الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}
22109 -
عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ نبيا من الأنبياء قاتل أهل مدينة، حتى إذا كاد أن يفتحها خشي أن تغرب الشمس، فقال: أيتها الشمس، إنكِ مأمورة، وأنا مأمور، بحرمتي عليك إلا رَكَدْتِ ساعة من النهار. قال: فحبسها الله حتى افتتح المدينة، وكانوا إذا أصابوا الغنائم قرَّبوها في القربان، فجاءت النار فأكلتها، فلما أصابوا وضعوا القربان، فلم تجِئ النار تأكله، فقالوا: يا نبي الله، مالنا لا تقبل قرباننا؟ قال: فيكم غلول. قالوا: وكيف لنا أن نعلم مَن عنده الغلول؟ قال: وهم اثنا عشر سبطًا. قال: يبايعني رأس كُلِّ سبط منكم. فبايعه رأس كل سبط، فلزقت كفُّه بكفِّ رجل منهم، فقال له: عندك الغلول. فقال: كيف لي أن أعلم؟ قال: تدعو سبطك، فتبايعهم رجلًا رجلًا. ففعل، فلَزَقَت كفُّه بكفِّ رجل منهم، قال: عندك الغلول؟ قال: نعم، عندي الغلول. قال: وما هو؟ قال: رأس ثور من ذهب، أعجبني، فغللته. فجاء به فوضعه في الغنائم، فجاءت النار، فأكلته» . فقال كعب: صدق الله ورسوله، هكذا -واللهِ- في كتاب الله. يعني: في التوراة. ثم قال: يا أبا هريرة، أحَدَّثكم النبي صلى الله عليه وسلم أيَّ نبي كان؟ قال: لا. قال: هو يوشع بن نون. قال: فحدثكم أيَّ قرية؟ قال: لا. قال: هي مدينة أريحاء
(1)
. وفي رواية عبد الرزاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم تَحِلَّ الغنيمةُ لأحد قبلنا، وذلك أنّ الله رأى ضعفنا فطَيَّبها لنا» . وزعموا أنّ الشمس لم تحبس لأحد قبله ولا بعده
(2)
. (5/ 256)
22110 -
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: تاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهارون في التِّيه، وكلُّ من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له: اليوم يوم الجمعة، فهمُّوا بافتتاحها، فدنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلةَ السبت أن يَسبِتوا، فنادى الشمسَ: إنِّي مأمورٌ، وإنّكِ مأمورة. فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار، فلم
(1)
أخرجه الحاكم 2/ 151 (2618).
قال الحاكم: «هذا حديث غريب صحيح، ولم يخرجاه» . وقال الذهبي في التلخيص: «صحيح غريب» .
(2)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف 5/ 241 (9492)، وفي تفسيره 1/ 421 (478). وهو عند البخاري 4/ 86 (3124)، ومسلم 3/ 1366 (1747) دون كلام كعب?.
تأتِ، فقال: فيكم الغلول. فدعا رءوس الأسباط، وهم اثنا عشر رجلًا، فبايعهم، والتصقت يدُ رجل منهم بيده، فقال: الغلول عندك؛ فأخرِجه. فأخرج رأسَ بقرة من ذهب، لها عينان من ياقوت، وأسنان من لؤلؤ، فوضعا مع القربان، فأتت النار فأكلتها
(1)
[2033]. (5/ 253)
22111 -
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق الزبير بن الخريت- في قوله: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} ، قال: التحريم: التِّيه
(2)
. (ز)
22112 -
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد- قال: إنّ بني إسرائيل لَمّا حرَّم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض شَكَوْا إلى موسى، فقالوا: ما نأكل؟ فقال: إنّ الله سيأتيكم بما تأكلون. قالوا: مِن أين؟ قال: إنّ الله سينزل عليكم خبزًا مخبوزًا. فكان ينزل عليهم المَنُّ، وهو خبز الرُّقاق مثل الذرة، قالوا: وما نأتدم، وهل بد لنا من لحم؟ قال: فإنّ الله يأتيكم به. قالوا: من أين؟ فكانت الريح تأتيهم بالسلوى، وهو طير سمين مثل الحمام، قالوا: فما نلبس؟ قال: لا يَخْلَقُ لأحدكم ثوبٌ أربعين سنة. قالوا: فما نَحْتَذِي؟ قال: لا يَنقَطِعُ لأحدكم شِسْعٌ أربعين سنة. قالوا: فإنه يولد فينا أولاد صغار، فما نكسوهم؟ قال: الثوب الصغير يَشِبُّ معه. قالوا: فمن أين لنا الماء؟ قال: يأتيكم به الله. فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر، قالوا: فبِم نُبصِر؟ تغشانا الظلمة فضرب لهم عمودًا من نور في وسط عسكرهم، أضاء عسكرهم كله، قالوا: فبِم نَسْتَظِلُّ؟ الشمس علينا شديدة، قال: يُظِلُّكم الله بالغمام
