الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معصيته؛ رحمةً لهم، وعائِدةً عليهم، لِما فيهم من الإيمان
(1)
. (ز)
بسط قصة الآية
15045 -
عن عبد الله بن مسعود -من طريق الشعبي- قال: إنّ النساء كُنَّ يوم أحد خَلْفَ المسلمين، يُجْهِزْنَ على جرحى المشركين، فلو حلفتُ يومئذٍ رجوتُ أن أبَرَّ: إنّه ليس أحدٌ مِنّا يُرِيد الدنيا، حتى أنزل الله:{منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} . فلَمّا خالف أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم، وعَصَوْا ما أُمِرُوا به؛ أُفْرِدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في تسعةٍ؛ سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشر، فلمّا رَهَقُوهُ
(2)
قال: «رحم اللهُ رجلًا ردَّهم عنّا» . فقام رجلٌ مِن الأنصار فقاتل ساعةً حتى قُتِل، فلمّا رَهَقُوهُ أيضًا قال:«رحم الله رجلًا ردَّهم عنّا» . فلم يَزَلْ يقول ذا حتى قُتِل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه:«ما أنصَفْنا أصحابَنا» . فجاء أبو سفيان، فقال: اعلُ، هُبَل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«قولوا: اللهُ أعلى وأجلُّ» فقالوا: الله أعلى وأجلُّ. فقال أبو سفيان: لنا العُزّى، ولا عُزّى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«قولوا: اللهُ مولانا، والكافرون لا مولى لهم» . ثُمَّ قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، يومٌ لنا ويومٌ علينا، ويومٌ نُساءُ ويومٌ نُسَرُّ، حنظلة بحنظلة، وفلان بفلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا سواء؛ أمّا قتلانا فأحياءٌ يُرْزَقُون، وقتلاكم في النار يُعَذَّبون» . قال أبو سفيان: قد كان في القوم مُثْلَةٌ، وإن كانت لَعَنْ غيرِ مَلَأٍ مِنّا؛ ما أمرتُ ولا نَهَيْتُ، ولا أحببتُ ولا كرِهْتُ، ولا ساءني ولا سرَّني. قال: فنظروا، فإذا حمزةُ قد بُقِرَ بطنُه، وأَخَذَتْ هندُ كَبِدَه فلاكَتْها، فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أكَلَتْ شيئًا؟» . قالوا: لا. قال: «ما كان اللهُ لِيُدْخِلَ شيئًا مِن حمزةَ النارَ» . فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزةَ، فصلّى عليه، وجيء برجل من الأنصار، فوُضِع إلى جنبه، فصلّى عليه، فرُفع الأنصاري وتُرك حمزة، ثُمَّ جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة، فصلى عليه، ثم رُفع وتُرك حمزة، حتى صلّى عليه يومئذ سبعين صلاةً
(3)
. (4/ 63 - 64)
15046 -
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطيَّة العوفي- في قوله: {ولقد
(1)
أخرجه ابن جرير 6/ 145، وابن المنذر 2/ 447 - 448 من طريق زياد.
(2)
رَهَقُوهُ: دَنَوا منه. النهاية (رهق).
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 402، وأحمد 7/ 418، وابن المنذر (1060) مختصرًا.
وقال محققو المسند: «حسن لغيره» . وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه؛ الشعبي لم يسمع من ابن مسعود.
