الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتقديم يفيد الحصر؛ أي: له ذلك لا لغيره، كذا قاله إمام الشَّارحين.
ثم قال: (فإن قلت: الجواب ينبغي أن يكون مطابقًا للسؤال، والسؤال هنا عن سبب التحريم، فالجواب كيف يطابقه؟
قلت: المطابقة ظاهرة؛ لأنَّ قوله: «من شهد
…
» إلى آخره: هو الجواب وزيادة؛ لأنَّه لما ذكر الشهادة وما عطف عليها؛ علم أن الذي يفعل هذا هو المسلم، والمسلم يحرم دمه وماله إلا بحقه) انتهى.
قلت: وأمَّا طائفة الدروز المشهورين بديارنا الشريفة الشامية المعتقدين الحلول والتناسخ؛ فأفتى الإمام المحقق شيخ الإسلام حامد أفندي العمادي بإباحة دمهم ومالهم، واسترقاق نسائهم وذراريهم، وبذلك أفتى جدي الإمام النحرير شيخ الإسلام زين الدين أفندي بن سلطان الحنفي، وتبعه جماعة من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وقد رأيت فتوى بذلك عليها خطوطهم التمسها الوزير الأعظم حين دخل الشام وعصوا عليه، فقاتلهم وانتصر عليهم، وإلى الآن أشرارهم قائمة، وفتنهم دائمة، اللهم؛ أهلكهم ولا تبق
(1)
لهم أثرًا برحمتك يا أرحم الراحمين.
393 -
(وقال ابن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم المصري: (أخبرنا يحيى) زاد الأربعة: (ابن أيوب الغافقي) : هو المصري (قال: حدثنا حُميد)؛ بضم الحاء المهملة: هو الطويل التابعي، ولابن عساكر:(وقال محمد)؛ أي: المؤلف: (قال ابن أبي مريم: حدثني)؛ بالإفراد (حميد)(قال: حدثنا أنس) : هو ابن مالك الأنصاري رضي الله عنه، (عن النبيِّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم.
قال إمام الشَّارحين: (هذا أيضًا معلق، وقد وصله أبو نعيم، وفي هذا فائدة: وهي تصريح حميد بسماعه إياه من أنس، لكن طعن فيه الإسماعيلي، وقال: الحديث حديث ميمون، وإنما سمعه حميد منه، ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله:«عن حميد: حدثنا أنس» ، ويدل على ذلك ما أخبرنا يحيى بن محمد بن البحتري: حدثنا عبيد الله بن معاذ: حدثنا أبي، عن حميد، عن ميمون قال: سألت أنسًا
…
؛ الحديث) انتهى.
ورده إمام الشَّارحين فقال: (رواية معاذ لا دليل فيها على أن حميدًا لم يسمعه من أنس؛ لأنَّه يجوز أن يكون سمعه من أنس، ثم استثبته فيه من ميمون، فكأنه تارة يحدث به عن أنس؛ لأجل العلوِّ، وتارة عن ميمون؛ للاستثبات، وقد جرى عادة حميد وغيره بهذا الطريق.
فإن قلت: جاء عن أبي هريرة: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» ، وجاء عن ابن عمر:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا قالوها؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم» ، وجاء عن أنس المذكور في هذا الباب، فما التوفيق بين هذه الروايات الثلاث؟
قلت: إنَّما اختلفت هذه الألفاظ وزادت ونقصت؛ لاختلاف الأحوال والأوقات التي وقعت هذه الأقوال فيها، وكانت أمور الشريعة تشرع شيئًا فشيئًا، فخرج كل قول فيها على شرط المفروض في حينه، فصار كل منها في زمانه شرطًا لحقن الدم وحرمة المال، ولا منافاة بين الروايات ولا اختلاف) انتهى.
قلت: وقد قدمنا أن حديث أبي هريرة محمول على أنه عليه السلام قاله وقت قتاله للمشركين، وحديث ابن عمر محمول على أهل الكتاب المقرين بالتوحيد، الجاحدين لنبوة النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، وأمَّا حديث الباب؛ فمحمول على من دخل في الإسلام، ولم يعمل الصالحات؛ كترك الجمعة والجماعة؛ فيقاتل حتى يذعن لذلك؛ فافهم، والله تعالى أعلم.
