَّه قد ثبت في «الصحيحين» عن أنس:(أنَّه عليه السلام صلى على حصير في دارهم).
ورُدَّ بأنَّ شهادة النفي غير مقبولة؛ إذا لم يكن النفي متواترًا، أما هنا؛ فقد تواترت الأخبار عنهم أنَّه لم يكن حائل، وحديث أنس مخصوص بدارهم، والدار غير مربض الغنم، فلا يردُّ، فافهم.
(ثم سمعته) أي: قال أبو التيَّاح: سمعت أنس بن مالك، فيكون الضمير عائدًا على أنس، وزعم ابن حجر أنَّ الضمير فيه يعود على أبي التياح، ويكون القائل:(ثم سمعته) هو شعبة، انتهى.
قلت: وقد ردَّه إمام الشَّارحين، ثم قال: (القائل هو أبو التيَّاح، سمع من أنس أولًا بالإطلاق، ثم سمع بقيد
…
إلى آخر كلامه)، وقد أنصف العجلوني ههنا؛ حيث ردَّ كلام ابن حجر فقال:(هو خلاف الظاهر) انتهى.
قلت: وهذا هو ظاهر اللفظ، فإنَّ ابن حجر قد صدر منه ذلك من غير تأمل، فإنَّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور كما لا يخفى، وأقربه أنس، والقائل أبو التياح؛ لأنَّه تابعي؛ فافهم، قال إمام الشَّارحين:(يعني: أبو التياح يقول: ثمَّ سمعت أنسًا).
(بعدُ) : بالبناء على الضمَّ؛ لنيَّة معنى الإضافة إليه؛ أي: بعد القول الأوَّل وهو: (كان يصلي في مرابض الغنم)، (يقول) أي: ثانيًا (كان) أي: النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم (يُصلي في مرابِض الغنم قبل أن يُبنى) بضمِّ التحتية أو بفتحها على البناء للمفعول أو للفاعل (المسجد)؛ أي: النبوي، فأشار بذلك إلى قوله أوَّلًا: مطلق، وقوله ثانيًا: مقيَّد، فالحكم أنَّهما إذا وردا سواء يحمل المطلق على المقيد، عملًا بالدليلين، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: يعني: أنَّه يفهم من هذه الزيادة، أنَّه عليه السلام لم يصلِّ في مرابض الغنم بعد بناء المسجد، فيكون ذلك المطلق مقيدًا بهذا؛ للقاعدة الأصولية أنَّ المطلق يحمل على المقيد تقدم أو تأخر؛ عملًا بالدليلين؛ فليحفظ.
وزعم ابن حزم أنَّ هذا الحديث منسوخ؛ لأنَّ فيه: (أنَّ ذلك كان قبل أن يبنى المسجد) فاقتضى أنَّه كان في أول الهجرة.
ورُدَّ عليه بما صحَّ عن عائشة: (أنَّه عليه السلام أمرهم ببناء المساجد في الدور، وأن تُطيب وتُنظف)، رواه أبو داود، وأحمد وغيرهما، وصححه ابن خزيمة، ولأبي داود نحوه من حديث سمرة، وزاد:(وأن يطهرها)، قال: وهذا بعد بناء المسجد.
وما ادعاه من النسخ يقتضي الجواز، ثم المنع.
ويرُدَّ هذا: إذنه عليه السلام في الصلاة في مرابض الغنم، يدل عليه ما في «صحيح ابن حبان» : عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لم تجدوا إلا مرابض الغنم، وأعطان الإبل؛ فصلوا في مرابض الغنم» قال الترمذي والطوسي: حديث حسن صحيح، وعن أبي زرعة مرفوعًا:«الغنم من دواب الجنة، فامسحوا رغامها، وصلوا في مرابضها» ، ذكره النيسابوري في «تاريخه» ، وتمامه فيما تقدم في باب:(أبوال الإبل والدواب والغنم).
وتجوز الصلاة أيضًا في مراح البقر؛ لما في مسند عبد الله بن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن رجل حدثه عن ابن المغفل:(نهى النبيُّ عليه السلام أن يُصلَّى في معاطن الإبل، وأمر أن يُصلَّى في مراح الغنم والبقر) انتهى.