صدقكم الله وعده} الآية، قال: إنّ أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خَلَوْنَ مِن شوال حتى نزل أُحُدًا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذَّنَ في الناس فاجتمعوا، وأمَّر على الخيل الزبيرَ بن العوام، ومعه يومئذٍ المقدادُ بن الأسود الكِندِيُّ، وأعطى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم اللواءَ رجلًا من قريش يُقال له: مصعب بن عمير. وخرج حمزة بن عبد المطلب بالحُسَّرِ
(1)
، وبعث حمزة بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير، وقال:«استقبل خالد بن الوليد، فكُن بإزائه حتى أُوذِنَك» . وأمر بخيلٍ أخرى فكانوا من جانب آخر، فقال:«لا تبرحوا حتى أُوذِنكم» . وأقبل أبو سفيان يحملُ اللاتَ والعُزّى، فأرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمِل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمَه ومن معه، فقال:{ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} . وإنّ الله وعد المؤمنين أن ينصرهم، وأنّه معهم. وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناسًا من الناس فكانوا مِن ورائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كونوا ههنا، فرُدُّوا وجهَ مَن نَدَّ مِنّا، وكونوا حرسًا لنا مِن قِبَل ظهورنا» . وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمّا هزم القوم هو وأصحابه الذين كانوا جُعِلوا من ورائهم، فقال بعضُهم لبعض لَمّا رَأَوُا النساءَ مُصْعِداتٍ في الجبل، ورَأَوُا الغنائمَ: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدرِكُوا الغنيمة قبل أن تُسْبَقُوا إليها. وقالت طائفة أخرى: بل نُطِيع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنثبت مكاننا. فذلك قوله:{منكم من يريد الدنيا} للذين أرادوا الغنيمة، {ومنكم من يريد الآخرة} للذين قالوا: نطيعُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ونثبت مكاننا. فأتَوْا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان فشلًا حين تنازعوا بينهم، يقول:{وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة
(2)
. (4/ 60)
15047 -
عن عبد الله بن عباس -من طريق عبيد الله بن عبد الله- أنّه قال: ما نَصَرَ اللهُ نبيَّه في مَوْطِنٍ كما نصر يومَ أحد. فأنكروا ذلك! فقال ابنُ عباس: بيني وبين مَن أنكر ذلك كتابُ الله؛ إنّ الله يقول في يوم أحد: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} يقول ابن عباس: والحَسُّ: القتلُ. {حتى إذا فشلتم} إلى قوله: {ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} وإنّما عنى
(1)
الحُسَّر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه ولا مغفر. النهاية (حسر).
(2)
أخرجه ابن جرير 6/ 130، 131، 137، وفي تاريخه 2/ 508، 509، وابن أبي حاتم 3/ 786، 788، 789.
بهذا الرماة، وذلك أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع، ثم قال:«احْمُوا ظهورَنا، فإن رأيتمونا نُقْتَلُ فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنِمنا فلا تشاركونا» . فلَمّا غنِم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأباحوا عسكر المشركين؛ انكَفَأَتِ الرُّماةُ جميعًا، فدخلوا في العسكر يَنتَهِبُون، والتَفَّتْ صفوف المسلمين فهم هكذا -وشَبَّك بين يديه- والتبسوا، فلَمّا أخَلَّ الرُّماةُ تلك الخَلَّة
(1)
التي كانوا فيها؛ دخل الخيلُ من ذلك الموضع على الصحابة، فضرب بعضُهم بعضًا، والتبسوا، وقُتِل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أوَّل النهار، حتى قُتِل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جَوْلَةً نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار. إنما كانوا تحت المِهْراس، وصاح الشيطان: قُتِل محمد. فلم يُشَكَّ فيه أنّه حقٌّ، فما زِلْنا كذلك ما نَشُكُّ أنّه قُتِل حتى طلع بين السَّعْدَيْن، نعرِفُه بتَكَفُّئِهِ إذا مشى، ففرحنا، حتى كأنّه لم يُصِبْنا ما أصابنا، فرَقِي نحونا وهو يقول:«اشْتَدَّ غضبُ اللهِ على قومٍ دَمَّوْا وجهَ نبيِّهم» . ويقول مرة أخرى: «اللَّهُمَّ، إنّه ليس لهم أن يعلونا» . حتى انتهى إلينا، فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعلُ، هُبَل. اعْلُ، هُبَل. أين ابنُ أبي كَبْشَة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: ألا أُجِيبُه، يا رسول الله؟ قال:«بلى» . فلمّا قال: اعلُ، هُبَل. قال عمر: اللهُ أعلى وأجلُّ. فعاد، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ فقال عمر: هذا رسولُ الله، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر. فقال: يومٌ بيوم بدر، الأيّامُ دُوَلٌ، والحربُ سِجالٌ. فقال عمرُ: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنّكم لَتَزْعُمُون ذلك؛ لقد خِبْنا إذن وخسِرنا. ثُمَّ قال أبو سفيان: إنّكم ستجدون في قتلاكم مُثْلَةً، ولم يكن ذلك عن رأي سُراتِنا. ثُمَّ أدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الجاهلية، فقال: أما إنّه كان ذلك ولم نكرهه
(2)
. (4/ 61 - 62)
15048 -
عن البراء بن عازب -من طريق أبي إسحاق- قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرُّماةِ يوم أحد -وكانوا خمسين رجلًا- عبدَ الله بنَ جبير، ووضعهم موضِعًا، وقال:«إن رأيتمونا تَخَطَّفُنا الطيرُ فلا تبرحوا حتى أُرْسِل إليكم» . فهزموهم، قال:
(1)
أي: لما تركوا ذلك الثغر. النهاية (خلل).