(29)
[باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق]
هذا (باب) حكم (قِبلة) بكسر القاف (أهل المدينة) أي: النبوية (وأهل الشام) أي: الكنانة (و) قبلة أهل (المشرق)؛ يعني: وأهل المغرب، وإنما لم يذكر المغرب بعده مع أنَّ العلة فيهما مشتركة؛ لأنَّه قد اكتفى بذكر المشرق عن المغرب؛ كما في قوله تعالى:{سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ} [النحل: 81]؛ أي: والبرد، وإنما خص المشرق بالذكر دون المغرب؛ لأنَّ أكثر بلاد الإسلام في جهة المشرق، ولما ذكر المؤلف هذا؛ كأن سائلًا سأله، فقال: كيف قبلة هؤلاء في تلك المواضع؟ فقال: (ليس في المشرق ولا في المغرب قِبلة)؛ يعني: ليس في التشريق ولا في التغريب في المدينة والشام ومن يلحق بهم ممن على سمتهم قِبلة، فأطلق المشرق والمغرب على التشريق والتغريب، والجملة استئنافية من فقه المؤلف جواب عن سؤال، كما سبق.
قال إمام الشَّارحين: وهذا الموضع يحتاج إلى تحرير قوي، فإن أكثر من تصدى لشرحه لم يغن شيئًا، بل بعضهم ركب البعاد وخرط القتاد، فنقول وبالله التوفيق: إن قوله: (باب) إما أن يضاف إلى ما بعده، أو يقطع عنه، وإن لفظة (قِبلة) بعد قوله:(ولا في المغرب) إما أن تكون موجودة أو لا، ولكل واحد من ذلك وجه، ففي القطع وعدم وجود لفظة (قبلة) يكون لفظ
(2)
(باب) منونًا على تقدير: هذا باب، وهي رواية الأربعة، ويجوز أن يكون ساكنًا مثل تعداد الأسماء؛ لأنَّ الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب، ويكون قوله:(قبلة أهل المدينة) الذي هو كلام إضافي: مبتدأ، وقوله:(وأهل الشام)؛ بالجر عطفًا على المضاف إليه، وكذلك قوله:(والمشرق)؛ بالجر، وقوله:(ليس في المشرق) : خبر المبتدأ، لكن لا بد فيه من تقديرين؛ أحدهما: أن يقدر لفظ (قبلة) الذي هو المبتدأ بلفظ (مستقبل أهل الشام)؛ لوجوب التطابق بين المبتدأ والخبر في التذكير والتأنيث، والثاني: أن يؤول لفظ (المشرق) بالتشريق، ولفظ (المغرب) بالتغريب، والعرب تطلق المشرق والمغرب لمعنى التشريق والتغريب، قاله ثعلب، وأما في الإضافة، وتقدير وجود لفظة:(قبلة) بعد قوله: (ولا في المغرب)؛ [فتقديره: هذا باب في بيان قبلة أهل المدينة وقبلة أهل الشام وقبلة أهل المشرق]، وهي رواية الأكثرين؛ فلهذا ترك العاطف، والجملة استئنافية، وهي في الحقيقة جواب عن سؤال مقدر، وهو أنه لما قال:(باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق)؛ انتصب سائل، فقال: كيف قبلة هذه المواضع؟ فقال: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة، انتهى.
قلت: وأراد بقوله: (بعضهم) : ابن حجر، فإنه في هذا الموضع قد ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء، وقال: ولا يدري ما يقول من انتهاء الجهالة إليه، فعرِّج عن كلامه؛ تفز بالمقصود، والله أعلم.
وقال السفاقسي: (يريد: أن قبلة هؤلاء المسمين ليست في المشرق منهم ولا في المغرب؛ بدليل أنه عليه السلام أباح لهم قضاء الحاجة في جهة المشرق منهم والمغرب).
ورده إمام الشَّارحين فقال: (ليس هذا معناه، وإنما معناه: القبلة ما بين المشرق والمغرب؛ لما روى الترمذي بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»)، ثم قال: (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبيِّ الأعظم صلى الله عليه وسلم: «ما بين المشرق والمغرب
(1)
في الأصل: (ولا تبقي)، وليس بصحيح.
(2)
في الأصل: (لفظة)، والمثبت هو الصواب، كذا في الموضع اللاحق.
قبلة»؛ منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وقال عبد الله بن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يسارك؛ فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة، وقوله عليه السلام:«ما بين المشرق والمغرب قبلة» ليس عامًّا في سائر البلاد، وإنما هو بالنسبة إلى المدينة المنورة وما وافق قبلتها) انتهى.
وقال البيهقي: (والمراد: أهل المدينة ومن كانت قبلته على سمت أهل المدينة).
وقال أحمد بن خالد الوهبي: (قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما بين المشرق والمغرب قبلة؛ قاله بالمدينة، فمن كانت قبلته قبل قبلة المدينة؛ فهو في سعتها بين المشرق والمغرب، ولسائر البلدان من السعة في القبلة قبل ذلك بين الجنوب والشمال ونحو ذلك).