فإن قلت: ويعارضه ما في «مسند أحمد» من حديث ابن عمر؛ (أنَّ النبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ كان يصلي في مرابد الغنم، ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر).
قلت: لا يعارضه؛ لأنَّ هذا الحديث سنده ضعيف كما قال الحفَّاظ، ولئن صح؛ فالأول أمر وهو قول، وهذا فعل، والقول مقدم على الفعل، كما قاله المحققون.
فإن قلت: في سند الأول مجهول.
قلت: قد روي بطرق مختلفة عن غير مجهول، وبها قد انتفى ذلك؛ فافهم.
قال ابن بطال: (وحديث الباب حجة على الشافعي؛ لأنَّ الحديث ليس فيه تخصيص موضع من آخر، ومعلوم أنَّ مرابطها لا تسلم من البعر والبول، فدلَّ على الإباحة، وعلى طهارة البول والبعر، وفيه المطابقة للترجمة) انتهى.
واعترضه العجلوني؛ تعصبًا لمذهبه بأنَّ الأصل في مرابضها الطهارة في أمكنتها وإن كان الغالب عدمها، وإذا تعارضا؛ قدم الأصل، مع أنَّه لم يدلَّ الدليل على عدم الحائل، فلعله كان يفرش عليها شيئًا ثم يصلي فيه، انتهى.
قلت: وهو ممنوع، فإنَّ الأصل في مرابضها ألا يخلو عن أبعارها وأبوالها، وقوله:(وإن كان الغالب عدمها) تناقض ظاهر وتسليم بأنَّ أمكنتها لا تسلم عن أبعارها، وليس في ذلك تعارض؛ لأنَّ الأدلة تضافرت
(1)
على إباحة الصلاة في مرابضها، ولم يوجد دليل على الحظر حتى يحصل التعارض، وقوله: (مع أنَّه لم يدل
…
) إلخ ممنوع؛ فإنَّ الدليل هو أنَّ الأصل عدم الحائل لغة وعرفًا، وقوله:(فلعله كان يفرش) ممنوع؛ لأنَّه لم يدلَّ دليل على أنَّه كان يفرش في مرابضها شيئًا يصلي عليه، مع أنَّ الأصل عدمه، وتمامه فيما قدمناه، على أنَّه روى أبو داود مرفوعًا:«صلوا في مواطن الغنم؛ فإنَّها بركة» وروى البيهقي: «إنَّها من دواب الجنَّة» ، وهذا يدلُّ على أنَّه كان يحب الصلاة في مرابضها، وهو دليل على جواز الصلاة فيها، وهو مذهب الجمهور، لكن مع الكراهة عند إمامنا الأعظم.
وزعم الشافعية أنَّها لا تصح في معاطن الغنم، والحديث حجة عليهم، كما قدمناه؛ فافهم.
(50)
[باب الصلاة في مواضع الإبل]
هذا (باب) حكم (الصلاة في مواضع)؛ بالجمع، وفي بعض الأصول:(موضع)؛ بالإفراد (الإبل) هي اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهي مؤنثة؛ لأنَّ أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين؛ فالتأنيث لازم لها، وقد تُسكَّن الباء؛ للتخفيف، والجمع: آبال.
قال إمام الشَّارحين: ثم إنَّ البخاري إن أراد من مواضع الإبل معاطنها؛ فالصلاة فيها مكروهة عند قوم خلافًا لآخرين، وإن أراد بها أعمَّ من ذلك؛ فالصلاة فيها غير مكروهة بلا خلاف، وعلى كلا التقديرين لم يذكر في الباب حديثًا يدلُّ على أحد الفصلين، وإنَّما ذكر فيه الصلاة إلى البعير، وهو لا يطابق الترجمة، انتهى.
(1)
في الأصل: (تظافرت).
واعترضه العجلوني كعادته؛ بأنَّ نفيه الخلاف في الشق الثاني غير مسلم بلا خلاف؛ إذ من أفراده الصلاة في معاطنها، والخلاف فيه ثابت، انتهى.
قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ مراده من (الأعم) : مواضعها حال غيبتها إذا كانت طاهرة، فالصلاة فيها غير مكروهة بلا خلاف؛ لأنَّ من جعل علة الكراهة نفادها؛ فهي غير موجودة، ومن جعلها النجاسة؛ فهي أيضًا غير موجودة، فالمراد بـ (الأعم) : المغايرة لا ما تحته أفراد؛ فافهم.
وتعبير المؤلف بـ (المواضع) أعم من (المعاطن)؛ لأنَّها تشمل مواضعها حال إقامتها عند الماء وغيره، حال حضورها، أو غيبتها، وهذا هو مراد المؤلف، فإنَّه لا يرى الكراهة فيها مطلقًا على الظاهر؛ لأنَّه لم يورد في الباب حديثًا يدلُّ على الكراهة، بل يدلُّ حديث الباب على عدمها، وليس مراده اختصاص الكراهة بالمعاطن، بل مراده الأعم، وأنَّه لا كراهة مطلقًا، وهذا ظاهر.
وقد يقال: إن كانت عبارة إمام الشَّارحين على ظاهرها، وأراد بالأعم: ما تحته أفراد؛ فبيَّن أولًا: أنَّ الصلاة في المعاطن مكروهة عند قوم خلافًا لآخرين، وبيَّن ثانيًا: أنَّ الصلاة فيما عدا المعاطن غير مكروهة بلا خلاف؛ حيث إنَّه لم يعتبر خلاف بعض الناس، أو إنَّه أراد بنفي الخلاف عدم وجود علة النهي من النجاسة أو النفاد؛ فافهم.
وفسر القسطلاني (المواضع) بـ (المعاطن) تبعًا لابن حجر، واعترضه العجلوني بأنَّ إبقاء المواضع على عمومها أولى، فإنَّ الحكم أعم.
قلت: وهو مردود، فإنَّه إذا لم تكره الصلاة في المواطن؛ ففي غيرها من باب أولى، لكن يقال عليه: إنَّ ظاهر ترجمة المؤلف أنَّ مراده: الأعم؛ وهو عدم الكراهة مطلقًا، فالأولى له أن يُبيِّن الحكم فيه، كما فعل إمام الشَّارحين؛ فافهم.
والمناسبة بين البابين من حيث إنَّ الباب السابق في بيان جواز الصلاة في مرابض الغنم، وههنا جواز الصلاة في مرابض الإبل، وكلاهما حكم من أحكام الصلاة؛ فافهم.
[حديث: رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره]
430 -
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا صدقة بن الفضل) هو المروزي (قال: أخبرنا) ولأبوي ذر والوقت: (حدثنا)(سُليمان) بضمِّ المهملة (بن حَيَّان)؛ بفتح الحاء المهملة، وتشديد التحتية، وبالنون، يجوز فيه الصرف وعدمه، وهو أبو خالد الأحمر الأزدي، الجعفري
(1)
، الكوفي، المتوفى سنة تسع وثمانين ومئة (قال: حدثنا) ولابن عساكر: (أخبرنا)(عُبيد الله) بضمِّ العين المهملة؛ مصغَّرًا؛ هو ابن عبد الله -بالتكبير- ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي كان من سادات أهل المدينة فضلًا وعبادةً، توفي سنة سبع وأربعين ومئة، (عن نافع) هو مولى ابن عمر (قال: رأيت) مولاي (ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي رضي الله عنهما (يُصلي) أي: الفرض وغيره (إلى بعيره) أي: إلى جانب بعيره، وفي «المحكم» :(البعير: الجمل البازل، وقيل: الجذع، وقد يكون للأنثى، حكي عن بعض العرب: شربت من لبن بعيري، وصرعتني بعيرٌ لي، والجمع: أبعِرَة وأباعِر وأباعِير، وبُعران، وبَعران)، وفي «المخصص» :(قال الفارسي: أباعر؛ جمع أبعرة، كأسقية وأساق)، وفي «الجامع» :(البعير بمنزلة الإنسان بجمع المذكر والمؤنث من الناس، إذا رأيت جملًا على البعد؛ تقول: هذا بعير، فإذا استثبته؛ تقول: هذا جمل أو ناقة).