(2)
أخرجه أحمد 4/ 368 - 370، وابن المنذر (1051)، وابن أبي حاتم 3/ 786 - 787، والطبراني (10731)، والحاكم 2/ 296 - 297، والبيهقي في الدلائل 3/ 269، 271.
صححه الحاكم، وقال ابن كثير في تفسيره 2/ 114:«هذا حديث غريب، وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم يشهد أُحُدًا ولا أبوه» . وقال محققو المسند: «إسناده حسن» .
فأنا واللهِ رأيتُ النساءَ يَشْدُدْنَ على الجبل، وقد بدت أسْوُقُهُنَّ وخلاخِلُهُنَّ، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله: الغنيمةَ، أيْ قومُ، الغنيمةَ، ظهر أصحابُكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أفَنَسِيتُم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقالوا: إنّا واللهِ لَنَأْتِيَنَّ الناسَ، فلَنُصِيبَنَّ من الغنيمة. فلما أتوهم صُرِفت وجوهُهم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسولُ في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلًا، فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة؛ سبعين أسيرًا، وسبعين قتيلًا، قال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاثًا، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ مرتين. أفي القوم ابن الخطاب؟ مرتين. ثم أقبل على أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قُتِلوا، وقد كُفِيتُموهم. فما ملك عمرُ نفسَه أن قال: كذبتَ، واللهِ، يا عدوَّ الله، إنّ الذين عَدَدْتَ أحياءٌ كلُّهم، وقد بقي لك ما يسوءُك. قال: يوم بيوم بدر، والحربُ سِجالٌ، إنّكم ستجدون في القوم مُثْلَةً لم آمر بها ولم تَسُؤْني. ثم أخذ يرتجز: اعلُ، هُبَل. اعْلُ، هُبَلْ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ألا تُجِيبونه؟» . قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال:«قولوا: اللهُ أعلى وأجلُّ» . قال: إنّ لنا العُزّى، ولا عُزّى لكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ألا تجيبونه؟» . قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال:«قولوا: اللهُ مولانا، ولا مولى لكم»
(1)
.
(4/ 65 - 66)
15049 -
عن جابر بن عبد الله -من طريق أبي الزُّبَيْر مولى حكيم بن حرام- قال: انهزم الناسُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا مِن الأنصار وطلحةُ بنُ عبيد الله، وهو يُصْعِد في الجبل، فلحقهم المشركون، فقال:«ألا أحدَ لهؤلاء؟» . فقال طلحةُ: أنا، يا رسول الله. فقال:«كما أنتَ، يا طلحة» . فقال رجل من الأنصار: فأنا، يا رسول الله. فقاتَلَ عنه، وصعِد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن بقي معه، ثُمَّ قُتِل الأنصاريُّ، فلَحِقُوه، فقال:«ألا رجلَ لهؤلاء؟» . فقال طلحةُ مثلَ قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله، فقال رجلٌ من الأنصار: فأنا، يا رسول الله. [فأذن له، فقاتل مثل قتاله وقتال صاحبه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم] وأصحابه يصعَدون، ثم قُتل، فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، ويقول طلحة: أنا، يا رسول الله. فيحبسه، فيستأذنه رجلٌ من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل مَن كان قبله، حتى لم يبق
(1)
أخرجه أحمد 30/ 554 - 556، 562، والبخاري (3039)، والنسائي (8635، 11079)، وابن جرير 6/ 130، وابن المنذر (1050) مختصرًا، والبيهقي في الدلائل 3/ 267 - 269.