وقال ابن بطال: (وتفسير هذه الترجمة؛ يعني: وقبلة مشرق الأرض كلها إلا ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب، فحكم مشرق الأرض كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام في الأمر بالانحراف عند الغائط؛ لأنَّهم إذا شرقوا أو غربوا؛ لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها)، قال:(وأمَّا ما قابل مشرق مكة من البلاد التي يكون الخط المار عليها من مشرقها إلى مغربها؛ فلا يجوز لهم استعمال هذا الحديث، ولا يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا؛ لأنَّهم إذا شرقوا؛ استدبروا القبلة، وإذا غربوا؛ استقبلوا القبلة، وكذلك من كان موازيًا لمغرب مكة، إن غرب؛ استدبر القبلة، وإن شرق؛ استقبل القبلة، وإنما ينحرف إلى الجنوب أو الشمال، فهذا هو تغريبه وتشريقه)، قال:(وتقدير الترجمة: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق والمغرب ليس في التشريق ولا في التغريب؛ يعني: أنَّهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا مواجهين للقبلة ولا مستدبرين لها) انتهى.
قلت: وما ذكره إمام الشَّارحين من تقدير (قبلة) بلفظ (مستقبل) لا بد منه؛ لأنَّ التطابق في التذكير والتأنيث بين المبتدأ والخبر واجب، والمشرق بالتشريق، والمغرب بالتغريب؛ يعني: هذا بابٌ -بالتنوين- مستقبل أهل المدينة وأهل الشام ليس في التشريق ولا في التغريب، وقد سقطت التاء من (ليس)، فلا تطابق بينه وبين (قبلة)، فلهذا أول بـ (مستقبل)؛ ليتطابقا تذكيرًا.
وقال القاضي عياض: (والمشرقُ)؛ بضم القاف: رواية الأكثرين عطفًا على (باب)؛ يعني: وباب حكم المشرق، ثم حذف من الثاني (باب) و (حكم)، وأقيم (المشرق) مقام الأول، وتبعه الزركشي قائلًا:(وهو الصواب)، واعترضه الدماميني، فزعم أن إثبات (قبلة لأهل المشرق) في الجملة لا إشكال فيه؛ لأنَّهم لا بد لهم أن يصلوا إلى الكعبة، فلهم قبلة يستقبلونها قطعًا، وإنما الإشكال لو جعل المشرق نفسه قبلة مع استدبار الكعبة، وليس في جر (المشرق) ما يقتضي أن يكون المشرق نفسه قبلة، وكيف يتوهم هذا، والمؤلف قد ألصق بهذا الكلام قوله:(ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة؟) انتهى.
قلت: وفيه نظر، فإن تقدير: باب حكم المشرق؛ له وجه وجيه؛ لأنَّ من كان مقابل مشرق مكة من البلاد التي يكون الخط المار عليها من مشرقها إلى مغربها؛ لا يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا؛ لأنَّهم إذا شرقوا؛ استدبروا القبلة، وإن غربوا؛ استقبلوها
…
إلى آخر ما قاله ابن بطال المتقدم.
وعلى هذا؛ يكون كلام المؤلف في هذه الترجمة مبنيًّا
(1)
على أحكام؛ أحدها: حكم قبلة أهل المدينة والشام، والثاني: حكم قبلة أهل المشرق والمغرب، والثالث: بيان أن ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة، فإنَّ عادة المؤلف أخذ أحكام من الأحاديث ووضعها ترجمة، فالحكم الثالث ليس على إطلاقه كما فهمه الدماميني؛ فافهم.
(لقول النبيِّ) الأعظم صلى الله عليه وسلم فيما وصله النسائي، وكذا المؤلف في الباب وغيره عن أبي أيوب الأنصاري: أنه عليه السلام قال: (لا تستقبلوا القِبلة) بكسر القاف؛ أي: لا تطلبوا التوجه بوجوهكم إلى الكعبة (بغائط) : الباء للسببية؛ أي: بسبب وجود الغائط؛ وهو اسم لما اطمأن من الأرض، والمراد به: قضاء الحاجة، (أو بول) زاد في رواية مسلم:«ولا تستدبروها ببول أو غائط» ، والظاهر منه اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، ويكون مثاره إكرام القبلة وتعظيمها عن المواجهة بالنجاسة، وقيل: مثار النهي كشف العورة، وعليه فيطرد في كل حالة تكشف فيها العورة؛ كالوطء مثلًا، وقد نقله ابن شاش من المالكية قولًا في مذهبهم مستدلًّا برواية في «الموطأ» :«لا تستقبلوا القبلة بفروجكم» ، ولا دليل فيه؛ لأنَّها محمولة على حالة قضاء الحاجة جمعًا بين الراويتين على أنه المراد من الحديث: هو تعظيم القبلة عن المواجهة بالنجاسة، فإذا وطئ أو استنجى مواجهًا للقبلة؛ لا يكره؛ لأنَّه في الأول لم يكن عليه نجاسة حقيقية، وفي الثاني
(1)
في الأصل: (مبني)، وليس بصحيح.