(3)
. (5/ 254)
22113 -
عن عطية بن سعد العوفي -من طريق فضيل بن مرزوق- قال: تاهوا في اثني عشر فرسخًا أربعين عامًا، وجعل لهم حجر له مثل رأس الثور، يحمل على
[2033] ذكر ابنُ عطية (3/ 143) قولًا يُرْوى «أنّ مَن كان قد جاوز عشرين سنة لم يَعِش إلى الخروج من التيه، وأنّ مَن كان دون العشرين عاشوا» . ثم علَّق عليه بقوله: «كأنه لم يعش المُكَلَّفون. أشار إليه الزجاج» .
_________
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير 3/ 74 - واللفظ له، وابن جرير 8/ 310 مختصرًا، وفي أوله: فدخلوا التيه، فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه.
(2)
أخرجه ابن جرير 8/ 309، وابن عدي في الكامل 6/ 477. وذكره الحافظ في المطالب العالية (إشراف: د. سعد الشثري) 14/ 605 (3583).
(3)
أخرجه ابن جرير 8/ 709، وأبو الشيخ (997).
ثور، فإذا نزلوا منزلًا وضعوه، فضربه موسى عليه الصلاة والسلام، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فإذا ساروا حملوه على ثور، واستمسك الماء
(1)
. (ز)
22114 -
عن قتادة بن دِعامة -من طريق أبي هلال- في قوله: {فإنها محرمة عليهم} ، قال: أبدًا. وفي قوله: {يتيهون في الأرض} ، قال: أربعين سنة
(2)
[2034]. (5/ 252)
22115 -
عن قتادة بن دعامة، قال: لَمّا جبُن القوم عن عدوهم، وتركوا أمر ربهم؛ قال الله:{فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} . قال: كانوا يتيهون في الأرض أربعين سنة، إنما يشربون ماء الأَطْواءِ
(3)
، لا يهبطون قريةً ولا مِصْرًا، ولا يهتدون لها، ولا يقدرون على ذلك
(4)
. (5/ 252)
22116 -
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: حُرِّمت عليهم القرى، فكانوا لا يهبطون قرية، ولا يقدرون على ذلك، إنما يتبعون الأطواء أربعين سنة، والأَطْواءُ: الرَّكايا
(5)
. وذُكِر لنا: أنّ موسى توفي في الأربعين سنة، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم، والرجلان اللذان قالا ما قالا
(6)
. (5/ 253)
[2034] ذكر ابنُ جرير (8/ 314 بتصرف) اختلاف المفسرين في الناصب لـ «الأربعين» على قولين: الأول: أن الناصب لها قوله تعالى: {مُحَرَّمَةٌ} . واستدل لذلك بقول الربيع من طريق عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه. والثاني: أن الناصب لها قوله تعالى: {يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} . واستدل بأثر قتادة، وما في معناه.
ثم رجَّح مستندًا إلى دلالة العقل، والتاريخ المجمع عليها عند علماء الأخبار القولَ الأول بأن «الأربعين» منصوبةٌ بـ «التحريم» ، ومُبَيِّنًا أنّ هذا التحريم وقع عليهم جميعًا، لا على بعضٍ دون بعض، فقال:«وأَوْلى القولين في ذلك عندي بالصواب قولُ مَن قال: إنّ» الأربعين «منصوبة بـ» التحريم «، وإنّ قوله: {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً} معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعضٌ دون بعضٍ منهم؛ لأن الله -عزَّ ذِكْرُه- عمَّ بذلك القوم، ولم يَخْصُصْ منهم بعضًا دون بعضٍ. وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأولين أنّ عوج بن عناق قتله موسى صلى الله عليه وسلم، فلو كان قتْلُه إيّاه قبل مصيره في التيه -وهو من أعظم الجبارين خلقًا- لم تكن بنو إسرائيل تجْزَع من الجبارين الجزع الذي ظهر منها، ولكن ذلك كان إن شاء الله بعد فناء الأمة التي جزعت، وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينتهم. وبعد، فإنّ أهل العلم بأخبار الأولين مجمعون على أن بلعم بن باعور كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى، ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم؛ لأن المعونة إنما يحتاج إليها مَن كان مطلوبًا، فأمّا ولا طالب فلا وجه للحاجة إليها» .