معه إلا طلحة، فَغَشُوهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مَن لهؤلاء؟» . فقال طلحة: أنا. فقاتل مثلَ قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أناملُه، فقال: حَسِّ
(1)
. فقال: «لو قلتَ: بسم الله. أو ذكرتَ اسم الله؛ لرَفَعَتْك الملائكةُ -والناسُ ينظرون إليك- في جوِّ السماء» . ثم صعِد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وهم مجتمعون
(2)
. (4/ 66 - 67)
15050 -
عن عبد الله بن عمر -من طريق عثمان بن مَوْهِبٍ- أنّ رجلًا جاءه، فقال: إنِّي سائلُك عن شيءٍ فحدثني، أنشُدُكَ بحرمة هذا البيت: أتعلمُ أنّ عثمان بن عفان فرَّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيَّب عن بدر، فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنّه تخلَّف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبَّر، فقال ابنُ عمر: تعال لِأُخبرك ولِأُبيِّن لك عمّا سألتني عنه؛ أمّا فراره يوم أحد فأشهد أنّ الله عفا عنه. وأمّا تغيُّبُه عن بدرٍ فإنّه كان تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضةً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنّ لك أجرَ رجل مِمَّن شهد بدرًا وسهمَه» . وأَمّا تغيُّبُه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحدٌ أعزَّ ببطن مكة مِن عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، فكانت بيعةُ الرضوان بعدما ذهب عثمانُ إلى مكة، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى فضرب بها على يده، فقال:«هذه يدُ عثمان» . اذهب بها الآنَ معك
(3)
. (4/ 72)
15051 -
عن الزُّبَيْر بن العوام -من طريق ابن إسحاق- قال: واللهِ، لقد رأيتني أنظر إلى خَدَم
(4)
هند بنت عتبة وصواحبها مُشَمِّراتٍ هوارب، ما دُون أخْذِهِنَّ قليلٌ ولا كثيرٌ، إذ مالتِ الرُّماةُ إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه، يُريدُون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورنا للخيل، فأُتينا مِن أدبارنا، وصرخ صارخٌ: ألا إنّ محمدًا قد قُتِل. فانكَفَأْنا، وانكَفَأَ علينا القومُ بعد أن أصبنا أصحابَ اللواء، حتى ما يدنو منه أحدٌ مِن القوم
(5)
. (ز)
15052 -
عن عبيد بن عمير -من طريق ابن جُرَيْج- قال: جاء أبو سفيان بن حرب ومن معه، حتى وقف بالشِّعب، ثم نادى: أفي القوم ابنُ أبي كبشة؟ فسكتوا، فقال أبو سفيان: قُتِل، وربِّ الكعبة. ثم قال: أفي القوم ابنُ أبي قُحافَة؟ فسكتوا، فقال: قُتِل، وربِّ الكعبة. ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ فسكتوا، فقال: قُتِل،
(1)
حَسِّ: كلمة يقولُها الإنسان إذا أصابه ما مَضَّه وأحْرَقَه غَفْلة، كالجَمْرة والضَّرْبة ونحوهما. النهاية (حسس).
(2)
أخرجه البيهقي في الدلائل 3/ 236.
(3)
أخرجه البخاري (3130، 3698، 4096).
(4)
الخَدَم: جمع خَدَمة، وهي الخُلخال. لسان العرب (خدم).
(5)
أخرجه ابن جرير 6/ 132.
