الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: وهذه غفلة شديدة؛ لأن الروايتين اللتين يشير إليهما هما باللفظين المذكورين، ودون تلك الزيادة، فكيف يصح تقوية الإسناد الخالف متنه لمتن الثقات؟!
بل العكس هو الصواب، وهو أن تجعل اللفظين شاهداً على ضعف هذا المتن وبطلانه؛ كما لا يخفى على من مارس هذا العلم الشريف.
6643
- (غَمْسُهُ يَدَهُ فِي الْعَدُوّ حَاسِرًا. قاله صلى الله عليه وسلم لمن قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا يُضْحِكُ الرّبّ مِنْ عَبْدِهِ؟؛) .
منكر.
أخرجه ابن إسحاق في " السيرة "(2/ 268) : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة:
أن عوف بن الحارث - وهو: ابن عفراء - قال: يا رسول الله! ما يضحك.. إلخ، فنزع درعاً كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل، رحمه الله.
ورواه ابن أبي شيبة في " المصنف "(5/ 338) : حدثنا يزيد بن هارون: أنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: قال معاذ بن عفراء..
كذا قال (معاذ بن عفراء) ، وهو خطأ، والظاهر أنه سقط منه: " الحارث، وهو أخو
…
".
وأخرجه أبو نعيم في " المعرفة "(2/ 129/ 1) من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق به معنعناً مثل رواية " السيرة ".
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات، وفيه علتان، إحداهما ظاهرة وهي الإرسال؛ فإن (عاصم بن عمر) تابعي لم يدرك القصة، فالله أعلم بمن أخبره بها.
والأخرى ظاهرة أيضاً في رواية (يزيد بن هارون) و (إبراهيم بن سعد) ، وهي عنعنة ابن إسحاق؛ فقد كان مدلساً معروفاً بذلك، إلا أنه قد صرح بالتحديث في رواية "السيرة "، لكنها من رواية (زياد بن عبد الله البكائي) عنه، وهو مختلف فيه، وثبته بعضهم في روايته عن ابن إسحاق في (المغازي) ، وهذه منها، فهو حجة فيها لولا المخالفة للثقتين المذكورين، فإن سلمت من التدليس؛ فما هي بسالمة من الإرسال. والله أعلم.
وإذا ثبت ضعف إسناد الحديث، فقد جاء دور بيان نكارة متنه، فإن قوله:
" حاسراً " يعني: ليس على بدنه درع ولا مغفر - كما في " النهاية " -، فمن المستبعد جداً أن يحضر النبي صلى الله عليه وسلم من كان عليه درع أن ينزعها؛ وأن يقاتل العدو حاسراً، فإن هذا ينافي كل المنافاة مبدأ الأخذ بأسباب الوقاية الممكنة، والإعداد المأمور به في الآية الكريمة:{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} ، كما ينافي سنة
النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العملية في الجهاد، وقتاله للأعداء، مع كونه أشد الناس شجاعة وتوكلاً على الله، فقد صح عنه أنه كان يضع البيضة (الخوذة) على رأسه. (البخاري: 2 0 29) وأنه هشمت على رأسه يوم أحد. (البخاري: 2911)، كما صح (فيه: 2901) أنه تترس بالترس، وأنه تدرع بالدرع يوم أحد. (2915) بل ثبت في " السنن" أنه تظاهر فيه بين درعين. (صحيح أبي داود: 2332) ،
ودخل مكة يوم الفتح وعليه مغفر. متفق عليه (مختصر الشمائل: رقم 91) .
وليس هذا فقط؛ بل صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه استعار من صفوان بن أمية مئة درع وما يصلحها من عدتها. (الإرواء: 5/ 345) . وهذا من اهتمامه بالأخذ بالأسباب، والمحافظة على حياة المجاهدين معه صلى الله عليه وسلم.
فليس من المعقول - إذن - أن يصدر منه صلى الله عليه وسلم الحض على مخالفة هديه صلى الله عليه وسلم،
وهو القائل:
"وخير الهدى هدى محمد ". رواه مسلم.
فثبت بما تقدم أن متن الحديث منكر، وهو ظاهر جداً.
وفي القصة نكارة أخرى، وهي قذف عوف رضي الله عنه للدرع؛ فإنه يدخل في باب إضاعة المال المنهي عنه في حديث المغيرة رضي الله عنه في " الصحيحين " وغيرهما، وما كان للنبي، ولا أن يقر ذلك؛ بله أن يحض على ما ينتج، أو يكون سبباً لذلك.
نعم؛ يمكن أن يقع نحوه من بعض الجاهدين باجتهاد منه مأجور أجراً واحداً، أولغلبة حب الاستشهاد في سبيل الله، والنكاية في أعداء الله؛ كما جاء في قصة استشهاد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في غزوة (مؤتة) ، حين اقتحم
عن فرسه وعقرها، ثم قاتل حتى قتل رضي الله عنه. (صحيح أبي داود: 2318) ، فهذا مغتفر منه؛ لأنه كان عن اجتهاد منه؛ كما قال الحافظ في " الفتح "(6/97)، واستدل على ذلك بقوله:
"والأصل عدم جواز إتلاف المال؛ لأنه يفعل شيئاً محققاً في أمر غير محقق ".