ووجَّه ابنُ عطية (3/ 142) القول الأول بقوله: «أي: حُرِّمت عليهم أرْبَعِينَ سَنَةً، ويتيهون في الأَرض هذه المدة، ثم تفتح عليهم، أدرك ذلك من أدركه، ومات قبله من مات» . ثم نقل عن أبي إسحاق تخطئة القول الأول، ثم انتقده قائلًا:«وذلك منه تحامل» . وعلَّق (3/ 143) على القول الثاني بقوله: «والخطاب على هذا التأويل أصعب موقفًا، وأحضر يأْسًا» .
_________
(1)
ذكره الحافظ في المطالب العالية (إشراف: د. سعد الشثري) 14/ 604 (3582 - [3]). وعزاه المحقق لابن أبي حاتم في تفسيره.
(2)
أخرجه ابن جرير 8/ 308.
(3)
الأطواء: جمع الطَّوِىِّ، والطَّوِيُّ: البئر المطوية بالحجارة. لسان العرب (طوي).
(4)
عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(5)
الرَّكايا: جمع رَكِيَّة، وهي البئر. النهاية (ركا).
(6)
أخرجه ابن جرير 8/ 310. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
22117 -
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قال: غضب موسى على قومه، فدعا عليهم، فقال:{رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} الآية. فقال الله جل وعز: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} . فلمّا ضرب عليهم التيه ندِم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا، يا موسى؟! فمكثوا في التِّيه، فلما خرجوا من التِّيه رُفِع المن والسلوى، وأكلوا من البقول، والتقى موسى وعاجٌ، فَنَزا
(1)
موسى في السماء عشرة أذرع، وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، فأصاب كَعْبَ عاجٍ، فقتله. ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات، ولم يشهد الفتح. ثم إنّ الله لما انقضت الأربعون سنة بعث يوشع بن نون نبيا، فأخبرهم أنه نبي، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه، وصدَّقوه، فهَزَم الجبارين، واقتحموا عليهم يقاتلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عُنُق الرجل يضربونها لا يقطعونها
(2)
. (ز)
22118 -
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: لَمّا قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم؛ أوحى الله إلى موسى: إنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين. وهم يومئذ -فيما ذُكِر- ستمائة ألف مقاتل، فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستة، أو دون
(1)
نزا: وثب. لسان العرب (نزا).
(2)
أخرجه ابن جرير 8/ 309.