ورب الكعبة. ثم قال أبو سفيان: اعْلُ، هُبَلُ، يومٌ بيوم بدر، والحربُ سِجالٌ، وحنظلة بحنظلة، وأنتم واجدون في القوم مَثْلًا
(1)
لم تكن عن رأي سُراتِنا وخِيارِنا، ولم نكرهْه حين رأيناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب:«قُمْ، فنادِ، فقُلْ: اللهُ أعلى وأجلُّ. نعم، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنَذا. لا يستوي أصحابُ النار وأصحابُ الجنة، أصحابُ الجنة هم الفائزون، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار»
(2)
. (ز)
15053 -
عن الحسن البصري، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«رأيتني البارحة كأنّ عليَّ دِرْعًا حصينةً؛ فأوَّلْتُها المدينةَ، فاكمُنوا للمشركين في أزِقَّتها، حتى يدخلوا عليكم في أزِقَّتِها، فتقتلوهم» . فأَبَتِ الأنصارُ مِن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، مَنَعْنا مدينتَنا مِن تُبَّعٍ والجنودِ، فنُخَلِّي بين هؤلاء المشركين وبينها يدخلونها؟! فلبس رسولُ الله سلاحَه، فلمّا خرجوا مِن عنده أقبل بعضُهم على بعض، فقالوا: ما صنعنا؟! أشار علينا رسول الله فرددنا رأيه؟! فأتَوْه، فقالوا: يا رسول الله، نكمُن لهم في أزِقَّتها حتى يدخلوا، فنقتلهم فيها. فقال:«إنّه ليس لنبي لَبِس لَأْمَتَهُ -أي: سلاحه- أن يضعها حتى يُقاتِل» . قال: فبات رسول الله دونهم بليلة، فرأى رؤيا، فأصبح، فقال:«إنِّي رأيتُ البارحةَ كأن بقرًا يُنحَر، فقلتُ: بقرٌ! واللهِ، خيرٌ، وإنّه كائنةٌ فيكم مصيبةٌ، وإنّكم ستلقونهم وتهزمونهم غدًا، فإذا هزمتموهم فلا تَتْبَعوا المُدْبِرين» . ففعلوا، فلقوهم، فهزموهم، كما قال رسول الله، فأَتْبَعُوا المُدْبِرِين على وجهين: أمّا بعضهم فقالوا: مشركون، وقد أمكننا الله مِن أدبارهم، فنقتلهم. فقتلوهم على وجه الحِسْبَة، وأمّا بعضهم فقتلوهم لطلب الغنيمة، فرجع المشركون عليهم، فهزموهم حتى صعِدوا أحدًا. وهو قوله:{ولقد صدقكم الله وعده} الآية
(3)
. (ز)
15054 -
عن محمد ابن شهاب الزهري =
15055 -
ومحمد بن يحيى بن حبان =
15056 -
وعاصم بن عمر بن قتادة =
15057 -
والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا -من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري- في قصة ذكرها عن أحد، ذكر
(1)
يقال: مَثَلْتُ بالقَتيل أمْثُل به مَثْلًا، إذا جَدَعْت أنفه أو أذُنَه أو مَذاكِيرَه أو شيئًا من أطرافِه. النهاية (مثل).
(2)
أخرجه ابن جرير 6/ 156.
(3)
ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين 1/ 325 - 326 - .
