الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: فذكره (الطبراني) مكان (البزار) أظنه سبق قلم منه أو من الناسخ، فإنه من المستبعد جداً أن يشارك الطبراني البزار في روايته عن شيخ البزار، لتأخر طبقة الطبراني عنه. وليس في رواة الطبراني في "المعجم الصغير" فضلاً عن
شيوخه من اسمه (رفيع بن سلمة) - كما يستفاد من فهرسي لـ "الروض النضير في ترتيب وتخريج معجم الطبراني الصغير" -. وقد غقل عن هذه الحقيقة الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على "كشف الأستار"(3/7) فعقب على قول الهيثمي المتقدم بقوله:
"قلت: رواه البزار أيضاً عن رفيه بن سلمة، فليس بمجهول"!!
فنفى عنه الجهالة بناء على غفلته المذكورة. وقد تنبه لذاك الخطأ المعلق على "مختصر الزوائد" الفاضل صبري أبو ذر (2/234) ، ولكنه لم ينتبه على خطأ الشيخ الأعظمي المذكور، ولا على قول الحافظ عقب الحديث:
"قلت: هو عندي بإسناد حسن، إلا أنه اختلف في على (رؤبة) ، وعلى (العجاج) ".
قلت: فإن التحسين ينافي ما تقدم تحقيقه من جهالة رؤبة وأبيه! فتنبه.
6514
- (كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرَّ بقدر لبعض أهله فيها لحم يُطبخ، فناوله بعضهم منها كتفاً فأكلها وهو قائم، ثم صلّى ولم يتوضأ) .
منكر بذكر: (وهو قائم) .
أخرجه ابن حبان (5221 - الإحسان) من طريق زيد بن أبي أنيسة، والطبراني في "المعجم الكبير" (1/310/985) من طريق عبد الله بن عرادة: ثنا سليمان بن أبي داود كلاهما عن شرحبيل بن سعد
الأنصاري عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
…
فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف بمتن منكر، وله آفتان:
الأولى: ضعف شرحبيل بن سعد الأنصاري، ضعفه الجمهور، وقال الذهبي في "المغني":
"اتهمه ابن أبي ذئب، وضعفه الدارقطني وغيره".
والأخرى: مخالفته للثقات الذين رووه عن أبي رافع مختضراً - يزيد بعضهم على بعض الشيء بعد الشيء -، ولم يذكر أحد منهم قوله:
"فأكلها وهو قائم".
وهذه مصادر رواياتهم التي وقفت عليها:
مسلم (1/188) ، والنسائي في "الكبرى"(4/155) ، والبيهقي وابن أبي شيبة (1/48) ، وأحمد (6/8، 9، 392) ، والروياني في "مسنده"(ق 131/1) ، والطبراني في "المعجم الكبير"(1/298، 301، 304، 309، 310) ، و "المعجم الأوسط"(1/41/2/715 و 2/284/2/9295 - بترقيمي) .
بل إن عند بعض المذكورين ما يمكن أن يستشعر منه أن الحديث مقلوب المتن، وهو بلفظ:
"أكل كتفاً، ثم قام إلى الصلاة". وهو رواية ابن أبي شيبة وأحمد وغيرهما.
فانقلب على الراوي هذا اللفظ "قام إلى الصلاة" وذلك بعد الأكل. إلى:
"فأكلها وهو قائم"!
هذا، وإن مما يسترعي الانتباه، ولفت النظر إليه أن ابن حبان هو ممن روى الحديث باللفظ المحفوظ الذي ذكرته آنفاً، ولكن الغريب أنه رواه بنفس السند والشيخ الذي روى الحديث المنكر، فقال (رقم 1146) : أخبرنا الحسين بن محمد ابن أبي معشر قال: حدثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة قال: حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم زيد بن أبي أنيسة عن شرحبيل بن سعد الأنصاري عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
أهديت لرسول الله شاة، فشوي له بعضها، فأكل منها، ثم قام يصلي ولم يتوضأ.
ولذلك لما ساق الهيثمي الحديث في "موارد الضمآن"(216) بدأ بهذا اللفظ فساقه مع السند - كعادته فيه -، ثم قال:
"قلت: وبسنده إلى أبي رافع قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ". فساق حديث
الترجمة.