ذلك، يسيرون كل يوم جادِّين لكي يخرجوا منها، حتى سَئِموا ونزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا. وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم، فأنزل عليهم المن والسلوى، وأُعْطُوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. وسأل موسى ربَّه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عين، قد علم كل أناس مشربهم. حتى إذا خلت أربعون سنة، وكانت عذابًا بما اعتدوا وعصوا؛ أوحي إلى موسى: أن مرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوهم، وقل لهم: إذا أتوا المسجد أن يأتوا الباب ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا حطة -وإنما قولهم: حطة. أن يحط عنهم خطاياهم-. فأبى عامَّةُ القوم، وعصوا، وسجدوا على خَدِّهم، وقالوا: حنطة. فقال الله -جل ثناؤه-: {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} إلى: {بما كانوا يفسقون} [البقرة: 59]
(1)
. (ز)
22119 -
قال محمد بن السائب الكلبي -من طريق يحيى بن سلام-: لَمّا قالوا: إنا لن ندخلها أبدًا. قال الله: فإنها محرمة عليهم أبدًا، وهم مع ذلك يتيهون في الأرض أربعين سنة. قال: فلم يدخلها أحد ممن كان مع موسى، هلكوا أجمعون في التيه، إلا رجلين: يوشع بن نون، وكالوب. وأنزل عليهم في تلك الأربعين سنة المن، والسلوى، وثيابًا لا تخرق ولا تدنس، تَشِبُّ مع الصغير، وخفافًا لا تخرق، فكان لهم ذلك في تيههم، حتى دخلوا أريحا
(2)
. (ز)
22120 -
قال مقاتل بن سليمان: {قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} دخولها البتة أبدًا، {أرْبَعِينَ سَنَةً} فيها تقديم {يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ}
(3)
. (ز)
22121 -
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: حدثني بعض أهل العلم بالكتاب الأول، قال: لَمّا فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من معصيتهم نبيهم، وهمِّهم بكالب ويوشع إذ أمراهم بدخول مدينة الجبارين، وقالا لهم ما قالا؛ ظهرت عظمة الله بالغَمام على باب قُبَّة الزُّمَرِ على كل بني إسرائيل، فقال -جل ثناؤه- لموسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب؟! وإلى متى لا يصدقون بالآيات كلها التي وضعت بينهم؟! أضْرِبُهم بالموت فأُهلِكُهم، وأجعل لك شعبًا أشدَّ وأكثر منهم؟!
(1)
أخرجه ابن جرير 1/ 708، 8/ 307. وعزاه السيوطي إليه مختصرًا 5/ 255.
(2)
تفسير ابن أبي زمنين 2/ 21. وأخرجه أبو عمرو الداني في المكتفى ص 59 (7).
(3)
تفسير مقاتل بن سليمان 1/ 467.
فقال موسى لله: يسمع أهل المصر الذين أخرجت هذا الشعب بقوتك من بينهم، ويقول ساكن هذه البلاد الذين قد سمعوا أنّك أنت الله في هذا الشعب، فلو أنّك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك: إنما قتل هذا الشعب من أجل لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم، فقتلهم في البرية، ولكن لترتفع أياديك، ويعظم جزاؤك يارب، كما كنت تكلمت وقلت لهم، فإنه طويل صبرك، كثيرة نعمك، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق، وإنك تحفظ ذنب الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة، فاغفر أيْ ربِّ آثام هذا الشعب بكثرة نعمك، كما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن. فقال الله -جل ثناؤه- لموسى صلى الله عليه وسلم: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن حيٌّ أنا، وقد ملأت الأرض محمَدَتي كلها، لا يرى القومُ الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القِفار، وابتلوني عشر مرات ولم يطيعوني؛ لا يرون الأرض التي حَلفْتُ لآبائهم، ولا يراها من أغضبني، فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي فإني مدخله الأرض التي دخلها، ويراها خلفه. وكان العماليق والكنعانيون جلوسًا في الجبال، ثم غدوا فارتحلوا إلى القفار في طريق بَحرِ سُوفٍ
(1)
، وكلَّم الله عز وجل موسى وهارون، وقال لهما: إلى متى تُوَسْوِس عليَّ هذه الجماعةُ جماعةُ السوء؟! قد سمعت وسوسة بني إسرائيل. وقال: لأفعلنَّ بكم كما قلت لكم، ولتُلْقَيَنَّ جِيَفكم في هذه القفار كحسابكم من بني عشرين سنة فما فوق ذلك، من أجل أنكم وسوستم عليَّ، فلا تدخلوا الأرض التي رفعت يدي إليها، ولا ينزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا، ويوشع بن نون، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة، وأما بنوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر فإنهم يدخلون الأرض، وإني بهم عارف لهم الأرض التي أرُدُّ لهم، وتسقط جيفكم في هذه القفار، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيام التي حسستم الأرض أربعين يومًا، مكان كل يوم سنة، وتُقتلون بخطاياكم أربعين سنة، وتعلمون أنكم وسوستم قُدّامي، إنِّي أنا الله فاعل بهذه الجماعة، جماعة بني إسرائيل، الذين وُعِدوا قُدّامي بأن يتيهوا في القفار، فيها يموتون. فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم ليتحسسوا الأرض، ثم
(1)
بحر سُوف: هو خليج القَلْزم، معجم البلدان 5/ 25. وهو ما يطلق عليه البحر الأحمر كما في الموسوعة العربية العالمية. (البحر الأحمر).