أنّ كلهم قد حدَّث ببعضها، وأنّ حديثهم اجتمع فيما ساق من الحديث، فكان فيما ذكر في ذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل الشِّعْبِ مِن أُحُدٍ في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال:«لا يقاتلن حتى نأمره بالقتال» . وقد سرَّحت قريش الظَّهْرَ
(1)
والكُراعَ
(2)
في زروع كانت بالصَّمْغَة
(3)
من قناةٍ للمسلمين، فقال رجلٌ مِن الأنصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أتُرْعى زُرُوعُ بَنِيَ قَيْلَةَ ولَمّا نُضارِبْ؟! وتعبَّأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو في سبعمائة رجل، وتعبَّأَتْ قُرَيْشٌ وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جَنَّبُوها، فجعلوا على مَيْمَنَةِ الخيلِ خالدَ بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، وأمَّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الرُّماةِ عبدَ الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ مُعَلَّمٌ بثياب بِيض، والرُّماةُ خمسون رجلًا، وقال: «انضَحْ
(4)
عنا الخيلَ بالنَّبْلِ؛ لا يأتونا مِن خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثْبُتْ مكانَك، لا نُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِك». فلمّا التقى الناسُ، ودنا بعضُهم من بعض، واقتتلوا حتى حَمِيَتِ الحربُ، وقاتل أبو دجانة حتى أمْعَنَ في الناس، وحمزةُ بن عبد المطلب وعليُّ بن أبى طالب في رجال من المسلمين، فأنزل الله عز وجل نصرَه، وصدقهم وعده، فحسُّوهم بالسيوف، حتى كشفوهم، وكانت الهزيمةُ لا شكَّ فيها
(5)
. (ز)
15058 -
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: لَمّا برز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين بأحد؛ أمر الرُّماةَ، فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين، وقال:«لا تبرحوا مكانَكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنّا لن نزالَ غالبين ما ثَبَتُّم مكانَكم» . وأمَّر عليهم عبد الله بن جُبَيْر أخا خوّات بن جبير. ثُمَّ إنّ طلحة بن عثمان صاحبَ لواء المشركين قام، فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنّكم تزعمون أنّ الله يُعَجِّلُنا بسيوفكم إلى النار، ويُعَجِّلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم أحدٌ يُعَجِّلُه الله بسيفي إلى الجنة، أو يُعَجِّلُني بسيفه إلى النار؟ فقام إليه عليُّ بن أبي طالب، فقال: والذي نفسي بيده، لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار، أو
(1)
الظَّهْر: الإبل التي تحمل ويركب عليها. النهاية (ظهر).
(2)
الكُراعَ: جماعة الخيل. النهاية (كرع).
(3)
الصَّمْغة: مزرعة قرب جبل أُحد تسمى اليوم بالعيون. معجم البلدان (صمغ).
(4)
انضح: ارم وارشق. اللسان (نضح).
(5)
أخرجه ابن جرير 6/ 131.
يعجلني بسيفك إلى الجنة. فضربه عليٌّ، فقطع رجله، فسقط، فانكشفت عورتُه، فقال: أنشُدُكَ اللهَ والرَّحِمَ، يا ابن عمِّ. فتركه، فكبَّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقال لعليٍّ أصحابُه: ما منعك أن تُجْهِزَ عليه؟ قال: إنّ ابن عمِّي ناشدني اللهَ حين انكشفت عورتُه، فاسْتَحْيَيْتُ منه. ثُمَّ شدَّ الزبيرُ بن العوام والمقدادُ بن الأسود على المشركين، فهزماهم، وحمل النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، فهزموا أبا سفيان، فلمّا رأى ذلك خالدُ بن الوليد وهو على خيل المشركين حَمَلَ، فَرَمَتْهُ الرُّماةُ، فانقَمَعَ. فلمّا نظر الرُّماةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه في جَوْفِ عسكرِ المشركين ينهبونه، بادروا الغنيمةَ، فقال بعضُهم: لا نتركُ أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلق عامَّتُهم، فلحقوا بالعَسْكَر؛ فلمّا رأى خالدٌ قِلَّة الرُّماةِ صاح في خيله، ثُمَّ حَمَلَ، فقتل الرُّماةَ، ثُمَّ حَمَل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلمّا رأى المشركون أنّ خيلهم تُقاتِل تَنادَوْا، فشَدُّوا على المسلمين، فهزموهم، وقتلوهم، فدخل [بعضُ المسلمين] المدينةَ، وانطلق بعضُهم فوق الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس:«إلَيَّ، عبادَ الله. إلَيَّ، عباد الله» .
…
حتى انتهى إلى أصحاب الصَّخرة، فلما رأوه وضع رجلٌ سهمًا في قوسه، فأراد أن يرميه، فقال:«أنا رسول الله» . ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًّا، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أنّ في أصحابه مَن يمتنع، فلمّا اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قُتِلوا، فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم، فلمّا نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمَّهم أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ليس لهم أن يعلونا، اللَّهُمَّ، إن تُقْتَل هذه العصابةُ لا تُعْبَدُ» . ثُمَّ ندب أصحابَه، فرموهم بالحجارة، حتى أنزلوهم، فذلك قوله:{فأثابكم غما بغم} الغمُّ الأولُ ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغمُّ الثاني إشرافُ العدوِّ عليهم
(1)
. (ز)
15059 -
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: فكان أوَّل مَن عرف رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقولِ الناس: قُتِل رسولُ الله صلى وسلم -كما حدَّثني ابنُ شهاب الزهري- كعبُ بن مالك أخو بني سلمة. قال: عرفتُ عينيه تَزْهَران
(2)
تحت المِغْفَر، فناديتُ بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشِروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1)
أخرجه ابن جرير 6/ 129، 147، 153.