قال الأصمعي: (إذا وضعت الناقة ولدها ساعة تضعه؛ سليل قبل أن يُعلم أذكر هو أم أنثى؟ فإذا عُلم؛ فإن كان ذكرًا؛ فهو: سقب وأُمُّه مسقب، وقد أذكرت؛ فهي: مذكر، وإن كانت أنثى؛ فهي: حائل، وأمها أم حائل، فإذا مشى؛ فهو: راشح، والأمُّ مرشح، فإذا ارتفع عن الراشح؛ فهو: جادل، فإذا حمل في سنامه شحمًا؛ فهو: مُجذ
(2)
ومُكعِر، وهو في هذا كله حوار، فإذا اشتدَّ؛ قيل: ربع، والجمع: أرباع ورباع، والأنثى: ربعة، فلا يزال ربعًا حتى يأكل الشجر، ويعين على نفسه، ثم هو فصيل وهبع، والأنثى: فصيلة، والجمع: فُصْلان وفِصْلان؛ لأنَّه فُصل عن أمه، فإذا استكمل الحول، ودخل في الثاني؛ فهو: ابن مخاض، والأنثى: بنت مخاض، فإذا استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة؛ فهو: ابن لبون، والأنثى: بنت لبون، فإذا استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة؛ فهو: حقٌّ، والأنثى: حقَّة، سمي به؛ لأنَّه استحق أن يحمل عليه ويركب، فإذا مضت الرابعة ودخل في الخامسة؛ فهو: جذع، والأنثى: جذعة، فإذا مضت الخامسة ودخل في السادسة، وألقى ثنيته؛ فهو: ثنيٌّ، والأنثى: ثنيَّة، فإذا مضت السادسة ودخل في السابعة؛ فهو: رباع، والأنثى: رباعيَّة، فإذا مضت السابعة ودخل في الثامنة وألقى السن؛ فهو: سديس وسدس؛ لغتان، وكذا يقال للأنثى، فإذا مضت الثامنة ودخل في التاسعة؛ فهو: فاطر وبازل؛ لأنَّه فطر نابه وطلع، وكذا يقال للأنثى، فإذا مضت التاسعة ودخل في العاشرة؛ فهو: مخلف، ثمَّ ليس له اسم بعد ذلك بلا خلاف، لكن يقال له: بازل عام وبازل عامين، ومخلف عام ومخلف عامين إلى ما زاد على ذلك، فإذا كبر؛ فهو: عوذ، والأنثى: عوذة، فإذا ارتفع عن ذلك؛ فهو قحر، والجمع: أقحر وقحور)، كذا قرره إمام الشَّارحين.
(وقال) ولأبي ذر (فقال) : أي: ابن عمر: (رأيت النبيَّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم يفعله) أي: يُصلي الفرض وغيره والبعير في طرف قبلته، ورواه الترمذي أيضًا عن ابن عمر:(أنَّ النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم صلى إلى بعيره أو راحلته، وكان يصلي إلى راحلته حيثما توجهت به)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه البزار في «مسنده» عن أبي الدرداء قال:(صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم)، وذكر مالك في «الموطأ» أنَّه بلغه:(أن ابن عمر كان يستتر براحلته في السفر إذا صلى)، ووصله ابن أبي شيبة في «مصنفه» .
ففي الحديث جواز الصلاة إلى الحيوان، ونقل ابن التين عن مالك: أنه لا يُصلى إلى الجمل والحمير؛ لنجاسة أبوالها.
وفيه جواز الصلاة بقرب البعير، وأنَّه لا بأس أن يستتر المصلي بالراحلة والبعير في الصلاة، وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم: أنَّهم لا يرون به بأسًا، وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن أنس:(أنَّه صلَّى وبينه وبين القبلة بعير عليه محمله)، وروي أيضًا الاستتار بالبعير عن سويد بن غفلة، والأسود بن يزيد، وعطاء بن أبي رباح
(1)
في الأصل: (الجعفي)، والمثبت موافق لما في كتب التراجم.
(2)
في الأصل: (محذ)، وهو تصحيف.