قلت: وهذا هو العلم والفقه الصحيح، وقد أشار إلى ذلك الإمام البخاري بقوله في " صحيحه ": (باب: من لم ير كسر السلاح عند الموت". وإن مما لا شك فيه أن القذف المذكور في القصة يدخل في هذا الباب وفي الأصل المتقدم عن الحافظ؛ كما هو جلي ظاهر.
هذا؛ ولقد كان من البواعث على تخريج هذا الحديث أنني قرأت في " جريدة
السبيل " (العدد 121 - السنة الثالثة) مقالاً كتبه دكتور في الجامعة، ساق هذا
الحديث مستدلاً به على بعضِ المسائل، قائلاً:
"وإنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدخول في مواجهة العدو للقتل من أرفع أنواع الجهاد
عندما قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله قائلاً:
ما الذي يضحك الرب من عبده؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
أن يغمس يده في العدو حاسراً حافراً (كذا) .
أي: أن يتوجه إلى العدو من غير درع يقيه السهام والرماح ".
قلت: لما قرأت هذا الحديث استغربته؛ لعدم وروده في دواوين السنة المشهورة، ولأن ظاهره مخالف للأدلة القاضية بوجوب الأخذ بوسائل القوة في الجهاد - كما تقدم -، ولكني لما كنت أرى أن هذا لا يكفي في رد الحديث وتضعيفه؛ لاحتمال أن يكون ثابتاً في بعض كتب الحديث، وأن يكون له وجه من المعنى غير ظاهر لنا، كما أنه لا يكفي أن يحكم على الحديث بالصحة لمجرد صحة معناه؛ بل لا بد في كل من الحالتين من الرجوع إلى علم الحديث وقواعده، والبحث عن إسناده؛ خلافاً لبعض الكتاب المعاصرين العقلانيين الذين يصححون ويضعفون بعقولهم
وأهوائهم؛ كما فعلوا بحديث البخاري:
" ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحِرَ [والخمر] والحرير والمعازف.. " الحديث، وبغيره.
ومنذ أيام قريبة قيض لي أن أرى في التلفاز والمذيع يعلن عن وفاة شيخ مصري مشهور، صورة ذاك الشيخ وهو يلقي كلمة في بعض المؤتمرات؛ يقول فيها: وقد صح - أو قال: ثبت - عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" أحِبُّوا الله لما يغذوكم من نعمه
…
". ثم رأيته بكى واضطرب، فقطع البث.
وكان هو قد بيَّن وجهة نظره في تصحيح الحديث في مقدمة كتاب له في " السيرة ": أنه يكفي عنده أن يكون معناه " متفقاً مع آية من كتاب الله أو أثر من سنة صحيحة "! وقد كنت رددت عليه في بعض لقاءاتي معه: أن هذا لا يكفي عند أهل العلم في تصحيح المتن، ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، خشية الوقوع في وعيد
قوله صلى الله عليه وسلم: " من قال عليَّ ما لم أقل؛ فليتبوأ مقعده من النار ".
ورجوت منه أن يعيد النظر في موقفه هذا، فوعد خيراً، ولكنه لم يفعل؛ بل إنه استمر على ما عاش عليه. غفر الله له!
من أجل ذلك بادرت إلى البحث عن الحديث، والنظر في سنده؛ لنكون على بينة من أمره، فكان ما رأيت من الضعف في سنده، والنكارة في متنه، ومخالفته لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
ويرى القراء أن الدكتور الفاضل لم يذكر جملة: " فنزع درعاً كانت عليه فقذفها "، فلا أدري أسقطت من قلمه أو حافظته، أو أنه لاحظ ما تقدم بيانه من النكارة؛ فلم يستجز روايتها، وفي جريدة سيّارةٍ.
وعلى كل حال؛ فهنا سؤال يطرح نفسه - كما يقول بعضهم اليوم -: هل يجوز رواية مثل هذا الحدث المنكر سنداً ومتناً، ونشره على الناس دون أي تنبيه على ضعفه، وعزوه لمصدر من كتب السنة التي تروي الأحاديث بأسانيدها ليتيسر لطالب العلم الرجوع إليها إذا أراد التثبت منها؛ لا سيما وفي آخره لفظ:"حافراً "، وليس
له ذكر في شيء من المصادر الثلاثة المتقدمة، ولا فهمت له معنى مناسباً هنا. وأقول الآن: لعل أصل الحديث ما رواه الإمام أحمد في " مسنده " (5/
287) بإسناد صحيح عن نعيم بن هَمّار: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الشهداء أفضل؟ قال:
" الذين إن يلقوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك ينطلقون في الغرف العلى من الجنة، ويضحك إليهم ربهم، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا؛ فلا حساب عليه".
وقد سبق تخريجه في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " برقم (2558) من المجلد السادس، وهو تحت الطبع، وهو وشيك الصدور إن شاء الله تعالى (*) .
قلت: فهذا يغني عن حديث الترجمة الضعيف، ويقوم مقامه في الاستدلال لمواجهة الأعداء للقتل بنية الجهاد في سبيل الله، والنكاية بهم؛ دون أن يكون فيه نكارة ما.
ونحوه قصة عمير بن الحُمام الأنصاري في غزوة بدر من حديث أنس بن مالك قال:
…
فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ".
قال عمير: يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؛ قال:
قال: بخٍ بخٍ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما يحملك على قولك: بخٍ بخٍ؟ ".
(*) صدر في حياة الشيخ رحمه الله وبإشرافه، والسابع منها - وهو الأخير - طبع بعد وفاته بأقسامه الثلاثة. (الناشر) .