(2)
تزهران: تلمعان من البياض. النهاية (زهر).
فأشار إلَيَّ رسولُ الله أنْ أنصِتْ، فلمّا عرف المسلمون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض نحو الشِّعْبِ، معه عليُّ بن أبي طالب، وأبو بكر بنُ أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والحارث بن الصِّمة، في رهطٍ من المسلمين، قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشِّعْبِ ومعه أولئك النفرُ من أصحابه، إذ عَلَتْ عالِيَةٌ من قريشٍ الجبلَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«اللَّهُمَّ، إنّه لا ينبغي لهم أن يعلونا» . فقاتل عمرُ بن الخطاب ورهطٌ معه من المهاجرين حتى أهبطوهم عن الجبل، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرةٍ من الجبل ليعلوها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بَدَّن
(1)
، وظاهر بين دِرْعَيْن، فلمّا ذهب لينهض، فلم يستطع؛ جلس تحته طلحةُ بن عبيد الله، فنهض حتى استوى عليها. ثُمَّ إن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشْرَف على الجبل، ثُمَّ صرخ بأعلى صوته: أنْعَمَتْ فَعالِ
(2)
، إنّ الحرب سجالٌ، يومٌ بيوم بدر، اعلُ، هُبَلُ. أي: ظهر دينُك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر:«قُمْ، فأجِبْه، فقُلْ: اللهُ أعلى وأجلُّ، لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار» . فلمّا أجاب عمرُ? أبا سفيان، قال له أبو سفيان: هلُمَّ إلَيَّ، يا عمرُ. فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:«ائْتِه، فانظرْ ما شأنه؟» . فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشُدُكَ اللهَ، يا عمر، أقتلنا محمدًا؟ فقال عمر: اللَّهُمَّ، لا، وإنّه لَيَسمعُ كلامَك الآن. فقال: أنت أصدقُ عندي مِن ابن قميئة وأبرُّ. لِقول ابن قميئة لهم: إنِّي قتلتُ محمدًا. ثُمَّ نادى أبو سفيان، فقال: إنّه قد كان في قتلاكم مُثْل، واللهِ، ما رضيتُ ولا سخطتُ، وما نهيتُ ولا أمرتُ
(3)
[1431]. (ز)
[1431] عَلَّق ابنُ عطية (2/ 391) على الاختلاف في قصة هزيمة أحد بقوله: «واختلفت الروايات في هذه القصة -من هزيمة أحد- اختلافًا كثيرًا، وذلك أنّ الأمر هول، فكلُّ أحدٍ وصف ما رأى وسمع» .
_________
(1)
قد بدَّن: صار كبيرا كثير اللحم. النهاية، مادة (بدن).
(2)
كان الرجل من قريش إذا أرادَ ابْتِداء أمْرٍ عَمَد إلى سَهْمَين فكتَب على أحَدِهما: نَعَم، وعلى الآخَر: لا، ثُمَّ يتقَدّم إلى الصنَّمَ ويُجِيل سِهامَه، فإنْ خرَج سَهْم نَعَم أقْدَم، وإن خرَج سهْم لا امْتَنَع. وكان أبو سفيان لمّا أرادَ الخُروج إلى أُحُد اسْتَفْتى هُبَل فخرَج له سهم الإنْعام فذلك قولُه:«أنْعَمَتْ فعالِ» : أي تَجافَ عنها ولا تَذْكرْها بسُوء، يعني: آلِهَتهم. النهاية (علا).
(3)
أخرجه ابن جرير 6/ 154.