والمقصود: أنني أستبعد جداً أن يكون كل فرد من هؤلاء الرواة تلقى الحديث أحدهم عن الآخر إلى شرحبيل بن سعد باللفظين المختلفين، فأخشى أن يكون أحدهم دخل عليه حديث في حديث، - كما يقع ذلك لبعض الرواة أحياناً -، فإن اللائق برواية هذا الحديث المنكر إنما هو سليمان بن أبي داود الحراني الذي في الطريق الثاني، فإنه متفق على ضعفه، بل قال البخاري في "التاريخ":
"منكر الحديث". وقال ابن حبان في " الضعفاء"(1/337) :
"منكر الحديث جداً، يروى عن الأثبات ما يخالف حديث الثقاة".
قلت: فهو آفة هذا الحديث، لمخالفته لزيد بن أبي أنيسة، عند ابن حبان والطبراني، وروايته المطابقة له عند ابن حبان خطأ لا ندري منشأه، هذا، إن سلم من شرحبيل نفسه. والله أعلم.
وإن من غرائب التخريجات، وضحالة التحقيقات: الخلط بين التخريج والحكم بين حديث الترجمة المنكر، والحديث المحفوظ الخالي من الإنكار، ذلك ما فعله المعلقان على طبعتهما الجديدة لـ "موارد الضمآن"(1/352 -353) ، فإنهما خلطا في التخريج بينهما، وأوهما القراء بأنهما صحيحان بالشواهد التي خرجاها، دون أن يسوقا ألفاظ أكثرها، ولو أنهما فعلا ذلك، لما تنبه للنكارة إلا القليل جداً من القراء. وأما العامة فلا بد من التصريح لهم بذلك - كما لا يخفى -. ولم لا، وهؤلاء المتخصصون في علم الجرح والتعديل، والتضعيف والتصحيح - فيما يُظن - لم ينتبهوا لذلك؟!
وقد سبقهم إلى مثله الشيخ شعيب، ومن تحت يده من المعاونين له، فإنه لما خرج (3/227 - 228) اللفظ المحفوظ وضعف رواية شرحبيل بن سعد، قواه ببعض الشواهد، فأحسن، ولكنه لما خرج اللفظ المنكر (12/50) ، وضعف
شرحبيل أيضاً، لم يخرجه، وإنما أحال به على تخريجه فيما تقدم هناك، فأوهم بذلك أنه قوي أيضاً، فأساء! ثم صار هذا الإيهام حقيقة عنده، فصرح بصحة اللفظين في طبعته الجديدة لـ "الموارد"(1/116 -117) ! فهكذا، فليكن
التخريج والتحقيق!!
ومن ذلك: قول الأخ الدارني في راوي حديث أحمد المتقدم (ص 39) :
رواه (6/8،9) من طريق عباد بن عبيد الله بن أبي رافع، فزعم أن (عباد) محلاف في المكانين! والحقيقة أن هذا لقبه -كما في "التهذيب" وغيره -، واسمه: عبد الله، ويتكرر ذكره بلقبه في كثير من الأسانيد، فيتوهم من لا علم
عنده أنه تحريف. والله المستعان.
وإذا علمت أن الحديث منكر لا يصح، فإنه يتبين لك بوضوح سقوط ترجمة ابن حبان له بقوله (ذكر الإباحة للمرء أن يأكل الطعام وهو قائم) .
وبمثل ذلك ترجم لحديث ابن عمر الآتي في (21 - الأشربة/ 3 - باب الشرب قائماً والأكل) ، وسأذكر هناك مافيه (*) .
واعلم أنه لا يوجد حديث في الأكل قائماً غير هذا المنكر، بل صح عن أنس رضي الله عنه أنه قال: هو أشر وأخبث من الشرب قائماً. وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، كما في "صحيح مسلم" وغيره، وقد سبق تخريجه في المجلد الأول من "الأحاديث الصحيحة" رقم (177) ، وقبله حديثان آخران يدلان على التحريم، فراجع إن شئت.
إذ عرفت هذا، فقد ابتدع الكفار في العصر الحاضر - استكباراً منهم وتجبراً - أن يأكلوا جميعاً قياماً، مع توفر الجلوس على المقاعد، وقلدهم في ذلك كثير من المسلمين المترفين، أو ممن لا علم عندهم، ولا التزام للدين وأحكامه لديهم.
والسنة: الأكل جلوساً على الأرض، أو على الكراسي، وأما الأكل قياماً، فسنة الكفار، وقد نهينا عن التشبه بهم، وأُمرنا بمخالفتهم، حتى فيما ليس من صنعهم واختيارهم، - كما هو مبين في آخر كتابي "جلباب المرأة المسلمة"،
(*) بيَّن الشيخ رحمه الله مافيه في "الصحيحة"(3178) . (الناشر) .